عشائر العراق... أعرافٌ فوق القانون
تكرّس التسويات العشائرية في العراق ازدواجية خطيرة بين العُرف والقانون. وبينما يبرّر البعض مسار الصّلح بضرورة حفظ الدماء وتهدئة النفوس، يحذّر حقوقيون من استمرار تقويض العدالة وتعزيز مبدأ الإفلات من العقاب، ما يشجّع على تكرار الجرائم.
في بلدٍ ما تزال تمثّل فيه العشيرة أحد أهم أطر التنظيم الاجتماعي، يتصاعد الجدل في العراق بشأن حدود الدور العشائري وتأثيره في مسار العدالة الجنائية، إذ بينما ينظر كثيرون إلى العشيرة بوصفها صمام أمان اجتماعياً ووسيلة سريعة لاحتواء النزاعات، يرى آخرون أن توسع نفوذ "التسويات العشائرية" بات يتقدم على الردع القانوني، ويقيّد سلطة القضاء، ويمنح الجناة مسارات التفاف تُقلّص من هيبة القانون.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت حالات متعدّدة تدخلت فيها المجالس العشائرية قبل أن تصل القضايا إلى المحاكم، أو بالتوازي مع سير التحقيقات، ما أدى في بعض الأحيان الى إبرام "محاضر عشائرية" تنتهي بتنازل ذوي الضحية، أو بتخفيف الأحكام القانونية، أو بإطلاق سراح متّهمين بعد اتفاقات مالية واجتماعية. ويؤكد مراقبون أنّ هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المحافظات ذات الطابع العشائري جنوبي البلاد، إذ تتداخل الأعراف مع مؤسّسات الدولة في إدارة النزاعات.
وتتراوح القضايا التي تخضع للتسويات العشائرية بين جرائم القتل العمد والقتل الخطأ، مروراً بملفات الابتزاز والاعتداء، وصولاً إلى نزاعات مالية وتجارية. ورغم اختلاف طبيعة هذه الجرائم، إلّا أنّ آلية التعامل معها تتشابه؛ وفود عشائرية، ديات مالية، تعهدات مكتوبة، وضغوط اجتماعية تُمارس على الضحايا وذويهم لقبول التسوية "حفاظاً على السلم الأهلي".
وفي حديث لـ"العربي الجديد"، يروي أحد أقارب ضحية جريمة قتل عمداً في إحدى مدن جنوبي العراق أنّ "عائلة الضحية، كانت تميل إلى المضي بالقضية قضائياً، لكن الضغط العشائري كان أكبر من قدرتنا على الرفض"، مبيّناً أن شيوخ العشيرتَين اعتبروا استمرار الدعوى "تصعيداً غير مرغوب فيه، وأُجبرنا على توقيع محضر صُلح مقابل الفصل العشائري (الدية)، ما أسهم لاحقاً في تخفيف الحكم على الجاني"، ويضيف: "شعر ذوو الضحية بأنّهم مسلوبو الإرادة، وأنّ حقهم القانوني اختُزل في اتفاق عشائري".
الصورة
يُتّخذ الصلح العشائري سبباً لتخفيف العقوبة، بغداد، 6 يونيو 2022 (مرتضى السوداني/الأناضول)
يُتّخذ الصلح العشائري سبباً لتخفيف العقوبة، بغداد، 6 يونيو 2022 (مرتضى السوداني/الأناضول)
وفي حالةٍ أخرى تتعلق بشجارٍ تطوّر إلى تسجيل إصابات، يقول مهند علي من أهالي بغداد إنّ عائلته "قبلت بالتسوية العشائرية بدل تقديم شكوى رسمية، وتعقيدات الإجراءات"، كاشفاً لـ"العربي الجديد" أنّه "بموجب الاتفاق والفصل العشائري لم تُسجّل القضية رسمياً في المحاكم، ولم يخضع المُعتدي لعقوبة رادعة".
وفي السياق، يرى قانونيون أنّ المشكلة لا تكمن في وجود العشيرة بحدّ ذاتها، بل في منح تسوياتها أثراً عملياً داخل المنظومة القضائية. ويوضح أستاذ القانون الجنائي في إحدى الجامعات العراقية مثنى الهيتي لـ"العربي الجديد" أنّ "بعض القضاة يأخذون بعين الاعتبار التنازل الشخصي أو الصُّلح العشائري بوصفه سبباً مخفّفاً للعقوبة في بعض الجرائم، خصوصاً تلك التي تتعلق بالحقّ الشخصي، لكن الإشكال يظهر حين تمتد هذه الاعتبارات إلى جرائم تمسّ الحق العام"، ويشدّد على أن "الردع العام يفقد معناه إذا شعر الجاني أن بإمكانه الاحتماء بعشيرته لتقليل تبعات جريمته"، مضيفاً أن "استقلال القضاء يتأثر حين يصبح الصُّلح العشائري مساراً مُوازياً يُنتظر إنجازه قبل حسم الملف قضائياً"، مؤكداً أن "القانون يجب أن يكون المرجعية العليا، وأن أيّ تسوية اجتماعية ينبغي ألّا تتجاوز حدوده أو تُقيّد سلطته".
في المقابل، يدافع وجهاء عشائريون عن دورهم، معتبرين أنّ العشيرة تُسهم في منع تفاقم النزاعات والثأر، وتختصر سنوات من التقاضي. ويقول الشيخ حسن اللامي، وهو أحد شيوخ محافظة ميسان (جنوب شرق)، إنّ "التدخل العشائري يهدف إلى حفظ الدماء وتهدئة النفوس"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أنّ "عائلاتٍ كثيرة تفضّل الحلول السريعة التي تُعيد الاستقرار بدل انتظار أحكام قد تتأخر لسنواتٍ"، ويرى أنّ "العشيرة لا تُلغي القانون، بل تُكمله عبر معالجة البُعد الاجتماعي للنزاع".غير أنّ منتقدي الظاهرة يعتقدون أن هذا الطرح يغفل أثر القضاء. ويؤكد الناشط في مجال حقوق الإنسان أيهم اللهيبي أنّ "الجُناة باتوا ينظرون إلى العشيرة بوصفها مظلة حماية، يمكن اللجوء إليها بعد ارتكاب الجريمة"، مبيّناً لـ"العربي الجديد" أنّ "غياب الردع القانوني الصارم يخلق بيئة يشعر فيها المجرم بإمكانية الإفلات من العقاب عبر تسوية مالية أو اجتماعية، ما يشجّع على تكرار الجرائم"، ويشير اللهيبي إلى أنّ "آلاف الحالات غير المُعلنة تجري تسويتها عشائرياً سنوياً، من دون أن تمرّ بالإجراءات القضائية الكاملة، ما يُضعف الثقة بالمؤسّسات الرسمية، ويعزّز فكرة أن العدالة يمكن التفاوض عليها"، ويحذّر من أنّ "الأخطر هو الضغط الذي يُمارَس أحياناً على الضحايا وذويهم، إذ يجدون أنفسهم إمّا بمواجهة عشيرتهم وبيئتهم الاجتماعية، أو الاضطرار للتنازل عن حقهم القانوني".
ويعود العُرف العشائري إلى البنية الاجتماعية في العراق، إذ لعبت العشيرة تاريخياً دوراً في فضّ النزاعات وتنظيم العلاقات. ومع تراجع سلطة الأجهزة الأمنية والدولة عامّة بعد العام 2003، تعزّز حضور العشائر بوصفها شبكة أمان بديلة، إلّا أنّ استمرار هذا الدور بالتوازي مع بناء مؤسّسات قضائية حديثة خلق حالة ازدواجية بين منطق العُرف ومنطق القانون، ويكمن التحدي في رسم خط فاصل واضح بين سلطتَي العشيرة والقانون؛ فالعشيرة يمكن أن تمارس دوراً اجتماعياً داعماً، لكن من دون أن تحلّ محلّ القضاء أو تؤثر في مسار الدعوى الجزائية، خصوصاً في الجرائم الخطيرة.
ولا يقتصر أثر التسويات العشائرية في العراق على أطراف النزاع وحدهم، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، إذ حين يشعر الأفراد بأن العقوبة قابلة للتفاوض، تتآكل هيبة القانون تدريجياً، وتضعف الثقة بمبدأ المساواة أمام القضاء، فيما يرى المجرمون في العشيرة حصناً اجتماعياً، وسلطة مُوازية تقوّض العدالة.
اجمالي القراءات
28