علم الغيب والحتميات

الإثنين ٢٥ - نوفمبر - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً


نص السؤال:
تعلمنا من كتاباتك ان الله جل وعلا وحده هو الذى يعلم الغيب وانه اعطى لبعض الانبياء العلم ببعض الغيب وليس منهم النبى محمدعليه السلام فهو لا يعرف الغيب وان كل احاديث الغيبيات كاذبة مثل احاديث التبشير بالجنة وعلامات الساعة وما يحدث يوم القيامة . الله جل وعلا وحده عالم الغيب والشهادة ، كما جاء فى سور كثيرة منها سورة الرعد( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) ) وسورة الحشر ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) الانعام) ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)) اذا كان الله جل وعلا يستوى عنده علم الشهادة وعلم الغيب ونحن نرى ونشاهد ما يحدث ولكن لا نعلم غيب المستقبل فما هو مغزى ذلك فى قراراتنا ؟ أقول هذا لأن أخى قرر أن يسافر لعمل مصلحة ، ونصحته بتأجيل السفر بسبب ظروف عائلية خاصة بالميراث . سافر وركب قطار الصعيد ، ووقع القطار ، ونقلوه الى المستشفى وفقد ساقيه . هل لو أطاعنى كان سينجو من هذا ؟ أخى بكى عندما زرته نادم على أنه لم يسمع كلامى . قلت له انى لا اعلم الغيب ولم اكن اعلم ان القطار سيقع . اخى فيه شوية تصوف . ليس هذا المهم . المهم هو سؤالى عن الحتميات وانت شرحتها كثيرا . ما هى صلة الحتميات التى لا مفر منها وعلاقتها بعلم الغيب وما واجبنا نحوها ؟ ومثلا لو قرر أخى أن يقتل فلان الفلانى وقتله فالقتل سيقع فى المكان المحدد وفى الزمن المحدد . فهذا من الحتميات . فما هى مسئولية القاتل ؟
آحمد صبحي منصور :

الاجابة :

اقول

1 ـ الحتميات لا مهرب منها ، وهى ما يخصُّ الميلاد والموت والمصائب والرزق .

حين جاء جيش قريش لمهاجمة المدينة إنتقاما لهزيمة ( بدر ) أمر النبى محمد عليه السلام بالخروج لمواجهتهم فى الطريق قبل أن يقتحموا المدينة ، فإعترض المنافقون ورفضوا الخروج واختاروا القعود . وانتهت الموقعة بالهزيمة فى  ( أُحُد ) وبرجوع جيش النبى منهزما وقد قُتل منه كثيرون رآها المنافقون فرصة للشماتة فقالوا ( لو أطاعونا ما قٌتلوا ) وجاء الردُّ عليهم. قال جل وعلا :

1 / 1 : (  الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران  ) .

1 / 2 : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)  آل عمران ). المكتوب عليه الموت فى مكان محدد وزمان محدد لا بد أن يحدث هذا فى نفس المكان ونفس الزمان . تدبر قول ربك جل وعلا : ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ).

2 ـ هذه الحتميات يكون للإنسان دخل فى حدوثها كالحمل (  الميلاد ) والقتل بفعل فاعل ، والمصائب والرزق . هى تحدث فى علاقات البشر ببعضهم .

3 ـ مسئولية الانسان فى أنه : يأخذ القرار بحريته وينفذه بارادته . القاتل يفعل ذلك عمدا ( مع سبق الإصرار والتّرصُّد )، ثم هو لا يعلم الغيب . ربما يدبر للقتل فينجو الضحية . ربما يخطط لقتل شخص فيقتل آخرين معه أو يقتل شخصا آخر . هذا ( القاتل ) مؤاخذ بنيته وتدبيره وفعله الإجرامى . مع إن فعله الإجرامى حدث فى المكان المحدد سلفا والزمان المحدد سلفا .

4 ـ حياتنا لا بد فيها من الابتلاءات ، منها ما نراه خيرا ومنها ما نحسبه شرّا . قال جل وعلا : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء ) . الموت والابتلاءات من الحتميات . ولأن الحياة حرية وإختيار وأيضا إمتحان وإختبار فإن أى محنة تكون خيرا للصابرين الشاكرين ، هم يستحقون الصلاة عليهم من ربهم . قال جل وعلا : (  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة ) . لذا فالمؤمن التقى يتقبل الحتميات راضيا لا يأسى على ما يعتبر منها محنة ولا يفرح ولا يختال ويغترّ بما يعتبر منها منحة . كل ( النّعم و النّقم ) مقدرة سلفا قبل ولادته ، قال جل وعلا : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)  الحديد ). عليه إن كان مؤمنا تقيا أن  يتسابق فى عمل الخيرات . الآية قبلها : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)  الحديد )

أخيرا :

إنصح أخاك بهذا ، مع تمنياتنا له بكل خير. 



مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 2944
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 5365
اجمالي القراءات : 72,298,193
تعليقات له : 5,532
تعليقات عليه : 14,951
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي


الصيام والجماع: وأنا أسأل وهل إذا وقع في الرفث (أي المما رسة ...

سؤالان : السؤ ال الأول فى سورة البقر ة يقول تعالى...

الارث المنقطع .!!: أسأل بموضو ع الارث المنق طع ، بمعنى انه اذا...

صراصير فى الحرم: انتشر ت الصرا صير والجر اد فى الحرم وحول...

النسخ والجهاد : أتوجه اليكم بكامل الإحت رام و طلب مساعد ة ...

سؤالان : السؤ ال الأول : قرأت هذه الآية ( فَلا...

السحر: هل تري ان السحر حقيقة ؟ وهل يمكن ايذاء شخص عن...

القتل دفاعا : تعرضت في موقف اعتدا اء من احد وعلمت انه سيؤدي...

قناة فضائية: الدكت ور أحمد صبحي منصور السلا م عليكم...

( دأب ) : ما معنى ( دأب ) وهل هو معنى السنة ؟؟ ...

إقرأ لنا لو سمحت: تحية طيبة مبارك ة الى ابي الغال ي احمد صبحي...

المستهزئون بالصيام: فيه ناس لقتهم قاعدي ن بيتري قوا على رمضان و...

لكم دينكم ولنا دين: ( هل اهل القرآ ن مختلف ين عن المسل مين... ام...

قذف المحصنات فقط: لماذا فى القرآ ن عقوبة الجلد على من يرمى...

تلاوة القرآن : كل عام وسياد تكم بخير سالتن ي ابنتي...

more