الأمريكيون يدفعون ثمن حرب إيران.. وتحذيرات من آثار اقتصادية أكبر قادمة
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريرًا يسلط الضوء على امتداد تداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران لتترك آثارًا اقتصادية ملموسة على الداخل الأمريكي والعالم بأسره.
وبينما يحاول المسؤولون طمأنة الأسواق بأن الأزمة قد تنتهي قريبًا، تكشف المؤشرات المبكرة عن موجة ارتفاع في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وعن اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي ينذر بمرحلة أكثر صعوبة إذا طال أمد الصراع.
وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الأميركيين يشعرون بالفعل بوطأة الحرب مع إيران، وسط مؤشرات على أن الأسوأ قد يكون في الطريق. فقد أعلنت شركة "أمازون" عن إضافة رسوم إضافية على الوقود في خدماتها للتجارة الإلكترونية، فيما ارتفعت معدلات الرهن العقاري إلى أعلى مستوى لها منذ سبعة أشهر، ويُتوقع أن يواجه المستهلكون قريبًا زيادات في أسعار المشروبات الغازية والمنظفات.
وتمثل هذه التطورات إشارات أولية على تأثير الحرب في الاقتصاد الأميركي. وحتى الآن، تبدو تكاليف الحملة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل محدودة نسبيًا مقارنة بالفوضى الاقتصادية التي تضرب آسيا، بينما يواصل الاقتصاد الأميركي تحقيق نمو قوي؛ إذ أعلنت وزارة العمل أن أصحاب الأعمال أضافوا 178 ألف وظيفة جديدة في مارس/آذار. لكن ارتفاع أسعار الطاقة والفوائد ونقص الإمدادات قد يكون بمثابة إنذار مبكر لعاصفة اقتصادية قادمة.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "إبسوس" في 31 أذار/ مارس، فإن 56 بالمائة من الأميركيين يتوقعون أن يكون للحرب أثر سلبي على أوضاعهم المالية الشخصية. وإذا استمر الصراع في الشرق الأوسط عدة أشهر إضافية، فمن المرجح أن تمتد موجة ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل التوريد من آسيا وأوروبا لتصل إلى الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في الوقت الذي يلمّح فيه الرئيس دونالد ترامب إلى أن الحرب قد تنتهي قريبًا، تكشف التطورات الميدانية عن مخاطر تصعيد قد يطيل أمد القتال. فقد أُعلن عن فقدان طاقم طائرة أميركية من طراز إف 15 بعد إسقاطها بنيران إيرانية، كما أعلنت الكويت أن صاروخًا إيرانيًا أصاب محطة لتحلية المياه.ويؤكد تقرير الوكالة الدولية للطاقة أن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية سنويًا، تمثل أكبر صدمة في تاريخ أسواق الطاقة.
وتشير تقديرات "بلومبرغ إيكونوميكس" إلى أن توقف التجارة البحرية لثلاثة أشهر قد يرفع أسعار النفط إلى 170 دولارًا للبرميل، فيما حذرت "أوكسفورد إيكونوميكس" من أن استمرار الحرب لستة أشهر سيدفع الاقتصاد العالمي إلى الركود.
وقد كلف إغلاق المضيق الاقتصاد العالمي بالفعل مئات الملايين من براميل النفط، مع ظهور الآثار بشكل متواصل يتوافق مع وقت السفر من الخليج العربي، وفقًا لمذكرة عملاء حديثة صادرة عن متخصصي السلع في جي بي مورغان.
وأوضحت الصحيفة أن الآثار بدأت تظهر أولًا في آسيا، حيث فرضت الحكومات إجراءات تقنين للطاقة، ومن المتوقع أن تواجه أوروبا نقصًا فعليًا بحلول منتصف نيسان/ أبريل. أما الولايات المتحدة، فستكون آخر المتضررين نظرًا لطول فترة وصول الشحنات من الخليج، لكن أسعار الوقود بدأت بالفعل بالارتفاع، مع 00ح؟ 9تجاوز سعر البنزين 4.09 دولار للغالون، واقتراب سعر الديزل من مستويات قياسية.
ولا تقتصر التداعيات على النفط والغاز، إذ يشمل الاضطراب سلعًا أساسية مثل الألومنيوم والهيليوم المستخدمين في صناعة أشباه الموصلات. كما يواجه المزارعون الأميركيون ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الأسمدة، فيما تتعرض الصناعات العالمية لنقص في المواد الأولية، ما يهدد بارتفاع أسعار معظم السلع الاستهلاكية.
ورغم أن الأسواق الأميركية أظهرت قدرة على الصمود مقارنة بالانهيارات في آسيا وأوروبا، فإن المخاوف تتزايد من أن استمرار الحرب سيترك أثرًا طويل الأمد على الاقتصاد العالمي والأميركي، خاصة مع استمرار إغلاق المضيق وتهديد البنية التحتية للطاقة في الخليج.
ويتحدث المسؤولون الحكوميون خارج الولايات المتحدة بلهجة تنذر بالخطر إزاء الأزمة المقبلة؛ فقد حذّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي مواطنيه من أن "الأشهر المقبلة قد لا تكون سهلة"، فيما أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن العالم يسير على "مسار متقلب". أما رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ فقال إن "الوضع خطير إلى درجة أنه يمنعني من النوم"، بينما أعلنت جزر مارشال حالة طوارئ وطنية لمدة 90 يومًا بسبب نقص الوقود.
وأضافت الصحيفة أن الأسواق المالية في آسيا وأوروبا تعرضت لخسائر كبيرة منذ اندلاع الحرب؛ إذ تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية بأكثر من 12 بالمائة، وخسر مؤشر جاكرتا 10 بالمائة، فيما هبطت بورصة مومباي بنسبة 9 بالمائة، أما الأسواق الأوروبية الرئيسية فقد فقدت نحو 8 بالمائة من قيمتها. وعلى الرغم من أن الخسائر في "وول ستريت" كانت أقل نسبيًا، حيث تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 4 بالمائة، فإن المستثمرين الأميركيين ما زالوا يتوقعون نموًا قويًا مدعومًا بالتشريعات الضريبية والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
لقد أظهر الاقتصاد الأميركي قدرة على الصمود في السنوات الأخيرة، متجاوزًا تداعيات جائحة كورونا، والتضخم المرتفع، وحروب أوكرانيا والشرق الأوسط، ورسوم ترامب الجمركية. وخلال السنوات الخمس الماضية، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 64 بالمائة. ويرى خبراء أن ثقة المستثمرين الحالية تعود إلى خبراتهم السابقة مع الأزمات الكبرى، ما يجعلهم أقل ميلًا إلى ردود فعل متسرعة.
ولا يُبدي الرئيس الأمريكي قلقًا كبيرًا من التكلفة الاقتصادية للحرب، مؤكدًا أن الاقتصاد قوي ويتحسن يومًا بعد يوم. لكن فاتورة الحرب التي يتحملها الأمريكيون آخذة في الارتفاع؛ إذ تجاوز سعر البنزين 4.09 دولاران للغالون، فيما ارتفع سعر الديزل إلى 5.53 دولارات، مقتربًا من المستوى القياسي الذي سُجل بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الارتفاع في أسعار الطاقة يثير مخاوف المستثمرين من زيادة التضخم، ما دفعهم للمطالبة بعوائد أعلى على السندات، وهو ما انعكس على ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات، وبالتالي ارتفاع معدلات الرهن العقاري إلى 6.46 .
ورغم إعلان ترامب أن البلاد "لا تعاني من تضخم"، فإن البيانات الحكومية تشير إلى ارتفاع الأسعار بنسبة 3.1 بالمائة، وهو أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمائة. ويتوقع خبراء أن يدفع الصراع في الخليج معدلات التضخم إلى مستويات أعلى، مع تقديرات "بنك أميركا" بوصولها إلى نحو 4 بالمائة خلال الأشهر المقبلة.
وأدى إغلاق المضيق أيضًا إلى نقص في المواد الأولية للصناعات البتروكيميائية في الهند والصين، ما يهدد بارتفاع أسعار منتجات أساسية مثل مستحضرات التجميل وقطع السيارات والدهانات والمنظفات ومواد الطيران.
وأضافت الصحيفة أن إغلاق المضيق أدى أيضًا إلى تعطيل مجمع "راس لفان" للغاز في قطر، وهو ما سيؤثر على إمدادات الهيليوم العالمية لسنوات، وهي مادة أساسية في صناعة أشباه الموصلات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويؤكد خبراء أن العودة إلى مستويات الإمداد السابقة للحرب ستستغرق وقتًا طويلًا، مع مخاوف من تفاقم الأوضاع إذا توسعت الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الخليج.
وختمت الصحيفة بأن قطاع الطيران كان من أوائل المتضررين بالحرب؛ فقد تضاعفت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة منذ بداية الحرب، وأعلنت ثلاث شركات كورية جنوبية، بينها "كوريا إير"، اعتماد خطط طوارئ تشمل تقليص الرحلات ورفع الأسعار.
أما المطارات الأوروبية الكبرى مثل لندن وفرانكفورت، فقد بدأت إعداد خطط لمواجهة نقص محتمل في وقود الطائرات قد يؤدي إلى وقف رحلات تجارية. وأكد مايكل أوليري، رئيس شركة "رايان إير"، أن الشركة ستضطر لإلغاء ما يصل إلى 10 بالمائة من رحلاتها بين أيار/ مايو وتموز/ يوليو إذا لم يُفتح المضيق مجددًا.
اجمالي القراءات
17