المياه الملوثة تحاصر أطراف بغداد.. أمراض متفشية تهدد الأهالي
ي أطراف العاصمة بغداد، حيث تتقاطع الهشاشة الخدمية مع الفقر والإهمال، لم تعد المياه مجرد حاجة يومية، بل تحوّلت إلى مصدر قلق صحي متصاعد. ففي مناطق مثل حي المعامل السكني شرقي العاصمة، يُواجه السكان خطراً صامتاً بدأ يتكشف مع تسجيل إصابات متزايدة بمرض الفشل الكلوي، وسط تحذيرات من مؤشرات مقلقة على تدهور نوعية مياه الشرب وغياب الرقابة الفعلية.
أعلن مجلس محافظة بغداد، أخيراً، تنسيقه مع دائرة صحة الرصافة لتشكيل لجان ميدانية للوقوف على أسباب اتساع الإصابات، مؤكداً في بيان له "رصد أكثر من 50 حالة فشل كلوي في منطقة واحدة (المعامل)، أشار إلى أن "بعض المصابين لم يحصلوا على العلاج المناسب". ورغم أن هذه الأرقام لا تزال أولية، تعكس عمق المشكلة الصحية التي قد تكون أوسع من المعلن.
يتحدث أهالي منطقة المعامل، وهي من المناطق الشعبية الفقيرة، عن تغير لون المياه وطعمها، ما اضطرهم إلى الاعتماد على محطات تصفية أهلية (RO) بديلاً، في ظل انعدام الثقة بالمياه الواصلة إلى منازلهم. ووفقاً للحاج علي الساعدي، فإن "المنطقة، التي يقطنها في الغالب سكان من ذوي الدخل المحدود، لا تستطيع تحمل كلفة شراء المياه المعقمة، نظراً لأنها مكلفة ماليا"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "الاعتماد الحالي ينحصر إما بمحطات الإسالة مباشرة أو بمحطات التصفية الأهلية، وهو ما تسبب في تسجيل حالات مرضية بين السكان".
ويرى مختصون أن الاعتماد على محطات التصفية الأهلية قد يتحوّل بدوره إلى خطر مضاعف إذا لم يخضع لرقابة صارمة وفحوص دورية منتظمة. ويؤكد مختصون في الشأن الصحي أن الإصابة بالفشل الكلوي غالباً ما تكون نتيجة تراكمية لجملة من العوامل، في مقدمتها تلوّث المياه وارتفاع نسب الأملاح والمعادن الثقيلة. كما يشيرون إلى أن مياه الإسالة في أطراف بغداد تعاني منذ سنوات ضعفاً في المعالجة وتهالكاً في شبكات التوزيع، ما يسهّل تسرب الملوّثات إلى المنازل، ولا سيما في المناطق ذات البنى التحتية المتدهورة.
محطات أهلية بلا رقابة
جاء انتشار محطات تصفية المياه الأهلية استجابة لحاجة ملحة، لكنه في الوقت ذاته كشف عن فراغ رقابي واضح، إذ تعمل هذه المحطات في الغالب من دون إشراف صحي منتظم، وسط غياب ضمانات كافية تتعلق بسلامة عمليات التصفية أو الالتزام بتبديل الفلاتر في مواعيدها المحددة.
وحذر الطبيب المختص، بهاء طالب، من أن "بعض هذه المحطات قد تبيع مياهاً تتم تصفيتها شكلياً"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "المحطات بكل الأحوال تفتقر إلى المعايير الصحية المطلوبة، ما يجعل المستهلك عرضة لمخاطر صحية طويلة الأمد".
الفقر يضاعف الخطر
ولا تقف الأزمة عند حدوث تلوث المياه، بل تتقاطع مع أوضاع معيشية صعبة تعيشها مناطق أطراف بغداد بشكل عام، فـ"الكلفة العالية للعلاج، وبعد المراكز التخصصية، دفعت بعض المصابين إلى العزوف عن مراجعة الأطباء، واللجوء إلى شراء أدوية من الصيدليات دون وصفات طبية، أو تلقي علاجات وحقن غير مرخصة، وهو ما فاقم من حالاتهم الصحية"، بحسب الطبيب.
وأضاف أن "هذه الممارسات تعكس خللاً بنيوياً في العدالة الصحية، إذ يتحول المرض من حالة طبية إلى عبء اجتماعي واقتصادي، يثقل كاهل العائلات الفقيرة ويضاعف من خطورة المضاعفات الصحية".يؤكد متابعون للملف البيئي، أن ما يجري في منطقة المعامل لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل هو نموذج لما قد تواجهه مناطق أخرى في أطراف العاصمة العراقية، إذا استمر ضعف الرقابة على مياه الشرب، وتأخر تحديث شبكات الإسالة، وغياب المعايير الصارمة لمحطات التصفية الأهلية.
ويفيد الناشط البيئي، علي سلمان، خلال حديثه مع "العربي الجديد"، أن "معالجة الأزمة لا تقتصر على الحلول الطبية، بل تتطلب تدخلاً حكومياً شاملاً بتحسين نوعية المياه، وفرض رقابة حقيقية على مصادرها، وتوفير رعاية صحية ميسرة للفئات الأكثر هشاشة". وشدد أنه "في ظل هذه المعطيات، يبقى الخطر قائماً ما لم تترجم التحركات الرسمية إلى إجراءات ملموسة تحمي حق الأهالي في مياه آمنة وحياة صحية"، محذراً من "تحول الإصابات الفردية إلى أزمة صحية عامة يصعب احتواؤها".
اجمالي القراءات
23