طيف التوحد... اضطراب يعرض فتيات عراقيات للتحرش الجنسي المرأة بغداد

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٠٢ - أبريل - ٢٠٢٥ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


طيف التوحد... اضطراب يعرض فتيات عراقيات للتحرش الجنسي المرأة بغداد

تواجه الفتيات اللواتي يعانين اضطرابات عقلية تحديات كثيرة في العراق، من بينها العنف الجنسي، في ظل افتقارهن إلى قوانين تحميهن والخوف من الوصمة وعدم قدرتهن على التعبير

تواجه الفتيات اللواتي يعانين اضطرابات عقلية، وخصوصاً المصابات باضطراب طيف التوحد، خطر التعرض للعنف الجنسي بنسبة أكبر في العراق، وفقاً لتقارير محلية صادرة عن منظمات نسوية غير حكومية. وتؤكد هذه التقارير أن هذه الفئة من الفتيات يعانين ضعفاً في الحماية القانونية والاجتماعية، ما يجعلهن عرضة للاستغلال والانتهاكات، خصوصاً في المناطق الفقيرة والأرياف وأطراف المدن، حيث تقل فرص الحصول على الدعم والرعاية.
وفي ظل غياب تشريعات واضحة تضمن لهن الحماية، يواجهن صعوبة في الإبلاغ عن الجرائم التي يتعرضن لها، سواء بسبب اضطراباتهن العقلية التي تعيق قدرتهن على التواصل، أو نتيجة الضغوط العائلية والمجتمعية التي تفرض الصمت خوفاً من العار. ويعزو ناشطون حقوقيون تفاقم هذه الظاهرة إلى غياب الوعي المجتمعي بحقوق المضطربات عقلياً، فضلاً عن ضعف الإجراءات القانونية التي تضمن محاسبة الجناة وحماية الضحايا.
في أحد أحياء العاصمة بغداد، تجلس سما، وهي فتاة مصابة باضطراب طيف التوحد تبلغ من العمر 13 عاماً، في زاوية غرفة ضيقة لا يدخلها إلا القليل من الضوء. تقول والدتها التي طلبت عدم الكشف عن هويتها: "لا أرسلها إلى المدرسة منذ عامين. خفتُ عليها من الشارع. مَن سيحميها إن حصل لها شيء؟ لا أحد".
وتقول الناشطة النسوية نهى سمير، لـ"العربي الجديد"، إن "قصة سما واحدة من عشرات القصص الصامتة التي تختبئ خلف جدران البيوت، في بلد يعيش حالة من التفكك الأمني والاجتماعي، حيث تتحوّل الفتيات المصابات باضطراب طيف التوحد إلى فريسة سهلة لانتهاكات جنسية، في ظل غياب الدعم المؤسساتي، وقلة المراكز النفسية المتخصصة، والوصمة الاجتماعية التي تلاحق الضحايا وأمهاتهن على حد سواء".
تضيف سمير: "لا تقتصر أخطار العنف على المعتدين من الجيران أو الأقارب، بل تمتد إلى أفراد بعض الجهات الأمنية المنتشرين في الأحياء السكنية، وهناك تقارير عن فتيات تعرضن للتحرش أو الاستغلال من عناصر مسلحين، لكن لا يمكن التبليغ عنهم لأن الأهالي يخشون الانتقام، والشرطة نفسها أحياناً تكون عاجزة أو متواطئة". وتوضح أن "غياب الإحصائيات الرسمية يزيد الأمر تعقيداً، إذ لا توجد بيانات دقيقة عن عدد ضحايا العنف الجنسي من المصابات باضطراب طيف التوحد، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن ثلاث من كل عشر فتيات اللواتي يعانين اضطرابات عقلية قد يتعرضن لشكل من أشكال التحرش أو الاعتداء قبل سن الـ18"، بحسب تقرير صادر عن منظمة أجنبية تعمل في العراق في مجال الرعاية النفسية.شح المراكز والدعم النفسي
تؤكد وزارة الصحة العراقية أن هناك "خططاً لتوسيع خدمات الصحة النفسية"، لكن الواقع على الأرض يُظهر غير ذلك. وبحسب مصادر من داخل الوزارة، لا يوجد سوى مركز أو مركزين متخصصين بتشخيص وعلاج التوحد في بغداد. أما في المحافظات الأخرى، فالوضع أكثر قتامة. وتقول أم ليان إنها توجهت إلى أكثر من مستشفى حكومي، "وكنا نحصل على مهدئات فقط، في ظل عدم القدرة على التعامل مع فتاة مصابة بالتوحد". تضيف: "أصيبت ابنتي بنوبة هلع بعدما تحرّش بها أحد الباعة في الطريق، ولم أستطع أن أشرح للشرطة ما حدث لأنها لم تكن قادرة على الكلام".
إلى ذلك، تقول العضوة في منظمة "نايا" للدفاع عن المرأة والطفل في بغداد، طيبة الأسدي، لـ"العربي الجديد"، إن النساء المضطربات عقلياً هنّ الأكثر عرضة للعنف الجنسي، لكن قضاياهن غالباً ما تُهمل بسبب غياب التشريعات الواضحة والوعي المجتمعي بحجم معاناتهن. تضيف: "العنف ضد النساء في العراق مشكلة قائمة، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الضحية تعاني اضطراباً عقلياً، وتواجه صعوبة مضاعفة في الإبلاغ أو حتى الحصول على الدعم القانوني والنفسي اللازم". وتشير إلى أن "دور منظمتنا وبقية منظمات المجتمع المدني هو توعية المجتمع حول خطورة هذه القضايا، وتسعى إلى تغيير النظرة النمطية التي تقلل من شأن الضحايا، من خلال حملات إعلامية وورش عمل تهدف إلى كسر حاجز الصمت وتشجيع الضحايا وأسرهن على الإبلاغ عن الانتهاكات".
وتقدم المنظمات دعماً قانونياً للضحايا، وتوفر بعضها استشارات مجانية وتساعد في رفع الدعاوى القضائية ومتابعتها أمام المحاكم، كما تضغط على الجهات التشريعية والحكومية لسد الثغرات القانونية التي يستغلها الجناة للإفلات من العقاب، مطالبة بتعديلات تضمن حماية فعالة للواتي يعانين اضطرابات عقلية من جميع أشكال العنف. ولا يقتصر عمل هذه المنظمات على الجانب القانوني، بل يشمل أيضاً تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، من خلال فرق متخصصة تساعدهن على تجاوز الصدمات النفسية وتمكينهن من استعادة الثقة بأنفسهن والمضي قدماً في حياتهن.
وفي الحالات التي تكون فيها الضحية معرضة للخطر، تعمل بعض هذه المنظمات على توفير مراكز إيواء آمنة تحمي النساء المضطربات عقلياً اللواتي قد لا يجدن مأوى بسبب ضغوط أسرية أو اجتماعية. كما تنظم تدريبات خاصة للقضاة ورجال الأمن والمحققين حول كيفية التعامل مع ضحايا العنف بحساسية وكفاءة، لضمان أن التحقيقات والمحاكمات تأخذ في الاعتبار أوضاعهن الخاصة.
ورغم كل هذه الجهود، تواجه هذه المنظمات تحديات كبيرة، من بينها نقص التمويل، وضعف الاستجابة الحكومية، والضغوط المجتمعية التي تحاول إسكات هذه القضايا الحساسة.

تعمل بعض المنظمات على توفير مراكز إيواء آمنة تحمي النساء، 13 ديسمبر 2022 (كروان كريم/فرانس برس)
تعمل بعض المنظمات على توفير مراكز إيواء آمنة تحمي النساء، 13 ديسمبر 2022 (كروان كريم/فرانس برس)
تشريعات
من جهتها، تقول الباحثة النفسية حنان الدليمي، التي عملت لسنوات في مجال تأهيل الأطفال ذوي الإعاقة والمضطربات عقلياً، إن "الفتيات المصابات بالتوحد يواجهن تحديات كبيرة في التعبير عما يشعرن به أو ما يتعرضن له من أذى، وهو ما يجعلهن أكثر عرضة للخطر في مجتمعات لا توفر لهن الحماية الكافية. وتعيش الأمهات في دوامة من الخوف والصمت لأنهن يدركن أن لا أحد سيصدق وأن القانون قد لا يكون في صفهن، ما يجعلهن يشعرن بالعجز أمام الواقع الصعب".
تضيف أن "بعض الفتيات المصابات بالتوحد قد لا يدركن أصلاً أن ما تعرضن له هو انتهاك. وتتفاقم المشكلة عندما يواجه المجتمع مثل هذه القضايا بالإنكار أو التجاهل أو حتى لوم الأسرة بدلاً من البحث عن حلول حقيقية لحمايتهن في ظل غياب الدعم القانوني والمؤسساتي. وهكذا تبقى الأسر وحدها في مواجهة مصير مجهول".
أما القانوني علي الخفاجي، فيقول لـ"العربي الجديد" إن العراق لا يزال يفتقر إلى تشريعات واضحة تحمي النساء اللواتي يعانين اضطرابات عقلية من العنف الجنسي، وهو ما يتركهن في مواجهة فراغ قانوني خطير. ويوضح أن "المواد القانونية المتعلقة بالعنف الجنسي في العراق فضفاضة وعامة، ولا تأخذ في الاعتبار وضع المضطربات عقلياً، اللواتي يحتجن إلى حماية مضاعفة. وفي كثير من الحالات، حتى وإن وصلت القضية إلى القضاء، فإن التعامل معها يكون تقليدياً من دون مراعاة طبيعة الضحية أو قدرتها على الإدلاء بشهادتها بطريقة مناسبة".
يضيف أن "المشكلة لا تتوقف عند القوانين فقط، بل تمتد إلى المجتمع نفسه، الذي لا يزال ينظر إلى الفتاة المضطربة عقلياً على أنها عبء أكثر منها ضحية تحتاج إلى إنصاف، ما يجعل الاعتداءات تمر في كثير من الأحيان بصمت. كما أن هناك حالات عديدة لنساء يعانين اضطرابات عقلية وقد تعرّضن للعنف الجنسي. لكن الأسر تفضل التستر خوفاً من الفضيحة. كما أن الضحايا أنفسهن قد لا يكنّ قادرات على إيصال أصواتهن أو التعبير عما تعرضن له".ويشدد الخفاجي على ضرورة تعديل التشريعات لتتضمن نصوصاً صريحة تحمي النساء من جميع أشكال العنف، إلى جانب إنشاء وحدات متخصصة داخل القضاء والشرطة للتعامل مع هذه القضايا بحساسية وكفاءة. يضيف: "لا يمكن الحديث عن العدالة من دون ضمان وصول الضحايا إلى حقوقهن، وهذا لن يتحقق إلا عبر إصلاح قانوني، وتدريب كوادر أمنية وقضائية على كيفية التعامل مع هذه الفئة، فضلاً عن إطلاق حملات توعوية مجتمعية لكسر حاجز الصمت والخوف".
بدورها، تنظر وزارة الداخلية إلى قضايا العنف الجنسي ضد المضطربات عقلياً من زاوية أمنية وقانونية، لكنها تواجه تحديات في التعامل معها بفعالية.
أحمد خالد وهو ضابط في وزارة الداخلية العراقية، يقول لـ"العربي الجديد"، إن "الوزارة بدأت معالجة النقص الحاصل في التعامل مع هذه الفئة سواء على مستوى التحقيقات أو توفير الحماية للضحايا". يتابع: "غالباً ما تتعامل الوزارة مع هذه القضايا ضمن الإطار العام لجرائم الاعتداء، من دون وجود وحدات أو كوادر مدربة على فهم احتياجات الضحايا المضطربات عقلياً أو التعامل معهن بطريقة تراعي قدراتهن على التواصل. ورغم أن بعض مراكز الشرطة تستقبل البلاغات المتعلقة بالعنف الجنسي ضد المضطربات عقلياً، إلا أن ضعف التوثيق وغياب الإحصاءات الدقيقة يجعل من الصعب تقييم حجم المشكلة بدقة"، مؤكداً بدء عمل كبير في هذا المجال خلال العامين الماضيين، بإشراك باحثين ومتخصصين بشؤون المجتمع وأطباء.
اجمالي القراءات 52
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق