الجرائم الأسرية في مصر... معدلات أعلى ووحشية أكبر

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٠٤ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


الجرائم الأسرية في مصر... معدلات أعلى ووحشية أكبر

لم يعد العنف والجرائم الأسرية في مصر مجرد ظواهر هامشية أو وقائع متفرقة تُطوى مع الزمن، إذ حوّلت البيوت التي يُفترض أن تكون ملاذاً للأمان إلى ساحات قتل وتصفيات جسدية جماعية تتجاوز وحشيتها الجرائم التقليدية التي ترتكب في الفضاء العام.
مقالات متعلقة :

وكشفت بيانات أصدرها المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية تصاعداً مقلقاً في معدلات الجرائم الأسرية خلال السنوات الأخيرة، ما عكس تحوّلات اجتماعية عميقة داخل بنى الأسر. وأفاد المركز بأن عدد الجرائم الأسرية بلغ 320 عام 2015، ثم شهد منحى تصاعدياً حاداً خلال أربع سنوات فقط، ووصل إلى 650 عام 2019. ولم يقتصر هذا المنحى التصاعدي على العدد، بل عكس أيضاً تنوع أنماط الاعتداءات على الحياة وسلامة الجسد والعِرض والمال.وعزز هذه المؤشرات تقرير آخر أصدرته مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة"، رصد قفزة أكبر في معدلات العنف الأسري من خلال توثيق نحو 1250 جريمة عنف داخل الأسرة العام الماضي، ما يعني أن المعدلات تضاعفت نحو أربع مرات خلال عقد.
ويكشف هذا التصاعد الحاد تزايد مستويات التوتر والعنف داخل المنازل في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، وتراجع أدوار الحماية والدعم الاجتماعي، ما يجعل الجريمة الأسرية واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية الصامتة داخل المجتمع المصري.
وتتحدث مصادر قضائية مطلعة في مكتب النيابة العامة لـ"العربي الجديد" عن أن "معدلات الجرائم الأسرية في مصر شهدت قفزة هائلة خلال السنوات العشر الأخيرة، وأيضاً في أنماطها على صعيد التخطيط المسبق والتنكيل واستهداف أكثر من ضحية داخل الأسرة الواحدة، ما عكس تحوّلات عميقة في البنى النفسية والاجتماعية للمجتمع".
والمقلق، بحسب ما يقول متابعون للشأن الجنائي، أن الخلافات الأسرية التي كانت تنتهي سابقاً بالانفصال أو الطلاق أو القطيعة باتت تُحسم بالقتل في عدد متزايد من القضايا، كأن العنف أصبح بديلاً من الحوار، أو وسيلة أخيرة لحسم الصراعات داخل الجدران المغلقة. وعلى سبيل المثال، أحالت النيابة العامة قبل أيام إلى المحاكمة رجلاً قتل أولاده الأربعة وألقاهم في مياة الملاحات غرب مدينة الاسكندرية (شمال)، وذلك بعد عام من قتله زوجته ودفنها من دون أن يلاحظ أحد جريمته. وهو برر العنف الذي ارتكبه بعدم قدرته على الإنفاق على الأسرة، ثم تراجع عن هذا الزعم وقال إنه واصل جرائمه بسبب تشككه في زوجته.
وقبل أيام، ألغت محكمة الجنايات الاستئنافية بمحافظة الفيوم حكم تبرئة متهم بقتل نجله، وقضت بمعاقبته بالسجن ست سنوات مع إلزامه بدفع المصاريف الجنائية، بعدما قبلت استئنافاً قدمته النيابة العامة في الحكم. وأظهرت التحقيقات، بحسب محاضر النيابة العامة، أن المتهم أقرّ بارتكاب الواقعة خلال التحقيقات والمعاينة التمثيلية في مسرح الجريمة، وأن تحريات الشرطة دعمتها أقوال شقيقة المتهم وشهادة سيدة علمت بتفاصيل الحادث فور وقوعه. وأفاد تقرير الطب الشرعي بعدم وجود أي مانع لحدوث الوفاة نتيجة الضغط على العنق، ما يتطابق مع طبيعة الإصابات الموصوفة في المستندات الرسمية. أيضاً أظهرت التحقيقات أن المجني عليه لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة من عمره حين ارتكبت الواقعة، ما أضفى بعداً قانونياً إضافياً في ضوء أحكام قانون الطفل. وكانت محكمة الجنايات قضت في أغسطس/ آب الماضي ببراءة المتهم، واعتبرت أن فعله دفاع شرعي عن العرض، وهو ما طعنت به النيابة العامة التي أكدت، في دعوى الاستئناف التي قدمتها، أن هناك خطأ في تطبيق وتأويل القانون، لا سيما في ما يتعلق بضوابط التناسب في استخدام القوة.
ولم تكن هذه الجرائم في معزل عن سياق متصل من دائرة عنف أوسع، فخلال عامي 2024 و2025 وبداية العام الحالي، هزت الرأي العام المصري سلسلة جرائم أسرية وُصفت بأنها "بين الأشد قسوة في التاريخ الحديث". وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، استيقظت محافظة المنيا على واحدة من أكثر الجرائم بشاعة، بعدما أقدمت زوجة أب في مركز ديرمواس على دس مادة سامة في خبز قُدم لزوجها وأبنائه الستة من زوجة سابقة.
ولم ينجُ أحد من الجريمة، إذ فارق الأب والأطفال الستة الحياة خلال ساعات، وتحوّلت الواقعة إلى نموذج صادم لجرائم الإبادة الأسرية، حيث لا يتوجه القتل إلى شخص محدد، بل إلى أسرة بكاملها باعتبارها "عبئاً أو "عائقاً".
وأظهرت التحقيقات أن الدافع لم يكن لحظة غضب عابرة، بل شعوراً متراكماً بالغيرة والرغبة في التخلص من مسؤولية لم تستطع المتهمة أن تتحملها، ثم أصدرت المحكمة قرار إعدامها بعد ثبوت التخطيط المسبق للجريمة وسلامة قواها العقلية.
وفي يوليو/ تموز الماضي، عادت جرائم ما يُعرف بـ"الوصاية القاتلة" إلى الواجهة في قضيتين كشفتا استمرار مفاهيم مشوهة للسلطة الأبوية والشرف.

الفقر والضيق محفزان مباشران للعنف، 16 نوفمبر 2019 (محمد الشاهد/ فرانس برس)
الفقر والضيق محفزان مباشران للعنف، 16 نوفمبر 2019 (محمد الشاهد/ فرانس برس)
وفي الشرقية، أنهى أب حياة ابنته البالغة 17 من العمر خنقاً بعدما أصرّت على فسخ خطوبتها وإكمال تعليمها. وفي الجيزة، قتل ثلاثة من أفراد عائلة واحدة فتاة داخل منزلها لمعاقبتها على الزواج من دون علم الأسرة، رغم ثبوت شرعية الزواج.
وتشير مصادر قضائية إلى أن هذا النمط من الجرائم لا يزال حاضراً بقوة رغم أن مبرراته تغيرت، حيث يُعاد إنتاج السيطرة الأبوية أو الأخوية أو الأسرية في صورة عنف مميت.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كانت منطقة فيصل في الجيزة على موعد مع شكل آخر من العنف الأسري، حيث تركت أم أبناءها الثلاثة عقب خلافات مريرة مع زوجها، ما أدى إلى وفاة أحدهم وإصابة الآخرين بهزال حاد، قبل أن تنكشف محاولات للتخلص منهم عبر إلقائهم في ترعة قريبة.
ولم يكن الدافع كراهية الأطفال بقدر رغبة المرأة في الانتقام من الزوج باستخدام الأبناء وسيلة ضغط، في مشهد عكس اختلالاً نفسياً عميقاً وانهياراً لمعنى الأمومة.
وفي بداية العام الماضي، شهدت منطقة الخصوص بالقليوبية جريمة أخرى ارتكبها زوج ذبح زوجته ثم توجه لأداء صلاة الفجر. وهو اعترف لاحقاً بأن السخرية المستمرة من فقره وضيق حاله فجرت غضبه المكتوم الذي تحوّل في لحظة إلى قتل.
وتُظهر مثل هذه القضايا كيف تتحوّل الضغوط الاقتصادية المزمنة إلى محفز مباشر للعنف، خاصة في ظل غياب أدوات التفريغ النفسي أو الدعم الاجتماعي في الدولة.
وفي النصف الأول من العام الماضي، أكدت تقارير جنائية، أحدها لمركز البحوث الجنائية، أن الطعن والخنق يتصدران أدوات القتل داخل الأسرة، وأن المحافظات الكبرى في مصر سجلت النسبة الأعلى من الجرائم، وأن المخدرات التخليقية، وعلى رأسها "الشبو"، حاضرة بقوة في جرائم قتل الأصول. وتؤكد مصادر قضائية أن جرائم كثيرة يرتكبها أشخاص بلا سوابق جنائية، ما يشير إلى تحوّلات سلوكية مفاجئة وليس إلى إجرام تقليدي.
وترى الدكتورة رشا محمد، أستاذة علم النفس في جامعة بني سويف، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن "تصاعد الجرائم الأسرية لا يمكن فصله عن تراكم طويل من الضغوط النفسية غير المعالجة. يعاني المجتمع المصري من إنكار واسع لفكرة المرض النفسي، حيث تُفسر أعراض الاكتئاب الحاد أو الاضطرابات الذهانية بأنها تقلبات في المزاج أو ضعف إيمان، ثم تنفجر في صورة عنف غير متوقع".

مطعم فلسطيني في القاهرة، 28 أكتوبر 2024 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
لجوء واغتراب
فلسطينيون يحاولون كسر حاجز البطالة في مصر

من جهته، يحذر استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز، في حديثه لـ"العربي الجديد"، من أن "ما تشهده مصر حالياً ليس ذروة الظاهرة، بل مجرد بدايتها. يمر المجتمع بحالة تآكل أخلاقي ونفسي متسارع نتيجة ضغوط معيشية خانقة، وانفتاح غير منضبط على أنماط سلوكية عنيفة، وانتشار مخدرات تؤدي إلى بارانويا وذهان".
ويؤكد أن "أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو الاعتياد على العنف، حيث لم تعد الجريمة صادمة كما كانت، بل تُستهلك مثل خبر عابر، ما يُفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تدريجاً. وأخطر ما في المشهد هو تطبيع الغضب الذي بات حالة عامة، بلا قنوات صحية للتفريغ، ما يجعل الأسرة الحلقة الأضعف والأقرب إلى الانفجار".
ويتفق الخبراء على أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن الحل يبدأ بإدماج الصحة النفسية في الرعاية الأساسية، وتجريم التحريض الأسري غير المباشر، وتوفير دعم نفسي واجتماعي للأسر الهشة، وكسر الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي.



اجمالي القراءات 32
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق