صراع الكفاءات: كيف استغلت كندا قيود ترامب ورسوم الـ 100 ألف دولار لجذب عباقرة التكنولوجيا؟

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ١٢ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: وطن


صراع الكفاءات: كيف استغلت كندا قيود ترامب ورسوم الـ 100 ألف دولار لجذب عباقرة التكنولوجيا؟

وطن-في خطوة قد تعيد رسم خريطة استقطاب الكفاءات العالمية، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سبتمبر 2025 إعلاناً رئاسياً فرض قيوداً جديدة على دخول بعض العمال الأجانب إلى الولايات المتحدة، وعلى رأسهم المتقدمون للحصول على تأشيرة «إتش-1 بي»، التي تُعد من أهم المسارات القانونية لاستقطاب المهنيين المهرة في قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي والرعاية الصحية.

وبحسب ما أوردته منصة «فيرست بورت»، تضمّن القرار رسوماً جديدة تصل إلى 100 ألف دولار على بعض طلبات التأشيرة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية والتكنولوجية، بسبب تأثيرها المحتمل على قدرة الشركات الأميركية على جذب الكفاءات الدولية.

وتُستخدم تأشيرة «إتش-1 بي» منذ سنوات لاستقطاب مهندسين ومبرمجين وباحثين ومتخصصين من مختلف دول العالم للعمل داخل الشركات الأميركية الكبرى، خصوصاً في وادي السيليكون وقطاع التكنولوجيا المتقدمة. لكن الرسوم الجديدة قد تجعل تكلفة توظيف العمال الأجانب مرتفعة للغاية بالنسبة لكثير من الشركات، ما يدفعها إلى تقليص الاعتماد على المواهب الدولية أو البحث عن بدائل خارج الولايات المتحدة.

ويرى مؤيدو القرار أن الخطوة تهدف إلى حماية العمال الأميركيين وتقليل المنافسة مع الموظفين الأجانب في الوظائف ذات الطلب المرتفع، بينما يحذر منتقدون من أن القيود الجديدة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية عبر دفع العقول والكفاءات العالمية نحو دول أخرى أكثر مرونة.

وفي هذا السياق، برزت كندا سريعاً كأحد أبرز المستفيدين المحتملين من التحول الأميركي. فبعد أيام من إعلان ترامب، بدأت أوتاوا الترويج لنفسها باعتبارها بديلاً جذاباً للمهنيين الذين قد يجدون صعوبة في دخول السوق الأميركية تحت الشروط الجديدة.

وقالت منصة «فيرست بورت» إن كندا لا تسعى فقط إلى استقطاب الأفراد، بل إلى جذب استثمارات وشركات ومليارات الدولارات التي كانت تتدفق سابقاً إلى الاقتصاد الأميركي عبر قطاع التكنولوجيا والعمالة الماهرة.

ويأتي هذا التحرك الكندي في وقت تشير فيه بيانات اقتصادية إلى تراجع بعض التدفقات المالية والسياحية بين الولايات المتحدة وكندا. فقد أظهرت بيانات يناير 2026 انخفاض أعداد العائدين إلى كندا من الولايات المتحدة بنسبة 22% على أساس سنوي، مع اتساع دعوات داخلية لتقليل الاعتماد الاقتصادي والسياحي على السوق الأميركية.

وتقدّر تقارير اقتصادية أن إحجام الكنديين عن السفر إلى الولايات المتحدة قد يضيف نحو 4.4 مليار دولار إلى الاقتصاد الكندي بين عامي 2025 و2027، عبر زيادة الإنفاق المحلي والسياحة الداخلية.

لماذا شددت واشنطن شروط التأشيرة؟
تقول الإدارة الأميركية إن الرسوم الجديدة تستهدف إعطاء أولوية أكبر للعمال الأميركيين، خصوصاً في القطاعات التي تشهد منافسة شديدة على الوظائف. ويعتقد بعض صناع القرار في واشنطن أن برنامج «إتش-1 بي» تحول خلال السنوات الماضية إلى أداة تسمح للشركات بتوظيف عمال أجانب برواتب أقل مقارنة ببعض العمال المحليين.

ونقلت «فيرست بورت» عن السيناتور الأميركي إريك شميت قوله إن برنامج التأشيرات «أضر بالعمال الأميركيين وأصبح قضية تمس الأمن القومي»، داعياً إلى وقف ما وصفه بـ«إغراق السوق» بعشرات آلاف العمال الأجانب.

ومن الناحية العملية، يتوقع خبراء أن تدفع الرسوم الجديدة الشركات الأميركية إلى التركيز فقط على أصحاب الخبرات العالية جداً والرواتب المرتفعة، بدلاً من استقدام موظفين شباب أو حديثي التخرج، وهو ما قد يغير طبيعة سوق العمل في قطاع التكنولوجيا الأميركي.

لكن في المقابل، تشير دراسات اقتصادية إلى أن العمال الأجانب لا يمثلون مجرد منافسين وظيفيين، بل يساهمون بشكل كبير في الاقتصاد الأميركي من خلال الضرائب والإنفاق المحلي واستئجار وشراء المساكن ودعم قطاعات الخدمات والابتكار.

كندا تفتح الباب أمام الكفاءات العالمية
في المقابل، تحركت كندا بسرعة لاستغلال الفرصة. فقد أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ترى في القيود الأميركية الجديدة فرصة لجذب المهنيين المهرة الذين كانوا يخططون للعمل في الولايات المتحدة.

وقال كارني إن كثيراً من هؤلاء ينشطون في قطاع التكنولوجيا والابتكار، مؤكداً أن كندا تعمل على تقديم «عرض واضح» لجذبهم إلى السوق الكندية.

وبحسب «فيرست بورت»، أطلقت أوتاوا بالفعل مسار هجرة سريعاً يستهدف حاملي تأشيرات «إتش-1 بي» الحاليين أو السابقين، مع تركيز خاص على قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي والرعاية الصحية.

ويتميّز البرنامج الكندي بأنه لا يقتصر على تصاريح العمل المؤقتة، بل يمنح طريقاً أسرع نحو الإقامة الدائمة، وهو عامل يجذب كثيراً من المهنيين الذين يبحثون عن استقرار طويل الأمد لعائلاتهم ومستقبلهم المهني.

كما أعلنت الحكومة الكندية تخصيص تمويل بقيمة 1.7 مليار دولار كندي لدعم استقطاب الباحثين والمهنيين الدوليين، مع خطط لاستقبال أكثر من ألف باحث متخصص ضمن البرنامج الجديد.

فارق ضخم في التكلفة والمرونة
أحد أبرز عوامل الجذب الكندية يتمثل في الفارق الكبير في التكلفة. فبينما قد تصل الرسوم الجديدة لبعض طلبات التأشيرة الأميركية إلى 100 ألف دولار أميركي، تبلغ رسوم برامج الإقامة السريعة في كندا نحو 2500 دولار كندي فقط.

ولا يقتصر الفارق على المال، بل يشمل أيضاً مرونة النظام. ففي الولايات المتحدة يرتبط العامل غالباً بالشركة الراعية للتأشيرة، بينما يمنح النظام الكندي حرية أكبر في تغيير الوظائف والتنقل داخل سوق العمل.

ويرى مراقبون أن كندا تراهن على تراجع صورة الولايات المتحدة كوجهة مفتوحة للمواهب العالمية، في وقت تحاول فيه تقديم نفسها كبيئة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ بالنسبة للمهنيين الأجانب.

وفي حال نجحت أوتاوا في تحويل هذه السياسات إلى نتائج فعلية، فقد تصبح من أكبر المستفيدين من تشديد القيود الأميركية على العمالة الماهرة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي.

وبينما تقول واشنطن إنها تحاول حماية سوق العمل المحلي، يحذر اقتصاديون من أن التضييق على الكفاءات الدولية قد يدفع الشركات والمواهب إلى نقل استثماراته
اجمالي القراءات 30
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق