لماذا لا تُهزم "القاعدة" في مالي ولا تنتصر؟

اضيف الخبر في يوم السبت ٠٩ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


لماذا لا تُهزم "القاعدة" في مالي ولا تنتصر؟

عندما خرج الجنود الفرنسيون من مالي بعد عملية عسكرية استمرت بين عامي 2013 و2022، حصلوا على نياشين ومكافآت مالية وتركوا للماليين فوضى أكبر من تلك التي يقولون إنهم ذهبوا لإنهائها.

فقد قادت فرنسا 5 عمليات عسكرية لمساعدة الحكومة على مواجهة الجماعات المسلحة التي زادت قوة وتمكنت مؤخرا من السيطرة على مدن مهمة في شمال البلاد، بالتحالف مع الطوارق الذين يريدون الاستقلال بهذه المنطقة.ومنذ سنوات طويلة، تعيش مالي الواقعة في قلب منطقة الساحل الأفريقي على وقع مواجهات بين الحكومة ومناوئيها، والتي كان آخرها ما وقع فجر 25 أبريل/نيسان الماضي، عندما هاجمت جماعات مسلحة قواعد عسكرية إستراتيجية ومدنا مهمة بينها العاصمة باماكو، وحققت تقدما كبيرا على حساب الجيش.
مقالات متعلقة :


وكشف الهجوم عن نقلة نوعية في الصراع على السلطة بين المجلس العسكري من جهة وهذه الجماعات من جهة أخرى، والذي لا يبدو المستعمر التاريخي -فرنسا- بعيدا عنه.

فالهجوم الذي شنته ما تعرف بـجبهة تحرير أزواد التابعة لقبلية الطوارق بالتعاون مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة، لم يكن واحدا من الهجمات العابرة الكثيرة التي تشهدها البلاد بين وقت وآخر، وإنما كان قفزة مفاجئة في شكل الصراع، حسب فيلم "مالي.. الرمال المتحركة"، الذي أنتجته قناة الجزيرة.

عناصر من الحرس الوطني المالي في ساحة الاستقلال في باماكو في 25 مايو/أيار 2021 (الفرنسية-أرشيف)
مسؤولية فرنسا
لذلك، يقول فهد آل المحمود، الأمين العام السابق لمجموعة الدفاع الذاتي بطوارق "إمغاد" والحلفاء، إن فرنسا هي المسؤولة عن تدهور الوضع وليس الرئيس أسيمي غويتا.

كما قال رئيس الوزراء المالي السابق شوغيل مايغا إن العمليات التي قادتها فرنسا لم تقض على الإرهاب ولا ساعدت الحكومة في بسط سيطرتها على البلاد، بينما قرى بأكملها تباد على يد المسلحين.

فالمهم ليس في من سيساعد الحكومة للقضاء على الإرهاب، سواء كانوا الروس أو الفرنسيين، وإنما في تحقيق الهدف، برأي مايغا، الذي قال إن مالي حاولت شراء أسلحة من أوروبا والولايات المتحدة لحماية شعبها، لكن فرنسا عرقلت هذه الصفقات، وهو ما دفع باماكو لطلب العون ممن لا يستطيع الفرنسيون تعطيله، في إشارة إلى روسيا.

قوات فرنسية تشارك في مواجهات صد المسلحين المناوئين للحكومة في مالي (الأوروبية-أرشيف)
ففي إطار سعيها للتخلص من الوصاية الفرنسية، استعانت مالي عام 2022، بروسيا التي زودتها بأسلحة وخبراء، ونشرت نحو ألف من مقاتلي فاغنر لتخوض معارك طاحنة ضد المسلحين المناوئين للحكومة، والذين استعادوا السيطرة على العديد من مدن الشمال نهاية الشهر الماضي.

وبسبب هذا التقدم النوعي للمسلحين التابعين لتنظيم القاعدة وحلفائهم من الطوارق، أعاد الماليون توجيه الاتهامات لفرنسا بالتوفيق بين هذين الفصيلين ودعمهما عسكريا.

ولفهم هذا الوضع المعقد، يعود فيلم "مالي.. الرمال المتحركة"، إلى ظهور الجماعة التابعة للقاعدة في مالي وصولا إلى سيطرتها على شمالي البلاد عام 2012، مما استدعى طلب تدخل الفرنسيين لصدهم.

مجموعة من مقاتلي أنصار الدين في تمبكتو شمال مالي عندما كان تنظيم القاعدة يسيطر عليها - أسوشيتدبرس - مجلة الجزيرة
مجموعة من مقاتلي أنصار الدين في تمبكتو شمالي مالي عندما كان تنظيم القاعدة يسيطر عليها (أسوشيتد برس)
حرب غير مرئية
على بعد 600 كيلومتر شمال العاصمة باماكو، تقع مدينة موبتي التي تمثل الهدف الأول على طريق تحرير البلاد من المسلحين، وفيها خاض الجيش المالي مدعوما بعناصر روسية مواجهة ضد الجماعات المسلحة بعيدا عن الكاميرات.

فمنذ عام 2013، يسيطر مسلحو القاعدة على ضفة نهر النيجر، ويخلقون حالة اضطراب أمني كبير يؤثر على حياة السكان وتجارتهم القائمة على بيع الأسماك للعاصمة وما يجاورها من المدن.

فقد ازدهرت الجماعات المسلحة تحت مظلة الصراعات الكبيرة التي دارت بين الفلاحين ومربي الماشية (الفولانيون)، الذين خسروا الكثير من قادتهم وزعمائهم وقطعان ماشيتهم خلال المواجهات.

وتاريخيا، توزع الفولانيون على مساحات واسعة تغطي غرب أفريقيا وخاضوا حروبا في القرن 19، وسيطروا على أقاليم شاسعة، لكنهم خسروا كثيرا من قادتهم وماشيتهم في حربهم مع الفلاحين، كما يقول الرئيس السابق للجمعية الوطنية في مالي علي ديالو.

مقاتلون طوارق تابعون لتنسيق حركات أزواد بالقرب من كيدال، شمالي مالي (الفرنسية-أرشيف)
وحسب ما قاله هاما سيسيه، وهو إمام أحد المساجد، فقد استفاد المسلحون من سوء إدارة الحكومة للسلطة ونهبها للأموال وتنكيلها بالفولانيين، فأقنعوا الأخيرين بالانضمام لهم بقولهم: "إن لم تدافعوا عن دينكم، فدافعوا عن أنفسكم على الأقل".

ومنذ عام 2015، تزايدت أعداد شباب الفولانيين المنضمين لكتيبة ماسينا، التابعة للقاعدة، فشكلوا تهديدا لجيرانهم من "الدوغون"، وهم من المزارعين والصيادين، والذين سارعوا بدورهم للتسلح بمباركة من الحكومة.

وهكذا تحولت أخاديد ومرتفعات بلاد الدوغون التي يؤمها السياح إلى مسرح مواجهات خلفت وضعا إنسانيا كارثيا على الفارين من الجانبين، والذين افترشوا العراء بعدما خسروا كل شيء تقريبا.
وبسبب هذه المعارك، خسر الدوغون كثيرا من الرجال وقطعان الماشية ونزح كثيرون هربا من الموت، كما يقول المتحدث باسم ميليشيا الدوغون مارسلون غينغيريه.نفوذ القاعدة
إذ إياد آغ غالي، زعيم الجماعة المسلحة التابعة للقاعدة ليس أجنبيا، وإنما من شمال مالي، وهو الذي يحتجز الرهائن ويتفاوض بشأنهم، ولديه شبكات في كل مكان، ويحظى بمكانة وسط من يقاتلون الحكومة. فقد كان زعيم تمرد عام 1990، ثم انحاز بعدها للسلطة قبل أن يتزعم فرع "القاعدة" في مالي عام 2012.

ولم يعد رفاق آغ غالي القدامى معه في المعسكر نفسه لكنهم لا يزالون يكنون له احتراما، ويرون أنه "يقاتل إلى جانبهم لنيل استقلالهم"، حسب وصف الأمين العام للحركة العربية الأزوادية إبراهيم ولد هاندا.

فخلال الإدلاء بشهادته قال ولد هاندا "إياد (آغ غالي) واحد منا ولن نتخلى عنه لأنه قاتل إلى جوارنا من أجل استقلال الشمال، وهم (مقاتلو القاعدة) يساعدوننا اليوم في سعينا للتحرر كما فعلت (حركة) طالبان".

وفي عام 2012، فرض آغ غالي قانونه على شمال البلاد واختار تمبكتو عاصمة له. وهي مدينة عرفت منذ العصور الوسطى بأنها قبلة المعرفة الإسلامية كونها تقع على مفترق طرق بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء.
ومع ندرة مياهها ومواردها الطبيعية، كان بيع المخطوطات الإسلامية واحدا من أهم مصادر دخلها، كما يقول رئيس بعثتها الثقافية بخاري بن السيوطي.

ومع سيطرة "القاعدة" على المدينة في أبريل/نيسان 2012، بعد رحيل الجنود الحكوميين وقادتهم وعوائلهم على عجل قبل يوم واحد من وصول مقاتلي آغ غالي الذين يقول بن السيوطي، إنهم "قتلوا عددا كبيرا من السكان داخل بيوتهم وأحدثوا دمارا هائلا".

وبقي المقاتلون يسيطرون على المدينة حتى وصلت القوات الفرنسية بعد 9 أشهر. وبعد 10 سنوات، وصلت الجزيرة للمدينة برفقة قوات الأمن المالية التي أكدت لهم أن القاعدة لا تزال تشكل تهديدا ولا تزال تسيطر على الصحراء المحيطة.

فقد طلبت مالي من فرنسا توفير غطاء جوي ودعم استخباراتي لكي يتمكن الجنود من مواجهة المسلحين، وقد احترم الفرنسيون هذا الاتفاق في مدن غاو وتمبكتو وكونا، لكنهم لم يحترموه في شمال البلاد، كما يقول رئيس الوزراء السابق مايغا.

وخلال تواجدهم، أنشأ الفرنسيون جيبا في شمال البلاد، ومنعوا الجيش المالي من عبوره لمدة عامين، حسب مايغا، الذي قال إن مسلحي القاعدة كانوا يتدربون في ذلك الجيب خلال هذه الفترة.

فعلى الرغم من كل العمليات التي قادتها فرنسا في مالي لم يُقض على "الإرهاب"، بل زاد انقسام الماليين، ولم تتمكن الحكومة من بسط سيطرتها على الشمال الممتد من نهر النيجر إلى حدود الجزائر، والذي يطالب الطوارق به كمنطقة مستقلة ويسمونها أزواد، بل وأعلنوا استقلالهم به عام 2012.

وبمساعدة الفيلق الأفريقي الروسي، شنت الحكومة عام 2022 عملية عنيفة ضد المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة، الذين استغلوا استياء سكان موبتي من الدولة، لتعزيز نفوذهم، وحققوا تقدما كبيرا في عدد من المدن أواخر أبريل/نيسان الماضي بمساعدة الطوارق.

لكن كبار السن في مالي يحذرون الحكام العسكريين لأنهم لا يزالون يتذكرون ما عاشوه في ظل حكم الجنرالات حتى عام 1990، ومن هؤلاء وزير الخارجية المالي السابق تيبيلي دراميه، الذي يقول إنه عاش في ظل الأنظمة العسكرية ودفع ثمنا غاليا لنضاله من أجل الديمقراطية، ومع ذلك يعتقد أن القطيعة الكاملة مع فرنسا "ليست إلا نوعا من القفز نحو المجهول".
اجمالي القراءات 11
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق