د. أسامة الغزالي حرب يكتب : أبناؤنا في البحر!
من منا لم تنسب من عينيه دمعة في صباح اليوم الأول من أيام عيد الأضحي، وهو يطالع أنباء وصول جثث الشبان المصريين، الذين غرقوا أمام سواحل تركيا، تماما مثل الذين سبق أن غرقوا أمام سواحل فرنسا وإيطاليا واليونان؟! من منا لم يشعر بالجزع والانكسار، وهو يقرأ أن أهالي الضحايا، الذين تجمعوا في مطار القاهرة، وقفوا منكسرين متخفين عن الإعلام، منكرين صلتهم بفلذات أكبادهم، الذين ماتوا غرباء عن وطنهم وذويهم،
فاجتمع لديهم الإحساس بالحزن مع الإحساس بالعار؟ من منا لم يشعر بالحزن والانكسار وهو يقرأ ـ وكأنه يسمع ـ كلمة زوجة محمود مشالي «من قرية بساط كريم الدين في الدقهلية» وهي تناديه «رايح فين وسايب العيال لمين»؟! أو كلمات العجوز الضرير وهو يناجي ابنه الراحل أشرف عيسوي «كان عيني اللي باشوف بيها، والعصايا اللي باتسند عليها؟!»، من منا لم يشعر بالحزن والاكتئاب وهو يقرأ ـ وكأنه يشاهد ـ أن والدة إبراهيم الدعدع تعثرت ثلاث مرات وهي تهرول في جنازة ابنها، محاولة إلقاء نظرة وداع عليه؟!
لا أعرف لماذا تداعت لي في اللحظة نفسها فقرات برنامج شهير، كنا نستمع إليه، منذ ما يقرب من أربعين عاما في مرحلة المراهقة والشباب اسمه «أبناؤنا في الخارج» من خلال رسائل صوتية من الشباب المصريين، الذين كانوا يدرسون أو يعملون في الخارج، ويبدأون رسائلهم عادة بعبارة: «أنا الطالب فلان الفلاني».. إلخ! وشتان بين الموقفين؟!
بالقطع.. لايزال هناك اليوم الآلاف من أبنائنا وشبابنا، الذين يدرسون في الخارج، ويعملون أعمالاً متميزة ومشرفة! ولكن الجديد هو هؤلاء الآخرون، أبناء مصر الأخري! الذين ضاقت بهم وبذويهم السبل، فلم يجدوا أمامهم سوي الهروب والهجرة غير الشرعية!
غير أن ما أريد التطرق إليه هنا، هو حالة الخلط التي تطبع أحيانا تناولنا بعض قضايانا العامة، فتختلط «أو تخلط!» لأسباب عديدة المعايير والدلالات، وسأركز هنا علي ثلاث نقاط:
النقطة الأولي: النغمة التي صاحبت تناول تلك القضية من إدانة ضمنية أو نظرة سلبية عامة لفكرة الهجرة، والسعي للعمل والبحث عن الرزق في الخارج، والتي وصلت إلي حد ما نسب لبعض المسؤولين من وصفهم أولئك الشباب الذين تطلعوا للسفر إلي الخارج بأنهم طماعون وجشعون! لقد دفعت تلك النغمة أنيس منصور لأن يرفع صوته قائلا: «أيها الشباب سافروا وهاجروا ولا تخافوا.. إن شعوبا كثيرة هاجرت واستطاع أبناؤها أن يكونوا رؤساء لدول المهجر! إن أمريكا دولة المهاجرين»!!
إن المشكلة هي أن أولئك الشباب دفعهم اليأس أكثر مما شدهم الأمل! وأن الدولة لم تيسر لهم الهجرة، أو أن تدبر لهم طريقا مشروعا لها، وبعبارة أخري فقد كان ينبغي علي الدولة ـ وقد قصرت في التعليم، وفشلت في التوظيف ـ أن تفتح آفاق العمل للمصريين في أسواق العمل الخارجية، عربية كانت أو أجنبية! وذلك هو أضعف الإيمان، أي أن تكون قضية فتح الأسواق للعمالة المصرية وتأهيل الشباب المصريين ـ بشكل منهجي منظم ـ للعمل في الخارج بندا جديدا ومهما علي جدول أعمال الحكومة المصرية!
غير أن ما يدعو للسخرية والرثاء حقا هو تلك الفتاوي التي صدرت عن بعض كبار رجال الدين بحرمان ضحايا محاولات الهجرة للخارج من صفة أو مكانة «الشهادة»، باعتبار أنهم كانوا مغامرين طماعين، لا باحثين عن الرزق! وأنا هنا ـ إزاء تلك البدعة أو التقليعة التي أخذت تنتشر في حياتنا العامة، أي بدعة البحث عن فتوي دينية لتحليل أو تحريم أي شيء وكل شيء في حياتنا، والهبوط بالدين من عليائه إلي مستوي الجزئيات
والتفاصيل الدنيوية - لا أدعو إلي فتاوي إيجابية أو متوافقة مع التوجه السائد لدي الرأي العام، تسبغ الشهادة علي الشباب المفقودين، وإنما أدعو إلي الكف أصلا عن إصدار مثل تلك الفتاوي، يستوي في هذا إن كانت تتضمن تحليلا أو تحريما إشادة أو إدانة!
والنقطة الثانية: تتعلق بتحديد المسؤولين عن تلك المأساة! حقا هناك مسؤولية مباشرة تقع علي السماسرة واللصوص، الذين جعلوا من نشاط التوظيف في الخارج واجهة لعمليات النصب والقوادة والاتجار بالبشر، وهناك مسؤولية مباشرة تقع علي أجهزة الدولة البيروقراطية والأمنية، التي لا تفوتها شاردة ولا واردة من أي شركة أو مكتب أو جمعية تهدد «أمن الدولة»!
إن علي تلك الأجهزة أن تدرك أن أهمية أمن وسلامة وكرامة المواطن المصري، والمجتمع المصري، لا تقل- بل في الواقع تزيد- عن أهمية أمن الدولة! وهناك مسؤولية مباشرة تقع علي أهالي الضحايا والمجتمع الذي ينتمون إليه، والذي جعلهم يصلون إلي ما يقترب من التضحية بأبنائهم وأموالهم في عمليات غير قانونية وغير مشروعة.
غير أن المسؤولية الأصلية والكبري تقع علي عاتق الدولة- أو بتعبير أدق- علي عاتق النظام السياسي، الذي فشل في توفير فرص العمل لهؤلاء الشباب، بعد أن فشل قبلها في تعليمهم! الفشل في التعليم وجعل فرصهم في العمل في بلادهم قليلة أو نادرة، وجعل الأعمال المتاحة لهم في الخارج تقتصر في الأغلب علي أعمال يدوية أو بدائية ينصرف عنها أبناء البلاد المضيفة، والفشل في التوظيف نتيجة أيضا لأن الأداء الاقتصادي- أيا كانت الآراء والمؤشرات حول تحسنه وتطوره- لم يرق إلي القدرة علي توفير الوظائف،
إلا لنسبة قليلة من الملايين الوافدة لسوق العمل. إن إحدي النغمات التي بدأت تسود مؤخرا هي الشكوي من أن الشعب لا يدرك حجم الإنجاز الاقتصادي الذي تحقق، ولا يطلع علي التقارير والإحصاءات التي تعلنها المؤسسات الدولية، ولكن من المؤكد أن الشعب المصري، شأن أي شعب في العالم، لا يشعر بالتحسن الاقتصادي من خلال قراءة
أو سماع المؤشرات الاقتصادية، أو تقارير الهيئات الدولية. إنه في الحقيقة يجب أن يدرك هذا التحسن ويشعر به في حياته اليومية، ومن حسن الحظ أن مطالب الإنسان المصري العادي باتت شديدة التواضع! إنه سوف يشعر بسعادة بالغة إذا حصل علي رغيف خبز بسعر معقول، دون أن يقف في طابور طويل منذ الصباح الباكر، وسوف يمتن للحكومة، ويسبح بحمدها، إذا وفرت له كوب ماء نظيفا، وسوف يسجد لله شكرا، إذا وفرت له الحكومة مسكناً ملائماً رخيصاً!
أما النقطة الثالثة: فهي مجرد خاطرة وردت إلي ذهني «وما أكثر ما تراودنا الخواطر هذه الأيام!» عن الشباب المصري المفترض أنه يتعلم تعليما عاليا، ومنتهي أمله أن يحصل علي وظيفة جرسون في مقهي أو بائع في محل أو موزع للصحف. في أي مدينة أو قرية أوروبية، وأتساءل: ألم تشهد القاهرة، ومدن مصر الكبري، بل ومدنها في عواصم المحافظات، في فترة ما قبل الثورة، وربما حتي نهاية الخمسينيات ظاهرة أصحاب المقاهي والجرسونات اليونانيين والإيطاليين وغيرهم؟ ألم تكن عديد من المؤسسات
والشركات المصرية جاذبة لموظفين أوروبيين وعمالة أوروبية؟ ألم يفد هؤلاء إلي مصر للعمل فيها وطلب الرزق؟ إن الموظفين الأوروبيين في مصر لم يكونوا فقط ذوي مراكز كبيرة أو راقية، وإنما كان الكثير منهم يفدون للعمل في وظائف بسيطة وفي الغالب، فإن شخصية «الخواجة بيجو» الشهيرة في برنامج «ساعة لقلبك» الفكاهي القديم، لم تكن تعبر عن مدير أحد البنوك، أو قاض في المحكمة المختلطة! بقدر ما كانت تعبر عن جرسون يوناني في أحد مقاهي القاهرة، أو بقال إيطالي في أحد شوارع الإسكندرية!
ياه.. إلي هذا الحد تغيرت مصر وتدهورت أوضاعها؟!
اجمالي القراءات
2424