هل تزيح الهند "التنين الصيني" عن عرش التصنيع العالمي؟

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ١٠ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


هل تزيح الهند "التنين الصيني" عن عرش التصنيع العالمي؟

تبدو الاتفاقية التجارية الأخيرة بين أمريكا والهند، في ظاهرها، امتدادا لمسار طويل من التقارب الاقتصادي بين الطرفين، لكن قراءة دقيقة لبنودها وتوقيتها والسياق الدولي المحيط بها تكشف أنها تتجاوز منطق التجارة الثنائية التقليدية، لتلامس مباشرة إعادة تشكيل النظام الصناعي العالمي.
مقالات متعلقة :


وأفادت وكالة رويترز في 6 فبراير/شباط 2026 بأن الإطار الجديد ربط صراحة بين التنازلات الجمركية والتعاون في أمن سلاسل الإمداد، والتصنيع المتقدم، وضوابط التصدير، وآليات فحص الاستثمارات، وهي أدوات تستخدمها واشنطن لتقليص اعتمادها الاستراتيجي على الصين في القطاعات الصناعية الحساسة.

وفي سياق يوضح أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تقرير تحليلي نشرته عام 2024، وهي خلاصات تؤكدها تطورات 2025 و2026، أن التفاهمات الأمريكية–الهندية شملت تخفيف الحواجز التنظيمية أمام الاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز التعاون في أشباه الموصلات، وتوسيع التصنيع المشترك في الصناعات الدفاعية، في مسار يعكس توجها متدرجا لكنه واضح لإدماج الهند ضمن شبكة التصنيع الاستراتيجية التي تبنيها أمريكا مع حلفائها.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا محوريا: هل تمتلك الهند المقومات المؤسسية والبنيوية التي تؤهلها لأن تكون بديلا صناعيًا فعليا للصين، أم أن الرهان الأمريكي يقتصر على توزيع المخاطر دون المساس بمركز الثقل الصناعي القائم؟

الهيمنة الصينية
ويفرض أي نقاش جاد حول إعادة توزيع التصنيع العالمي الانطلاق من حقيقة راسخة، تتمثل في أن الصين تشكل اليوم القلب النابض للصناعة العالمية.

فقد أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لعام 2023 أن الصين استحوذت على نحو 28.4% من إجمالي التصنيع العالمي، متقدمة بفارق واسع على جميع الاقتصادات الكبرى، وهو رقم يعكس تراكما صناعيا امتد لأكثر من ثلاثة عقود شملت استثمارات واسعة في البنية التحتية، والتعليم الفني، وتطوير سلاسل توريد متكاملة.

وأكد المكتب الوطني للإحصاء في الصين، في تقريره الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن القيمة المضافة الصناعية نمت بنسبة 4.2% على أساس سنوي، رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي وتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، ما يدل على مرونة هيكلية لا تعتمد فقط على الطلب الخارجي، بل تستند أيضا إلى سوق داخلية واسعة وقدرات إنتاجية متقدمة.

وفي السياق نفسه، أشار البنك الدولي في تقريره لعام 2024 إلى أن الصين تتصدر إنتاج الآلات الصناعية، والمواد الكيميائية الوسيطة، ومكونات الإلكترونيات، ومعالجة المواد الخام، وهي قطاعات تشكل البنية التحتية غير المرئية للتصنيع العالمي، ما يجعل جزءا كبيرا من الإنتاج الصناعي في دول أخرى معتمدا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مدخلات صينية.

وعزز هذا الموقع ما خلصت إليه دراسة نُشرت في مجلة تشاينا إيكونوميك ريفيو عام 2022، إذ أظهرت أن الدول المشاركة في مبادرة "الحزام والطريق" سجلت زيادة متوسطة قدرها 4.1% في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني، إلى جانب ارتفاع بنحو 7% في حجم التجارة الثنائية مع الصين، ما رسخ موقع بكين كمركز محوري في شبكات التجارة والتصنيع العالمية.

الهند تدخل المشهد
في المقابل، تسعى الهند منذ سنوات إلى توسيع قاعدتها الصناعية وتقليص الفجوة مع الاقتصادات الصناعية الكبرى. وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في 2023 إلى أن الهند تمثل نحو 3.1% من القيمة المضافة الصناعية العالمية، وهي نسبة لا تزال محدودة، لكنها تعكس مسارا تصاعديا مقارنة بالعقد الماضي.

ودفعت الحكومة الهندية مبادرات واسعة مثل "صُنع في الهند" وبرامج الحوافز المرتبطة بالإنتاج، مستهدفة قطاعات الإلكترونيات، ومكونات السيارات، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة.

وأعلنت وزارة التجارة والصناعة الهندية في 2024 أن البلاد استقطبت 83.6 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال السنة المالية 2022–2023، مع توجيه جزء متزايد منها إلى القطاعات الصناعية.
الدور الهندي المحتمل في التصنيع العالمي يرتبط بقدرتها على استيعاب الاستثمارات الجديدة لا بإزاحة القدرات الصناعية القائمة في الصين (أسوشيتد برس)
غير أن المؤشرات الهيكلية تكشف عن تحديات واضحة، فقد صنف البنك الدولي الهند في المرتبة 38 عالميا ضمن مؤشر الأداء اللوجستي لعام 2023، مشيرا إلى استمرار مشكلات تتعلق بكفاءة التخليص الجمركي، وجودة البنية التحتية للنقل، وموثوقية سلاسل الشحن.

كما تواجه الصناعات الهندية تحديات مرتبطة بتفاوت تطبيق القوانين بين الولايات، وصعوبة الاستحواذ على الأراضي الصناعية، وتقلب السياسات التنظيمية.

وقال الاقتصادي الدكتور أجاي شاه، الزميل البارز في المعهد الوطني للمالية العامة والسياسات، في مقابلة مع مجلة "إيكونوميك آند بولتيكال ريفيو" عام 2023 إن "الميزة التنافسية في التكلفة التي تتمتع بها الهند حقيقية، لكن القيود المؤسسية، خاصة في أسواق الأراضي واستقرار الأطر التنظيمية، تُبطئ تحويل الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية واسعة النطاق".

حسابات واشنطن
ولا تستهدف الاستراتيجية الأمريكية تفكيك المنظومة الصناعية الصينية دفعة واحدة، بل تسعى إلى تغيير قرارات الشركات العالمية بشأن مواقع الاستثمار الجديدة.

وذكرت رويترز في تقرير لها في 2023 أن شركة "مايكرون تكنولوجي" أعلنت عن استثمار بقيمة 2.75 مليار دولار لإنشاء منشأة لتجميع واختبار أشباه الموصلات في ولاية غوجارات الهندية، بدعم مالي من حكومتي أمريكا والهند.

وجاء هذا الإعلان بعد إقرار قانون الرقائق والعلوم الأمريكي لعام 2022، الذي خصص 52.7 مليار دولار لتعزيز التصنيع شبه الموصل داخل شبكات الدول الحليفة.

وأطلقت إدارة بايدن في 2024 إطار الشراكة الاقتصادية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPEF)، الذي ركز على مرونة سلاسل الإمداد، والتصنيع النظيف، والتجارة الرقمية، مع منح الهند دورا محوريا في هذه الرؤية.

وقالت وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو خلال الحوار التجاري الأمريكي-الهندي في 2024، بحسب رويترز، إن الهند "تمثل عنصرًا أساسيًا في رؤية أمريكا لسلاسل إمداد أكثر مرونة"، في توصيف يعكس انتقال العلاقة من شراكة تجارية إلى محور استراتيجي طويل الأمد.

التجميع يتحرك
أفادت صحيفة فايننشال تايمز في ديسمبر/كانون الأول 2025 بأن حصة الهند من واردات الهواتف الذكية إلى أمريكا ارتفعت من أقل من 5% في 2018 إلى أكثر من 15% في 2024، نتيجة نقل عمليات التجميع النهائي من الصين، ويُستخدم هذا التحول كثيرا بوصفه دليلا على نجاح سياسة التنويع.

الهيمنة الصينية في التصنيع العالمي تقوم على عمق المنظومة الصناعية لا على انخفاض التكلفة فقط، ما يجعل إزاحتها مسألة معقدة اقتصاديًا (غيتي)
غير أن بيانات القيمة المضافة ترسم صورة أكثر تعقيدا، فقد أظهرت قاعدة بيانات "التجارة بالقيمة المضافة" التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في 2023 أن أكثر من 40% من قيمة صادرات الهند الإلكترونية يعتمد على مدخلات وسيطة مستوردة، يأتي جزء كبير منها من الصين.

وكتب ريتشارد بالدوين، أستاذ الاقتصاد الدولي في معهد "آي إم دي"، في مقال نشرته فايننشال تايمز عام 2023 أن "سلاسل الإمداد العالمية تبقى لاصقة في المواضع التي تتطلب كثافة موردين ورأس مال ومعرفة صناعية متراكمة"، معتبرا أن نقل التجميع لا يرقى إلى إزاحة استراتيجية للصناعة الصينية.

أرقام لا يمكن تجاهلها
وتكشف المقارنات الرقمية بين الصين والهند عن فجوة هيكلية واسعة، فقد أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لعام 2023 أن الصين استحوذت على نحو 28.4% من التصنيع العالمي، مقابل 3.1% للهند.

وأشارت بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن متوسط تكلفة ساعة العمل بلغ نحو 6.50 دولارات في الصين مقابل 2.20 دولار في الهند، ما يمنح الأخيرة ميزة في الصناعات كثيفة العمالة، دون أن يعوض الفجوة في الإنتاجية والبنية التحتية.

وأظهرت بيانات البنك الدولي أن الصين استقطبت نحو 189.1 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2023، مقارنة بنحو 83.6 مليار دولار للهند.

كما صنف البنك الدولي الصين في المرتبة 19 عالميا ضمن مؤشر الأداء اللوجستي لعام 2023، مقابل المرتبة 38 للهند، ما يعكس تفوقا صينيا في كفاءة النقل والتخليص الجمركي وسلاسة سلاسل التوريد.

الممرات والاختناقات.. الجغرافيا كعامل قوة
وتعزز مشاريع البنية التحتية العابرة للأقاليم الرهان على الهند، فقد أُعلن عن ممر الهند-الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، بهدف ربط الموانئ الهندية بأوروبا عبر الشرق الأوسط وإسرائيل واليونان.
ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا يقدم مسارا بديلا لكنه يواجه تحديات تنفيذية وتمويلية معقدة (الفرنسية)
وذكرت فايننشال تايمز في 2023 أن المشروع يُقدم بوصفه بديلا لمسارات التجارة التي تهيمن عليها مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وخلصت دراسة نُشرت في مجلة "الولايات المتحدة الأمريكية وكندا: الاقتصاد، السياسة، الثقافة" عام 2025 للباحث أوليغ خلوپوف إلى أن الممر قد يشكل ثقلا جيوسياسيا موازنا، مع التحذير من تحديات التنفيذ والتمويل.

بكين تتكيف.. لامركزية بلا انسحاب
ولم تتعامل الصين مع مساعي التنويع برد فعل انفعالي، بل اتبعت مسارا تكيفيا طويل الأمد، حيث عزز توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) في 2020 اندماج الصين التجاري في آسيا
وفي الوقت ذاته، نقلت شركات صينية أنشطة كثيفة العمالة إلى دول جنوب شرق آسيا، مع الاحتفاظ بالتحكم في التكنولوجيا والتمويل والمدخلات الاستراتيجية.

وقالت الدكتورة يو جيه، الباحثة الأولى في معهد تشاتام هاوس، في مقابلة مع ساوث تشاينا مورنينغ بوست عام 2023 إن "الصين لا تنسحب من التصنيع، بل تعيد توزيعه جغرافيا مع الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية".

نحو أرضية تصنيع متعددة الأقطاب
وقالت الدكتورة أليسا آيرز، عميدة كلية إليوت للشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، خلال ندوة نظمها مجلس العلاقات الخارجية في عام 2024 إن “الهند لن تحل محل الصين، لكنها قد تعيد تشكيل بنية سلاسل الإمداد العالمية”، موضحة أن التحولات الجارية تعكس توجها متزايدا نحو تقليل تركّز التصنيع جغرافيا بدل نقل مركزه بالكامل.

الاقتصاد الصيني يحتفظ بمرونة عالية رغم الضغوط التجارية والجيوسياسية المتزايدة (الفرنسية)
وأشارت آيرز إلى أن الشركات العالمية باتت تعطي وزنا أكبر لإدارة المخاطر الجيوسياسية وسلاسة الإمداد، ما يتيح للهند لعب دور أوسع في استيعاب الاستثمارات الصناعية الجديدة، من دون أن يعني ذلك تراجعا مباشرا للدور الصناعي الصيني.

وفي السياق نفسه، كتب ر. كيريكغيارتو في دراسته الصادرة عام 2023 بعنوان الصين والهند في الاقتصاد العالمي أن صعود الهند يمثل مسار تنويع لا إحلال، ويعكس سعي الاقتصاد العالمي إلى بناء شبكة تصنيع أكثر توازنا.

واعتبر كيريكغيارتو أن هذا التحول يمنح الأسواق قطبا صناعيا إضافيا قادرا على تخفيف المخاطر وتقليل الاختناقات، مع بقاء الصين في موقع محوري داخل النظام الصناعي العالمي في المدى المنظور.

إعادة توازن بلا إزاحة
وتشير الوقائع إلى أن محور التصنيع الأمريكي–الهندي يمثل تحولا حقيقيا في توزيع المخاطر الصناعية، لا محاولة مباشرة لإزاحة الصين. حيث تستطيع الهند استقطاب جزء متزايد من نمو التصنيع العالمي، لا سيما في أنشطة التجميع والتكنولوجيا المتوسطة، بدعم من رأس المال الغربي والتقارب الجيوسياسي.

في المقابل، تحتفظ الصين بتفوق راسخ في الطبقات العميقة للنظام الصناعي العالمي، من الآلات والمواد إلى المعالجة واللوجستيات.

ويتجه العالم، وفق هذه المعطيات، إلى تعددية صناعية لا إلى ما بعد الصين، حيث يعاد توزيع الإنتاج دون تفكيك المركز القائم.
اجمالي القراءات 19
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق