فيزياء الكم ستجعل حواسيب المستقبل بحجم عملة معدنية
ارتبطت الحواسيب الكمومية في أذهان الكثيرين بغرف ضخمة مليئة بالأسلاك وأنظمة التبريد المعقدة، لكن اكتشافا جديدا قد يغيّر هذه الصورة كليا، وذلك بعد أن حقق فريق علمي دولي بقيادة جامعة فيينا إنجازا مهما في مجال الحوسبة الكمومية، قد يؤدي إلى حواسيب فائقة الصغر لا تتجاوز حجم قطعة نقدية.
ويتمثل هذا الإنجاز في تحويل الباحثين لموجات الماغنونات المغناطيسية إلى ناقلات واعدة للمعلومات الكمومية.
من اليمين إلى اليسار، يقف روستيسلاف سيرها، وأندريه تشوماك، وديفيد شمول، وسيباستيان كناور أمام جهاز «كريوستات» (Cryostat). ويُستخدم هذا الجهاز للوصول إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض والحفاظ على استقرارها، مما يتيح إثارة «الماغنونات» بصورة محكومة ورصدها بدقة. (الفريق البحثي)
من اليمين إلى اليسار، يقف روستيسلاف سيرها وأندريه تشوماك وديفيد شمول وسيباستيان كناور أمام جهاز يصل إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، مما يتيح التحكم في "الماغنونات" (الفريق البحثي)
ما الماغنونات؟
الماغنونات هي موجات مغناطيسية دقيقة تنتقل عبر المواد الصلبة المغناطيسية، ويمكن تشبيهها بتموجات تنتشر على سطح بركة ماء بعد إلقاء حجر فيها.وتُعَد الماغنونات إحدى التقنيات الواعدة في عالم الحوسبة الكمومية، إذ تعمل على نقل الإشارات داخل المواد الصلبة بدلا من الفراغ أو الألياف الضوئية، وتمتاز بإمكانية تصغير أطوالها الموجية إلى مستويات نانوية، وهو ما يجعلها مرشحة لبناء دوائر كمومية شديدة الصغر قابلة للدمج ضمن الشرائح الإلكترونية.
يقول المؤلف المشارك في الدراسة البروفيسور أندريه تشوماك من كلية الفيزياء بجامعة فيينا في تصريحاته الخاصة للجزيرة نت "تحظى الموجات المعروفة باسم الماغنونات باهتمام كبير نظرا لنطاق تردداتها الجذاب (الذي يمتد من الغيغاهرتز إلى التيراهرتز) وأطوالها الموجية القصيرة (التي تصل إلى مقياس النانومتر)".
ويضيف "لكن رغم الإمكانات الكبيرة للماغنونات، فإن استخدامها في الحوسبة الكمومية واجه لسنوات مشكلة أساسية، تمثلت في أن عمرها كان قصيرا للغاية، ففي أفضل الظروف لم تكن هذه الموجات قادرة على البقاء سوى لبضع مئات من النانوثانية، وهو زمن غير كاف لتخزين المعلومات الكمومية أو نقلها بشكل موثوق، مما جعل استخدامها العملي في الحوسبة الكمومية أمرا بالغ الصعوبة".
الحواسيب القادمة قد تكون بحجم عملة معدنية (غيتي)
حل مشكلة عمر الماغنون
أظهرت نتائج الدراسة أن السبب الرئيسي في قصر عمر هذه الجسيمات لا يعود إلى قوانين الفيزياء نفسها، بل إلى جودة المادة المستخدمة في تصنيعها.
ولحل هذه المشكلة، تمكن الباحثون من إطالة عمر هذه الجسيمات إلى نحو 18 ميكروثانية، أي ما يقارب 100 ضعف الزمن الذي سجلته الدراسات السابقة.
ورغم أن هذا الزمن يبدو قصيرا للغاية في حياتنا اليومية، فإنه يمثل قفزة كبيرة في عالم الفيزياء الكمومية، لأنه يمنح الماغنونات وقتا كافيا لنقل المعلومات بكفاءة أكبر، إذ قد يسهم هذا التقدم في نهاية المطاف في تصنيع حواسيب كمومية فائقة الصغر، قد يصل حجمها إلى حجم عملة معدنية من فئة سنت واحد.
وفي هذا الصدد، قال تشوماك للجزيرة نت "يبلغ الطول الموجي للموجات الكهرومغناطيسية في الحواسيب الكمومية الحديثة القائمة على الموصلات الفائقة عدة سنتيمترات. ونحن نقترح استخدام موجات الماغنونات التي تتراوح أطوالها الموجية بين النانومتر والميكرومتر، وبذلك تصغر أبعاد المكونات كافة تبعا لذلك. ومع ذلك، فإننا لا نزال بحاجة إلى درجات حرارة منخفضة جدا، ولذا يظل حجم جهاز التبريد (الكرايوستات) دون تغيير".
كيف تحقق هذا الإنجاز؟
نتج هذا الإنجاز عن الجمع بين تقنيتين مهمتين، إحداهما قيام الفريق بتوليد ماغنونات ذات أطوال موجية قصيرة، بدلا من استخدام الماغنونات المنتظمة التقليدية، وهي أقل حساسية بطبيعتها للعيوب الدقيقة على سطح البلورة، التي كانت تؤدي إلى تقصير أعمار الماغنونات في التجارب السابقة.
أما التقنية الأخرى فتتمثل في قيام الباحثين بتبريد كرات فائقة النقاء من "غارنيت الحديد الإيتريوم" إلى 30 ملي كلفن فقط داخل جهاز تبريد مختلط الطور عند درجات حرارة لا تتجاوز جزءا من الدرجة فوق الصفر المطلق، عندها تتوقف العمليات الحرارية التي عادة ما تدمر الماغنونات بشكل فعال.
يقول تشوماك للجزيرة نت "لقد أثبتنا وجود مثل هذه الموجات، وهذا ليس الحد الأقصى، فمن الناحية النظرية ينبغي أن نكون قادرين على توليد ماغنونات تدوم مدة أطول. وتتمثل الخطوة التالية في تعلم كيفية استخدامها لمعالجة البيانات، إذ اكتشفنا للتو نوعا خاصا من الماغنونات يتمتع بعمر افتراضي أطول بكثير مما كان متوقعا".
إنجاز مهم للحوسبة الكمومية
تشير النتائج إلى أن التحسينات المستقبلية تعتمد أساسا على التقدم في علم المواد، وليس على التغلب على قانون طبيعي، وذلك مع تطوير الباحثين مواد مغناطيسية أكثر نقاء.
ويرى الباحثون أن الماغنونات قد تصبح مستقبلا وسيلة فعالة لتخزين المعلومات الكمومية أو نقلها بين مئات الوحدات الحاسوبية الكمومية داخل الشريحة الواحدة، وهو ما قد يساعد على بناء حواسيب كمومية أكثر قوة وكفاءة.
كما يمكن أن يؤدي هذا الابتكار دور حلقة الوصل بين تقنيات كمومية مختلفة، الأمر الذي قد يسرع تطوير الجيل القادم من أجهزة الحوسبة الكمومية ويقربها من الاستخدامات العملية.
اجمالي القراءات
22