مليارات لا تجلب خدمات.. لماذا لا يلمس الليبيون أثر الإنفاق العام؟
رغم تدفق مليارات الدولارات سنويا من عائدات النفط على الموازنة العامة الليبية، فلا يزال المواطن يواجه أزمات يومية تبدأ من طوابير الوقود ولا تنتهي بانقطاعات الكهرباء وارتفاع أسعار الغذاء، في مفارقة تكشف اتساع الفجوة بين حجم الإنفاق العام وما ينعكس فعليا على مستوى الخدمات.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في قطاع المحروقات، إذ بلغت قيمة واردات الوقود نحو 9.23 مليارات دولار خلال عام 2024 مقابل 11.17 مليون طن، بزيادة 38.4% في الكميات مقارنة بعام 2022، وفق بيانات ديوان المحاسبة، في وقت تستمر فيه أزمة توفر الوقود وتتكرر اختناقات الكهرباء.وخلال الفترة الأخيرة، أعادت تقارير دولية ورقابية تسليط الضوء على إشكالية إدارة الموارد العامة في ليبيا، إذ حذرت تقارير من ضعف قدرة الإنفاق الحكومي على تحقيق استقرار اقتصادي أو تحسين الخدمات، بالتزامن مع استمرار الاعتماد على الواردات وتراجع الإنتاج المحلي في قطاعات حيوية.
إنفاق واسع وأثر محدود
يرى وزير الاقتصاد الليبي السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك سلامة الغويل أن المشكلة لا ترتبط بحجم الإنفاق بقدر ما تتعلق بطريقة إدارته وتوجيهه.
ويقول الغويل للجزيرة نت إن جزءا كبيرا من الإنفاق خلال السنوات الماضية تم توجيهه إلى المرتبات والدعم والمصروفات التشغيلية، مقابل ضعف الإنفاق الاستثماري والصيانة، مشيرا إلى أن تعدد جهات الإنفاق والانقسام المؤسسي وغياب الميزانية الموحدة أضعف القدرة على قياس نتائج الإنفاق ومحاسبة الجهات المسؤولة.
ويضيف أن معيار نجاح الإنفاق العام لا ينبغي أن يكون حجم الاعتمادات المالية، وإنما أثرها على حياة المواطنين من خلال استقرار الكهرباء، وتحسن الخدمات الصحية، وتطوير البنية التحتية.
ويشير الغويل إلى أن تضخم فاتورة الأجور ودعم الطاقة أدى إلى مزاحمة الإنفاق التنموي، وأن الخلل الأساسي يكمن في ضعف الحوكمة وغياب الربط بين التمويل والنتائج.
منظومة استيراد الوقود وتوزيعه في ليبيا تعاني اختلالات تشمل ضعف تقدير الاحتياجات، حسب ديوان المحاسبة
منظومة استيراد الوقود وتوزيعه في ليبيا تعاني اختلالات تشمل ضعف تقدير الاحتياجات، حسب ديوان المحاسبة (رويترز)
الوقود وفجوة الحوكمة
يمثل قطاع المحروقات أحد أبرز الأمثلة على اتساع الفجوة بين حجم الإنفاق والعائد، إذ تعتمد ليبيا على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها رغم امتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة.
إعلان
وكشفت مراجعات ديوان المحاسبة عن اختلالات في منظومة استيراد الوقود وتوزيعه، من بينها ضعف تقدير الاحتياجات، وتراجع كفاءة المصافي المحلية، ووجود فروقات بين المخزون الفعلي والكميات المسجلة، إلى جانب تحديات تتعلق بالرقابة على سلسلة الإمداد.
كما أظهرت المراجعة تقلص عدد الشركات الموردة من 17 شركة عام 2022 إلى 6 شركات فقط في 2024، إضافة إلى منح عقود بمليارات الدولارات لشركات حديثة التأسيس، بينها شركة أُسست برأسمال لا يتجاوز 13.6 ألف دولار قبل حصولها على عقد لتوريد محروقات بقيمة 1.2 مليار دولار، فضلا عن رصد شبهات تتعلق بتشابه مستندات التسجيل والتوقيعات بين عدد من الشركات.
ولا يقتصر الهدر على الاستيراد، إذ تعمل المصافي الليبية بأقل كثيرا من طاقتها التصميمية، حيث تبلغ الفجوة الإنتاجية نحو 38%، بما يمثل خسائر سنوية تُقدَّر بنحو 744 مليون دولار للمصافي العاملة، وترتفع إلى نحو 1.2 مليار دولار عند احتساب خسائر توقف مصفاة رأس لانوف.
كما يوضح التقرير أن تكلفة إنتاج طن البنزين محليا تتراوح بين 117 و150 دينارا ليبيا (بين 18.4 و23.6 دولارا)، في حين تبلغ تكلفة استيراده نحو 4256 دينارا (668.9 دولارا) للطن، ولا تغطي المصافي المحلية سوى 24% من الطلب المحلي، مقابل اعتماد ليبيا على الخارج لتغطية 76% من احتياجاتها من المنتجات النفطية.
عدد الشركات الموردة للوقود في ليبيا تراجع من 17 شركة عام 2022 إلى 6 شركات فقط في 2024
عدد الشركات الموردة للوقود في ليبيا تراجع من 17 شركة عام 2022 إلى 6 شركات فقط في 2024 (الجزيرة)
ويقول عبد المنعم أبو زيد -عضو اللجنة العليا المشتركة لتنفيذ خطة التعاون الإستراتيجية في مكافحة الفساد بين ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد- إن استمرار تهريب الوقود واستنزاف الدعم لا يرتبط بغياب التقارير الرقابية، وإنما بوجود ثغرات هيكلية في إدارة منظومة المحروقات.
وأوضح أبو زيد للجزيرة نت أن أبرز هذه الثغرات تتمثل في غياب إطار تشريعي ومالي واضح ينظم دعم المحروقات، وضعف منهجية تحديد الاحتياجات الفعلية، إضافة إلى تداخل الاختصاصات بين الجهات المسؤولة عن التخطيط والتوريد والتوزيع، بما يُضعف المساءلة.
وأشار إلى أن معالجة الأزمة لا تتوقف على تشديد العقوبات ضد المهربين، بل تتطلب إصلاح منظومة الحوكمة عبر الرقابة الإلكترونية على دورة الوقود كاملة، من تحديد الاحتياج إلى وصول المنتج للمستهلك.
ويرى أبو زيد أن اختلالات قطاع المحروقات تنعكس مباشرة على الاقتصاد والخدمات العامة، إذ يؤدي الهدر في الدعم إلى استنزاف موارد كان يمكن توجيهها إلى قطاعات مثل الكهرباء والصحة والتعليم والبنية التحتية.
الهدر في دعم المحروقات في ليبيا يسهم في استنزاف موارد كان يمكن توجيهها إلى قطاعات مثل الصحة والتعليم
الهدر في دعم المحروقات في ليبيا يسهم في استنزاف موارد كان يمكن توجيهها إلى قطاعات مثل الصحة والتعليم (الجزيرة)
إنفاق لا ينعكس على الخدمة
لا تختلف صورة قطاع الكهرباء كثيرا، فما زالت البلاد تواجه عجزا متكررا في الإنتاج رغم الإنفاق الكبير على القطاع خلال السنوات الماضية.
وشهدت مناطق عدة أخيرا انقطاعات واسعة للتيار بعد خروج بعض دوائر النقل من الخدمة، في حين أعلنت الشركة العامة للكهرباء أن الاستهلاك تجاوز 2200 ميغاواط مقابل إنتاج بلغ نحو 1444 ميغاواط، بعجز قدره 441 ميغاواط.
كما تشير مراجعات ديوان المحاسبة إلى أن كفاءة استهلاك الديزل في عدد من محطات التوليد تقل بنحو 35% إلى 37% عن المعدلات الدولية، بما يُترجم إلى هدر مالي سنوي يتراوح بين 180 و200 مليون دولار نتيجة استهلاك وقود لا يقابله إنتاج مماثل للطاقة.
ولا تبدو الصورة مختلفة في القطاع الصحي، فبحسب مراجعة ديوان المحاسبة لمنظومة الدواء، لا يرتبط الخلل بحجم الإنفاق بقدر ما يرتبط بضعف الحوكمة وإدارة سلسلة الإمداد، إذ رصد التقرير غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة لتحديد الاحتياجات الدوائية، واعتماد التقديرات بدلا من البيانات الفعلية، بما أدى إلى تكرار نقص أصناف أساسية مقابل تكدس أصناف أخرى.
وكشف أن منظومة الدواء تضم 728 جهة وشركة ووكالة، بينها 538 شركة أجنبية مسجلة، و104 شركات استيراد، و86 شركة توزيع، مع غياب منظومة موحدة للتخطيط والرقابة، وهو ما يحد من كفاءة الإنفاق ويؤثر في وصول الدواء إلى مستحقيه.الغذاء.. اعتماد متزايد على الخارج
في القطاع الزراعي، تكشف المؤشرات استمرار اعتماد ليبيا على الاستيراد لتغطية احتياجاتها الأساسية.
وحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، فمن المتوقع أن لا يتجاوز إنتاج ليبيا من الحبوب عام 2026 نحو 150 ألف طن، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استيراد نحو 3.3 ملايين طن لتغطية الطلب المحلي.
ويرى نائب رئيس اتحاد الفلاحين والمربين ببلدية سبها عبد السلام السنوسي الشريف أن المشكلة لا تكمن فقط في محدودية الإنتاج، بل في طريقة إدارة الدعم الزراعي، مشيرا إلى أن سياسات الاستيراد غير المنسقة خلال مواسم الحصاد أضرت بالمنتجين المحليين، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الخدمات المرتبطة بالزراعة.
وفي الوقت نفسه، يقول أحمد ناصف -صاحب شركة لاستيراد وتصدير المواد الغذائية وعضو مجلس رجال الأعمال والغرفة التجارية- إن تعقيد إجراءات فتح الاعتمادات المستندية، واشتراط تغطية قيمتها بالكامل قبل إصدارها، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، كلها عوامل رفعت تكلفة الاستيراد.
وأضاف ناصف للجزيرة نت أن نقص وقود الديزل رفع تكاليف النقل الداخلي، في حين أسهم اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية وضعف المنافسة في زيادة أسعار السلع، مؤكدا أن تبسيط إجراءات الاعتمادات، واستقرار سعر الصرف، وتعزيز المنافسة، تمثل خطوات أساسية للحد من ارتفاع الأسعار.
المواطن يدفع الفاتورة
وسط هذه الأرقام، تبقى انعكاسات ضعف إدارة الإنفاق حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، ويقول المواطن علي موسى إن جزءا كبيرا من يوم الليبيين بات يضيع في البحث عن الوقود أو انتظار عودة الكهرباء، في حين تتآكل القدرة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار.
وترى المواطنة هبة خليفة أن أزمة الكهرباء أصبحت المثال الأوضح على غياب أثر الإنفاق العام، مشيرة إلى أن الانقطاعات المتكررة تعطل الحياة والعمل، وأن أي تحسن لا يلبث أن يتراجع مجددا.
أما المواطنة نجاة عمر فترى أن الأزمة لا تقتصر على الكهرباء، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية، مؤكدة أنها لا تلمس تحسنا حقيقيا في القطاعين الصحي والتعليمي، وأن مشروعات الطرق والجسور تكاد تكون الإنجاز الوحيد الظاهر.
وتقول للجزيرة نت إن الرعاية الصحية أصبحت أحد أكبر الأعباء على الأسر، إذ قد تتجاوز تكلفة الكشف الطبي والتحاليل والعلاج 600 إلى 700 دينار (94 دولارا إلى 110 دولارات)، وهو مبلغ يمثل أكثر من نصف دخل كثير من أصحاب الدخل المتوسط أو المستفيدين من معاشات الضمان الاجتماعي، مشيرة إلى أن توفير ضمان صحي فعّال وضمان وصول الدواء للمواطن يجب أن يكونا من أولويات الدولة.
الرعاية الصحية أصبحت أحد أكبر الأعباء على الأسر في ليبيا مع وصول تكلفة الكشف الطبي والتحاليل إلى ما يعادل نحو 110 دولارات
الرعاية الصحية أصبحت أحد أكبر الأعباء على الأسر في ليبيا مع وصول تكلفة الكشف الطبي والتحاليل إلى ما يعادل نحو 110 دولارات (الجزيرة)
ويرى الغويل أن تجاوز الأزمة يتطلب الانتقال من نموذج تمويل المؤسسات إلى تمويل النتائج عبر ميزانية موحدة، وربط كل إنفاق بمؤشرات أداء واضحة، ونشر العقود ونسب الإنجاز، وتوجيه الوفورات الناتجة عن إصلاح الدعم إلى تحسين الخدمات الأساسية.
ويؤكد أن ذلك يجب أن يترافق مع تعزيز الشفافية، وإخضاع الأسواق المرتبطة بالإنفاق العام لقواعد المنافسة، وتفعيل الأجهزة الرقابية، حتى لا تتحول إعادة توجيه الإنفاق إلى فرصة لخلق احتكارات جديدة.
وبينما تواصل ليبيا إنفاق مليارات الدولارات على الدعم والطاقة، وتعتمد على الخارج لتغطية معظم احتياجاتها من الوقود والغذاء، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكمن الأزمة في نقص الموارد أم في غياب الحوكمة التي تحوّل هذه الموارد إلى خدمات يشعر بها المواطن؟
اجمالي القراءات
16