تفاقم التلوث في نهر دجلة يؤثر على حياة العراقيين
يتعقد مشهد الأزمة البيئية في العراق، مع زيادة تلوث نهر دجلة بسبب كثرة مصادر تلويثه، في حالة باتت واضحة بشكلٍ كبير عند العراقيين وتحديداً أهالي العاصمة بغداد، الذين ينظرون إلى دجلة بوصفه نهراً يمثل ذكرياتهم وشريان الحياة في العاصمة العراقية. وتشير تصريحات حديثة لنواب ومسؤولين عن زيادة غير مسبوقة في ملوثات النهر، إلى جانب تصريف ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي في النهر، لا تتراجع مصادر تلويث النهر من بعض المنشآت والمعامل وحتى المستشفيات.
وكشف عضو البرلمان العراقي يوسف الكلابي، وجود "نحو 24 منفذاً ومكباً ملوثاً تصب في نهر دجلة عبر مجاري العاصمة، فيما يعد نهر ديالى من أكثر المصادر تلوثاً نتيجة تصريف المياه الثقيلة والنفايات السائلة والصلبة إليه، وأن هذه الملوثات تنتقل إلى دجلة عند ارتفاع مناسيب المياه، ما يفاقم الأزمة على نطاق أوسع"، داعياً في تصريحات صحافية، إلى "إعلان حالة طوارئ مائية بشكل رسمي"، مضيفاً في تصريحات أوردتها صحيفة عراقية أمس الثلاثاء، أن "البرلمان العراقي يتابع عدداً من الحلول المقترحة، من بينها مشروع العطارية الممتد لمسافة 49 كيلومتراً من بغداد باتجاه منطقة العطارية، الذي كان قد بدأ العمل به قبل عام 2003 لكنه توقف نتيجة عمليات السرقة والتخريب، الأمر الذي أدى إلى عودة تصريف مياه الصرف الصحي إلى الأنهار بشكل مباشر"، مؤكداً وجود "دعم رسمي لمعالجة أزمة التلوث وحماية الموارد المائية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الأزمة البيئية إلى تهديد استراتيجي للأمن الصحي والمائي في البلاد".
تلوث نهر دجلة بمواد عضوية خطرة
وفي وقت سابق أطلق مرصد العراق الأخضر، وهو مرصد بيئي عراقي، تحذيراً بيئياً وصحياً خطيراً، يخص نهر دجلة بعد الكشف عن احتواء مياهه على مواد عضوية خطرة جداً، تشكل تهديداً مباشراً لصحة ملايين الأهالي في بغداد ومحافظات واسط وميسان والبصرة، التي تعتمد على مياه النهر بشكل أساسي في الحياة اليومية. وذكر المرصد في بيان، أن "نهر دجلة الذي يحتوي على ملوثات عضوية خطرة جداً، صناعية وزراعية، أبرزها ثنائي الفينيل متعدد الكلور، والفثالات (DEHP)، والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وأن هذه المواد تسبب أضراراً صحية جسيمة تشمل السرطان، واضطرابات الغدد الصماء، وتلف الكبد والكلى، فضلاً عن تلوث النظام البيئي، كما يصعب تصفيتها أو التخلص منها عبر محطات المعالجة"، مضيفاً أن "مياه هذا النهر باتت ملوثة جداً، إذ يبدأ التلوث من العاصمة ويصل إلى باقي المحافظات الأخرى التي تسهم في رفع نسب التلوث فيه، لكن بمستويات أقل"، مبيناً أن "هذا التلوث يؤثر بشكل كبير على صحة الإنسان وبقية الكائنات الحية".
كما كشف المرصد، أن "إحدى الوزارات أصدرت تقريراً لتقييم مستوى جودة المياه في العاصمة بغداد، بتوجيه من جهات عليا، وبعد الانتهاء منه وتقديمه إليها، جرى التحفظ عليه، بعد أن أظهرت نتائجه وجود كوارث لا يمكن الإفصاح عنها في مياه نهر دجلة، الذي يُستخدم مصدراً رئيسياً للاستهلاك البشري اليومي. وهذا يعني أن هناك حاجة لحل هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن، بعد تحول مياه دجلة إلى مكب للنفايات".
وملف تلوث المياه في العراق ليس جديداً، فقد شهدت السنوات الماضية موجات متكررة من التلوث، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، حيث سجلت حالات تسمم جماعي واحتجاجات شعبية بسبب تردي نوعية المياه. وترجع أزمة التلوث إلى غياب البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي في البلاد، إذ تعمل العديد من المدن العراقية من دون محطات معالجة فعالة، ما يدفعها إلى تصريف المياه مباشرة في الأنهار، ويضاف إلى ذلك ضعف الرقابة على المنشآت الصناعية، وغياب التشريعات الرادعة أو عدم تطبيقها.من جهته، قال الناشط البيئي، حميد العراقي، إن "التلوث في نهر دجلة أعلى بكثير من تلوث نهر الفرات، خصوصاً أن دجلة يمر بعدد من المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية من جهة، ووجود المعامل الأهلية والخاصة التي تتخلص من نفاياتها برميها في النهر، ويحدث هذا في ظل تراجع حقيقي في منسوب المياه"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "تلوث المياه في العراق يزداد كلما اتجهنا نحو مدن جنوب العراق، ويبلغ ذروته في البصرة، حيث تزداد الملوثات بسبب الشركات النفطية والغازية التي تترك آثاراً بيئية سلبية على المياه في نهري دجلة والفرات وصولاً إلى شط العرب".
وأشارت الناشطة البيئية العراقية آية القيسي إلى أن "تفاقم التلوث في نهر دجلة لا بد ألا يبقى حديثاً إعلامياً، وأن تبدأ السلطات باتخاذ خطوات عملية جادة لإنهاء الأزمة التي أخذت تؤثر بشكلٍ مباشر على حياة العراقيين، خصوصاً أن هذا التلوث يؤدي إلى انتشار أمراض معوية وجلدية"، مبينة في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "ملف تلوث دجلة معقد، وموجات التلوث في دجلة تزداد من دون أي تحرك حكومي وفعلي وبالأخص من قبل أمانة العاصمة بغداد، وأن ما نلاحظه أن جهود الحكومة ليست أكثر من تحذيرات، من دون أي إجراء حقيقي وفعلي وملموس".
اجمالي القراءات
22