العراق: تلوّث دجلة يدفع إلى إعلان حالة الطوارئ البيئية

اضيف الخبر في يوم الأحد ٢٧ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


العراق: تلوّث دجلة يدفع إلى إعلان حالة الطوارئ البيئية

يواجه العراق أزمة بيئية متفاقمة وسط تلوّث المياه والهواء وتراكم النفايات والانبعاثات الصناعية، في وقت تُطلَق فيه تحذيرات رسمية من تداعيات خطرة على السكان والموارد المائية، ولا سيّما مع ارتفاع تلوّث نهر دجلة. في هذا الإطار، وانطلاقاً من أنّ "الحماية مسؤولية وطنية"، أعلنت وزيرة البيئة العراقية سروه عبد الواحد أخيراً حالة الطوارئ البيئية في البلاد، وقد دعت الوزارة إلى حراك عاجل لمواجهة التلوّث ومصادره. بالنسبة إلى عبد الواحد، فإنّ أحداً لن يتمكّن من العيش في العراق بعد 20 عاماً في حال عدم معالجة التلوّث.
مقالات متعلقة :


وبموازاة إعلان حالة الطوارئ البيئية، شهد يوم الخميس الماضي تحرّكات حكومية ونيابية ذات صلة بالقضية، من بينها تصويت مجلس النواب العراقي على توصيات لجنة نيابية شُكّلت للتحقيق في أسباب تلوّث نهرَي دجلة والفرات وتحديد مصادر التلوّث والجهات المتسبّبة في ذلك. وفي خلال مناقشة الملف، أُشير إلى أنّ كميات كبيرة من المواد الملوّثة والنفايات وصلت إلى مصادر المياه، وأنّ مستويات التلوّث الأعلى تتركّز في نهر دجلة.

يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)

هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.

في إطار متّصل، أطلقت وزارة البيئة العراقية منصّة لرصد البلاغات البيئية وتوثيق المخالفات وتحديد مواقع ومصادر التلوّث وربطها بالإجراءات القانونية، مع إعداد خطة طوارئ تتضمّن أولويات للمعالجة. يأتي ذلك في حين تشدّد الوزارة على أنّ مواجهة الأزمة تتطلب تعاوناً بين مختلف مؤسسات الدولة وتوفير إمكانات مالية وفنية لمعالجة الملفات البيئية المتراكمة.

وإلى جانب وزارة البيئة، حذّرت وزارة الموارد المائية العراقية من مستويات التلوّث في العراق المستمرّة. وأشارت الجهتان إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على المياه بل تشمل كذلك تلوّث الهواء الناجم عن الانبعاثات الصناعية وحرق النفايات ومعامل الطابوق. وتابعت وزارة البيئة أنّ ثمّة قرى بدأت تشهد حالات نزوح، محذّرةً من أنّ العراق مقبل على كارثة بيئية في حال لم تُتَّخَذ إجراءات حقيقية لمعالجة مصادر التلوّث ومحاسبة الجهات المتسبّبة فيه.

من جهتها، كانت منظمة الصحة العالمية قد أفادت، في وقت سابق، بأنّ التلوث في العراق يمثّل تحدياً للصحة العامة وكذلك للتنمية، وأنّه ليس مشكلة بيئية فحسب. وحذّرت المنظمة، أكثر من مرّة، من ارتباط تلوّث الهواء بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية وكذلك بالسكتات الدماغية وسرطان الرئة، مضيفةً أنّ تلوّث المياه يزيد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه.

وأشار "مرصد العراق الأخضر" إلى نحو 500 مصدر تلوّث على نهر دجلة، الذي يتعرّض لانتهاكات بيئية متواصلة نتيجة الملوّثات الصناعية والطبية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، مبيّناً أنّ من بين مصادر التلوّث 23 بؤرة حادة في بغداد، تتمثّل في أنابيب تطلق مياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية إلى النهر بطريقة مباشرة من دون معالجة. وبيّن أنّ البصرة وبغداد وواسط وميسان وذي قار تُعَد الأكثر تأثّراً بالتلوّث.

وفي تعليق على إعلان حالة الطوارئ البيئية في العراق أخيراً، يقول عضو "مرصد العراق الأخضر" عمر عبد اللطيف لـ"العربي الجديد" إنّ تفاصيل ذلك الإعلان ومترتّباته "ما زالت حتى الآن غير واضحة، على الرغم من أنّ مشكلة تلوّث نهر دجلة كبيرة، وأبرز تعقيداتها أنّ الجهات التي توجّه مياه الصرف الصحي الخاصة بها إلى هذا النهر غير مستعدّة لوقف ذلك". ويوضح أنّ "وقف عمل المصبّات الكبيرة في بغداد قد يؤدّي إلى إغراق المدينة، لأنّها تستقبل في غالبيتها مياه مجاري المناطق السكنية والمستشفيات، التي تختلط ثمّ تُطرَح في دجلة".

ويشير عبد اللطيف إلى تقارير متختصّصة صادرة عن أمانة بغداد تفيد بأنّ معالجة تلوّث نهر دجلة تحتاج إلى عقود، نظراً إلى طبيعة المشاريع الاستراتيجية المطلوبة، في حين أنّه من الممكن عملياً معالجة مياه الصرف الصحي قبل طرحها في النهر. لكنّ هذه المعالجات، وفقاً لعبد اللطيف، تتطلّب تخصيصات مالية كبيرة، الأمر الذي يجعل تنفيذها تحدياً في ظلّ الوضع الاقتصادي الذي يعيشه العراق راهناً.

ويرى عضو "مرصد العراق الأخضر" أنّ "وزارة البيئة غير قادرة وحدها على احتواء التلوّث، الذي سوف يستمرّ لسنوات، مع تزايد المخاوف الصحية المرتبطة بارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان وانتشار الفشل الكلوي بين سكان بغداد والبصرة". وفي ما يتعلّق باحتمال أن يكون الاستثمار في معالجة مياه الصرف الصحي منقذاً في حال تبنّيه، يرى عبد اللطيف صعوبة هذه الخطوة بسبب ارتفاع الكلفة، ويبيّن أنّ "الأمر يتطلّب تحويل خطوط الصرف بعيداً عن مجرى النهر أو معالجة المياه لإزالة الملوّثات قبل طرحها. لذلك لا تبدو مشاريع المعالجة جذّابة للمستثمرين من الناحية الاقتصادية، إلا إذا ارتبطت بمشاريع زراعية تعيد استخدام المياه المعالجة في الريّ".من جهته، يرى الخبير البيئي أسعد كاظم أنّ أزمة دجلة في العراق ناجمة عن التقاء مشكلات عدّة، بات من الصعب فصلها وتحييدها من جرّاء وصولها إلى نقطة شديدة التعقيد. يضيف في حديث لـ"العربي الجديد" أنّ ما يعانيه نهر دجلة "ليس أزمة تلوّث فحسب، ولا أزمة مياه"، إنّما هو "نتيجة التقاء شحّ المياه مع ضعف منظومة الصرف الصحي والمعالجة والتلوّث الصناعي وكذلك الزراعي".

ويشرح كاظم أنّ كلّ ذلك "جعل نهر دجلة أكثر هشاشة أمام أيّ مصدر جديد للملوّثات"، وبالتالي فإنّ "إنقاذه لا يتطلّب تنظيف مياهه فحسب، بل وقف التلوّث من منابعه وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي". لكنّ ما يجعل تحقيق ذلك "صعباً"، على حدّ قول هذا الخبير البيئي، هو "ضعف القرار الرسمي وصعوبة وضع تخصيصات مالية كبيرة كافية للانخفاض الكبير في الواردات المالية للبلاد".

بدوره، يصف الخبير البيئي أوس الطياوي إعلان حالة الطوارئ البيئية في العراق بأنّه "خطوة مهمّة لجهة الاعتراف بحجم المشكلة"، غير أنّه يشير إلى أنّ ذلك "لا يعني بالضرورة أنّ الأزمة بدأت تُعالَج فعلياً". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "حالة الطوارئ إجراء إداري للتعامل مع وضع استثنائي، في حين تحتاج معالجة الأزمة البيئية في العراق إلى إجراءات أعمق وأكثر استدامة تشمل إصلاح البنية التحتية والإدارة والتشريعات والرقابة".

ويلفت الطياوي إلى أنّ "العراق لا يواجه مشكلة بيئية منفصلة عن بقيّة أزماته"، موضحاً أنّ "التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والخدمية تتداخل كلها وتنعكس على البيئة". ويؤكد بالتالي أنّ "التعامل مع التلوّث بوصفه مشكلة بيئية فقط لن يؤدّي إلى نتائج حقيقية ما لم تُعالج الأسباب التي تسمح باستمراره"، ومن هنا يرى الخبير "ضرورة تحويل حالة الطوارئ إلى برنامج وطني طويل الأمد".
اجمالي القراءات 17
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more