من الضرائب إلى تآكل الرواتب.. كيف تتسع الفجوة بين دخل المصريين وتكلفة معيشتهم؟
بين فاتورة ضريبية تلتهم أكثر من نصف حصيلتها من جيب المواطن البسيط، وقاضٍ يترك منصة العدالة بحثًا عن لقمة العيش، وإيجار يبتلع راتب شهر كامل، ورغيف خبز يقفز سعره بالآلاف في المائة؛ تتكشف صورة قاسية لواقع اقتصادي يضغط على كل فئات المجتمع دون استثناء. فمن المعاش الذي لا يكفي سوى الجبن والزيتون، إلى الطبيب والمهندس والمعلم والصحفي الذين تآكلت أجورهم أمام موجات الغلاء المتلاحقة، يبدو أن الأزمة لم تعد تخص فئة بعينها، بل باتت تهدد استقرار الطبقة الوسطى بأكملها، وتطرح سؤالًا لا يحتمل التأجيل: إلى متى يظل المواطن هو الممول الأكبر لموازنة تعتمد على الجباية والاستدانة أكثر من اعتمادها على التنمية الحقيقية؟
المواطن يتحمل العبء الأكبر من الحصيلة الضريبية
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية المصرية عن واقع مالي يثير الكثير من الجدل، إذ جمعت الدولة أكثر من 2.2 تريليون جنيه من الضرائب خلال الأشهر العشرة الأولى من العام المالي الحالي. وجاء أكثر من 1.26 تريليون جنيه من هذا المبلغ من المواطنين أنفسهم، أي ما يزيد على 57% من إجمالي الحصيلة، وهو ما يعني أن أكثر من نصف إيرادات الضرائب مصدره رواتب الموظفين واستهلاك الأسر للسلع والخدمات والجمارك، وليس الشركات الكبرى أو القطاع المصرفي وحده.
وفي مفارقة لافتة، تجاوزت فوائد الديون التي سددتها الدولة خلال الفترة ذاتها تريليوني جنيه، بما يعني أن الجانب الأكبر مما يدفعه المواطنون كضرائب يذهب في الأساس لتغطية فوائد الديون المتراكمة، وليس إلى مشروعات تنموية مباشرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاعتماد المتزايد على الجباية والاستدانة كأداتين رئيسيتين لإدارة الموازنة العامة.
هذا الواقع الضريبي ينعكس بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية لفئات واسعة من المواطنين، وعلى رأسهم أصحاب المعاشات؛ إذ تحكي إحدى السيدات المسنات كيف لا يتبقى لها من معاشها الشهري بعد سداد الفواتير سوى مبلغ بسيط تديره بحساب دقيق بين الجبن والزيتون على مدار الشهر. وفي واقعة أخرى، فوجئ مواطن من شمال سيناء بأن ثمن ثلاجة بسعر 15,800 جنيه يتجاوز 18 ألف جنيه بعد إضافة ضريبة القيمة المضافة، وهو نموذج يتكرر يوميًا في ملايين المعاملات التجارية داخل البلاد.
أزمة الرواتب تدفع القضاة إلى الاستقالة الجماعية
لم تعد أزمة رواتب القضاة نقاشًا مغلقًا داخل أروقة المحاكم، بل تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا المطروحة في الوسط القضائي، بعدما تحدثت أكثر من ثماني مصادر قضائية عن استقالات متتالية بلغت نحو 1300 قاضٍ منذ عام 2022 وحتى الآن، من إجمالي نحو 22 ألف قاضٍ فقط في مصر. ورغم غياب إحصاءات رسمية معلنة تؤكد هذا الرقم أو تنفيه، فإن مجرد تداوله بهذا الاتساع يعكس حجم القلق المحيط بالملف.
وبحسب مصادر قضائية، تتراوح رواتب المناصب القضائية العليا مثل نائب رئيس محكمة النقض ورئيس محكمة استئناف القاهرة بين 40 و50 ألف جنيه شهريًا، بينما يحصل رئيس محكمة (أ) على نحو 25 ألف جنيه، ورئيس محكمة (ب) على نحو 20 ألف جنيه فقط. ويحظر قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 في مادته 72 على القضاة الاشتغال بأي عمل تجاري أو أي عمل يتعارض مع استقلال القضاء وهيبته، ما يعني غياب أي مصدر دخل بديل لمواجهة الغلاء.
ووثقت مصادر قضائية واقعة عزل أحد القضاة بعد ثبوت انخراطه في أنشطة تجارية من بينها بيع العقارات، مبررًا ذلك بحاجته لدخل إضافي. كما شهدت نهاية عام 2024 إحالة 48 قاضيًا إلى التفتيش القضائي على خلفية نقاشات في مجموعات مغلقة حول الأزمة الاقتصادية، قبل أن يُغلق الملف وديًّا دون إجراءات عقابية.
هجرة القضاة إلى القطاع الخاص
روى أحد القضاة كيف اضطر لنقل أبنائه الثلاثة من مدارس دولية إلى حكومية بعد عجزه عن تحمل المصروفات الدراسية، فيما ترك محاميان عامّان العمل القضائي لتأسيس مؤسسة قانونية خاصة نجحت في جذب شركات كبرى محلية ودولية. كذلك استقال أحد أعضاء النيابة العامة بعد تلقيه عرضًا للعمل مستشارًا قانونيًا لدى شركة “داماك” للتطوير العقاري بمزايا مالية أفضل.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، وافق مجلس القضاء الأعلى في منتصف يونيو الماضي، برئاسة المستشار عاصم الغايش، على دراسة إقرار مزايا مالية شهرية للقضاة وأعضاء النيابة تمويلها من الحساب الادخاري والموارد الذاتية للمجلس، تمهيدًا للصرف اعتبارًا من العام المالي المقبل، وقد أقر المجلس بالفعل ميزة شهرية ثابتة قدرها 6 آلاف جنيه لجميع القضاة وأعضاء النيابة العامة.
ويرى المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، أن استقلال القضاء لا يقتصر على استقلال المؤسسة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل يشمل استقلال القاضي الفرد ذاته عبر توفير حياة كريمة تحميه من الضغوط الاقتصادية. بينما يرى نزيه الحكيم، القاضي السابق وأستاذ القانون الدستوري، أن الرواتب تتراوح بين 24 و35 ألف جنيه بحسب الدرجة، مؤكدًا أن الإنفاق على السلطة القضائية استثمار في سيادة القانون وليس مجرد بند مالي.
وتفاقم الأزمة نقص أعداد القضاة مقابل تصاعد القضايا؛ إذ كشف المستشار عمر مروان، وزير العدل الأسبق، في ديسمبر 2020 أن مصر تضم قاضيًا واحدًا لكل 33 ألف نسمة مقابل معدل عالمي قاضٍ لكل 14 ألف نسمة، في وقت تنظر فيه المحاكم ما بين 12 و13 مليون قضية جنائية سنويًا، إضافة إلى 1.7 مليون قضية أمام مجلس الدولة ونحو 2.29 مليون قضية مدنية وتجارية.
قفزة تاريخية في أسعار الإيجارات بالقاهرة الكبرى
كشف موقع “مرصد العمران” عن ارتفاع حاد في أسعار الإيجارات بالقاهرة الكبرى، إذ بلغ متوسط الإيجار الشهري في القاهرة نحو 10 آلاف جنيه، في وقت لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 8 آلاف جنيه شهريًا. واعتمد المؤشر على تحليل 18 ألف وحدة سكنية معروضة للإيجار خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، ورصد ارتفاعًا في الإيجارات بنسبة 15% خلال ستة أشهر فقط، مقارنة بزيادة 6% فقط خلال العام السابق بأكمله.
وأوضح يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، أن الارتفاع طال 11 حيًّا بنسب متفاوتة، بلغت ذروتها بين 55% و60% في حي الزمالك وروض الفرج على التوالي. ويأتي هذا التصاعد بعد إقرار قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025، الذي رفع القيمة الإيجارية وسمح بفسخ عقود الإيجار بعد سبع سنوات، فيما يصفه مراقبون بأنه أطاح بأحد أهم حصون استقرار الطبقة الوسطى في مصر.
تآكل أجور المهنيين يهدد استقرار الطبقة الوسطى
لا تقتصر الأزمة الاقتصادية على القضاة وحدهم، بل تمتد إلى معظم فئات المهنيين الذين يشكلون عماد الطبقة الوسطى. فبحسب مسح الطبقة العاملة بالعينة الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2025 ونُشر عام 2026، يمثل 619.5 ألف شخص رجال التشريع وكبار المسؤولين والمديرين بنسبة 2.8% من المشتغلين بأجر، بينما يشكل 3.4 مليون أخصائي وصاحب مهنة علمية نحو 15.6% من إجمالي المشتغلين بأجر.
أزمة أجور الأطباء والمهندسين
أعلنت مستشفيات جامعة المنصورة مؤخرًا فرض رسوم 2500 جنيه على أطباء الامتياز مقابل السكن والوجبات، رغم أن أجر طبيب الامتياز لا يتجاوز 2600 جنيه شهريًا، قبل أن تخفض الجامعة الرسوم إلى 500 جنيه عقب احتجاجات الأطباء. ويحدد القانون رقم 14 لسنة 2014 أجر طبيب الامتياز بـ2600 جنيه، بينما يتراوح أجر الطبيب المقيم بين 7000 و9000 جنيه، وهي فئة غير خاضعة لقانون الحد الأدنى للأجور. وتشير بيانات وزارة الصحة إلى وجود 120.3 ألف طبيب بشري و92.4 ألف صيدلي و43.7 ألف طبيب أسنان مقيدين، مقابل 257.3 ألف طبيب مقيد بنقابة الأطباء، فيما لا يتجاوز عدد الأطباء العاملين فعليًا 35% فقط من المسجلين، مقابل 65% في إجازات خاصة.
أما المهندسون، البالغ عددهم 724.5 ألف مهندس مقيد بالنقابة حتى عام 2022، فتتراوح أجور حديثي التخرج بينهم بين 3 و6 آلاف جنيه، وترتفع إلى ما بين 9 و11 ألف جنيه في الشركات الكبرى، مع تفاوت واسع بين قطاع البترول وباقي القطاعات.
الصحفيون والمعلمون بين أدنى الأجور
يضم جدول نقابة الصحفيين 11.3 ألف عضو، عدا العاملين بعقود مؤقتة وبنظام القطعة. وكشفت أزمة العاملين في “بي بي سي مصر” عام 2023 أن أجورهم كانت تتراوح بين 250 و500 دولار شهريًا، في وقت كان الحد الأدنى للأجور فيه 4500 جنيه وسعر صرف الدولار 15 جنيهًا، قبل أن ترتفع الأجور بنسب تراوحت بين 75% و142% عقب احتجاجات نقابية. وشهدت صحف محلية عدة احتجاجات مماثلة بعدما لم تتجاوز أجور بعض الصحفيين فيها 2000 جنيه، في وقت كان الحد الأدنى للأجور يتراوح بين 6000 و7000 جنيه.
وتضم نقابة المعلمين 870.4 ألف عضو، ويحدد نظام “معلم الحصة” نصابًا أسبوعيًا لا يتجاوز 20 حصة بقيمة 50 جنيهًا للحصة الواحدة، أي بحد أقصى 4000 جنيه شهريًا، أي نصف الحد الأدنى الحالي للأجور البالغ 8000 جنيه.
تضخم متصاعد يلتهم القدرة الشرائية
يقدر عدد أعضاء الهيئات القضائية بين 22 و24 ألفًا، ويوجد 124.4 ألف عضو هيئة تدريس بالجامعات الحكومية و29.5 ألف عضو هيئة تدريس بالجامعات الخاصة، إضافة إلى 543 ألف مهندس زراعي و1.8 مليون عامل بالمجال التجاري و376.3 ألف محامٍ. وقد تجاوزت معدلات التضخم 40% عام 2023 و30% عام 2024، بينما ارتفعت أسعار الطعام والشراب في بعض الشهور بأكثر من 70% مقارنة بالعام السابق.
وشهدت أسعار السلع الأساسية قفزات لافتة؛ إذ ارتفع سعر أنبوبة البوتاجاز من 8 جنيهات عام 2014 إلى 275 جنيهًا عام 2026، كما قفز سعر صرف الدولار من 7 جنيهات عام 2014 إلى 50 جنيهًا عام 2026. وطالت الزيادات أيضًا رغيف الخبز، الذي ارتفع سعره من 5 قروش إلى جنيه ونصف الجنيه خلال العامين الأخيرين، بنسبة زيادة قاربت 2900%، بعد إلغاء الدعم الكامل عنه وخفض وزنه من 130 جرامًا إلى 70 جرامًا فقط.
وتشير المقترحات المتداولة حول منظومة الدعم النقدي إلى قيمة تدور بين 200 و300 جنيه للفرد، مع دمج منظومتي السلع والخبز في محفظة واحدة؛ فإذا استهلك الفرد 150 رغيفًا شهريًا بسعر 1.5 جنيه للرغيف، فإن إجمالي إنفاقه على الخبز وحده يبلغ 225 جنيهًا، ليتبقى له نحو 75 جنيهًا فقط لباقي السلع، وهو مبلغ لا يكفي حتى لشراء زجاجة زيت واحدة.
كذلك ارتفعت أسعار شرائح استهلاك الكهرباء إلى نحو 2.74 جنيه للكيلووات الواحد، ما يؤدي إلى نفاد رصيد شحن العدادات بسرعة رغم محاولات ترشيد الاستهلاك. وإذا احتسبت أسرة مكونة من أربعة أفراد تكلفة وجبة إفطار أساسية بسعر 10 جنيهات للسندوتش الواحد، فإن إنفاقها اليومي على هذا البند وحده يصل إلى نحو 240 جنيهًا، أي ما يعادل 7200 جنيه شهريًا، متجاوزًا الحد الأدنى للأجور البالغ 8000 جنيه، دون احتساب الإيجار والمواصلات والعلاج والتعليم وفواتير المياه والغاز.
سؤال استقلال القرار وسيادة القانون
يرى مراقبون قانونيون أن أزمة الرواتب في السلطة القضائية، وما يقابلها من تآكل أجور الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين، ليست مجرد ملف مالي إداري، بل تمس جوهر استقرار المؤسسات والفئات المهنية التي تشكل عماد الطبقة الوسطى. فحين يضطر قاضٍ أو طبيب أو معلم للتفكير في مصدر دخل بديل لمواجهة أعباء المعيشة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مدى قدرة الدولة على الاحتفاظ بكفاءاتها في مواجهة إغراءات القطاع الخاص والهجرة للخارج، وسط ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة اليومية بمختلف تفاصيلها.
اجمالي القراءات
48