العطش في العراق... أزمة المياه تدفع السكان للهجرة
صنّفت حكومة محافظة ذي قار جنوب العراق سيد دخيل مدينة منكوبة جراء نقص المياه، وذلك بعدما عقدت المحافظة جلسة طارئة لمعالجة موضوع الجفاف وشح المياه. وجاءت الأزمة في وقت حساس حيث يعاني العراق من انخفاض حاد في مخزون المياه بتأثير تزايد تأثيرات التغيّرات المناخية ونقص الأمطار، ما يفاقم تداعيات أزمة المياه على الحياة اليومية والزراعة، والتي كانت بلغت ذروتها في السنوات الأربع الأخيرة حين ضرب الجفاف نهري دجلة والفرات وصولاً إلى ظهور القاع في بعض المناطق، كما تراجعت مساحات واسعة من الأهوار والمسطحات المائية ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي، وانحسار كبير في الأراضي الزراعية.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم مجلس محافظة ذي قار، أحمد سليم، إن المجلس أعلن خلال جلسة عقدها في 31 مارس/ آذار الماضي، أن سيد دخيل أصبحت مدينة منكوبة بسبب شح المياه الحاد، وقال: "جاء هذا الإعلان بعدما تفاقمت أزمة المياه التي أثرت بشكل كبير على الحياة اليومية للسكان، وأدت إلى تدهور الأوضاع في المنطقة في شكل غير مسبوق".
وأشار إلى أن مجلس المحافظة قرر اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الأزمة، من بينها تشكيل غرفة عمليات برئاسة المحافظ مرتضى الإبراهيمي، وعضوية نائب رئيس المجلس وعدد من الأعضاء ومديري الدوائر الحكومية المتخصصين في ملف المياه في ذي قار لمتابعة الوضع عن كثب واتخاذ التدابير اللازمة لتخفيف تداعيات الأزمة. وكشف أن توصيات المجلس خلال الجلسة تضمنت تشكيل لجنة تنسيقية برئاسة رئيس المجلس عزة الناشي بهدف التنسيق مع محافظة واسط المجاورة للوقوف على الحصص المائية الخاصة بمحافظة ذي قار والعمل لضمان وصول المياه الكافية إلى مناطقها المتضررة، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة وتوفير الحلول المناسبة للمواطنين المتضررين.
وذكر أن "استمرار الأزمة من دون حلول جذرية قد يؤدي إلى إفراغ بعض القرى والأرياف من سكانها بالكامل، ما يشكل تهديداً ديموغرافياً جديداً خصوصاً مع استمرار تراجع كميات المياه التي تصل إليها وعدم توفر بدائل عملية تضمن بقاء الأهالي في مناطقهم.
من جهته شدد قائممقام بلدة الدّواية بمحافظة ذي قار، عباس فاضل، على خطورة أزمة المياه التي يواجهها السكان، وحذر من تداعيات كارثية إذا لم تتدخل الجهات المركزية في بغداد في شكل عاجل. وأكد فاضل، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن شح المياه في الدواية بلغ مستويات غير مسبوقة جعل استمرار الحياة أمراً صعباً جداً، ودفع العديد من العائلات إلى الهجرة بحثاً عن مصادر بديلة.
وأوضح أن "الانخفاض الحاد في مستوى المياه في مشروع ماء الدواية نتج من تراجع كميات الضخ في قناة البدعة، ما قطع المياه بالكامل عن مناطق عدة، وفاقم نسب الملوحة وركود المياه التي باتت غير صالحة للاستهلاك البشري. وأدى التدهور الخطير في نوعية المياه إلى هجرة نحو 800 عائلة وانتشار أمراض جلدية ومعوية بين السكان، في ظل عدم قدرة محطات التصفية على معالجة تعكّر المياه وملوحتاه العالية، والمحطات تعاني من نقص حاد في المعدات والمواد اللازمة لتنقية المياه وتأمين مياه صالحة للشرب".
وأشار إلى أن القرى والأرياف التابعة للقضاء لم تعد تحصل على أي كميات من المياه، ما دفع الأهالي إلى الاعتماد على الآبار الارتوازية التي جفّت بدورها فغادرت عائلات عدة إلى محافظات كربلاء والنجف والبصرة لمحاولة تأمين حياة أفضل. ودعا الحكومة المركزية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لزيادة الضخ المائي من سد الكوت إلى نهر الغراف، ومنه إلى سد البدعة ل معالجة أزمة الملوحة وإنهاء معاناة الأهالي، مشدداُ على أن الوضع في الدواية وصل إلى حدّ لا يُحتمل.
في السياق، حذر الخبير الاقتصادي كريم الحلو من تفاقم موجة الهجرة الداخلية التي تشهدها مناطق جنوب العراق، خصوصاً محافظة ذي قار، حيث اضطرت أكثر من 1500 عائلة منذ بداية العام الجاري إلى مغادرة مدينة سيد دخيل ومناطق أخرى بسبب شح المياه. وأوضح، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "غالبية هذه العائلات كانت تعتمد على الزراعة وتربية الماشية، وتوجهت إلى مدن مثل الناصرية والبصرة وبغداد بحثاً عن مصادر مياه بديلة وفرص عمل، بعدما فقدت الأمل في تحسّن الأوضاع". تابع: "لم تقتصر الأزمة على تضرر القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث فكك النزوح الروابط الاجتماعية، وزايد الضغط على المناطق الحضرية، واستمرار الأزمة من دون حلول جذرية وسريعة قد يُفرغ بعض القرى والأرياف من سكانها بالكامل، ما يشكل تهديداً ديموغرافياً واقتصادياً خطيراً للمنطقة، خصوصاً مع استمرار انخفاض كميات المياه التي تصل إليها وعدم توفر بدائل عملية تضمن استقرار الأهالي في مناطقهم.
وأكد الحلو أن "فقدان مصادر الرزق دفع مزيداً من العائلات إلى النزوح ما فاقم معدلات الفقر والبطالة، وترك آثاراً سلبية تعرقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في محافظة ذي قار ومناطق أخرى جنوب العراق، وأزمة شح المياه لا تهدد القطاع الزراعي فقط بل تزيد معدلات البطالة والفقر والنزوح الجماعي، لذا من المهم زيادة كميات المياه وتحسين إدارة الموارد ودعم عمليات التجميع".
اجمالي القراءات
39