داء البلدان عند جمال حمدان

رضا البطاوى البطاوى Ýí 2026-09-01


داء البلدان عند جمال حمدان
فى كتابة شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان يشخص جمال حمدان داء مصر بأنه :
الحكام الطغاة أو بتعبيره الديكتاتورية
وذلك فى الفقرة الآتية :


"وسواء كانت مصر أم الدنيا أو أم الديكتاتورية أو كان حاكم مصر هو أقدم أمراضها كما يذهب البعض فلا شبهة فى أن الديكتاتورية هى النقطة السوداء والشوهاء فى شخصية مصر بلا استثناء وهى منبع كل السلبيات والشوائب المتوغلة فى الشخصية المصرية حتى اللحظة "ص41
وهو تشخيص للأسف خاطىء فداء البشرية كلها وليس مصر هو :
حب البقاء على الظلم من الظالم الذى لا يخاف أحد فى الظاهر أو من المظلوم الذى يخاف على نفسه من التعذيب أو السجن أو على عياله
وفى ألمثال نجح القدامى فى تشخيص الداء عندما قالوا :
قالوا لفرعون لما تفرعنت قال لم أجد حد يلمنى
فالحاكم لا يطغى إلا عندما يساعده الشعب على نفسه بالسكوت على الظلم ولذا قال سبحانه :
" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار "
فما يمنع الطغيان وهى الديكتاتورية هو :
إرادة التغيير للأحسن وهوين الله كما قال سبحانه :
" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
ورغم أنه حدد السبب فى كونه طغيان الحاكم إلا أنه نسب إلى الشعب نفسه أنه من يشجع فساد الحكام وطغيانهم من خلال ما يسمى :
فضائل مصر
تحويل عيوب ناس مصر وحكامها إلى مزايا وفوائد
وفى هذا قال الرجل :
"ومن طريف ما يلاحظ فى هذا الصدد أننا حين نرجع مثلا فيما نكتب عن أنفسنا إلى كتابات الرحالة والمؤرخين العرب فى العصور الوسطى أو الكتاب الأجانب المعاصرين ننتحب منها فقط تلك الاشارات الطيبة والمرضية ونحشدها حشدا كفضائل مصر مهملين ببساطة شديدة كل الاشارات العكسية أو المعاكسة التى أوردها الكتاب نفسه والتى قد تكون أضعاف الأولى كما وكيفا ليس هذا فحسب أو ليت هذا فحسب فما أكثر متا نقلب عيوبنا عن عمد إلى مزايا ونقائصنا إلى محاسن بل أسوأ من ذلك قد نتباهى ونتفاخر بعيوبنا وسلبياتنا ذاتها ولعل هذا تجسيد لقمة ما سماه البعض الشخصية الفهلوية ويبدو عموما أننا كلما زاد جهلنا بمصر كلما زاد تعصبنا لها بل الملاحظ أننا كلما ازدادت أحوالنا سوء وتدهورا كلما زاد تفاخرنا بأمجادنا وعظمتنا كلما زدنا هزيمة وانكسارا كلما زدنا افتخارا بأننا شعب محارب ؟؟؟ أهو نوع من الدفاع الطبيعى عن النفس للبقاء أن خداع قاتل للنفس أم هو الأول عن طريق الثانى ؟ص29
وبين الرجل أن الحكام وأنظمتهم نجحت فى اقناع الشعب بأمر من اثنين :
الأول أن مصر بخير دوما
الثانى أن مصر فى خطر مستمر
ومن ثم على الشعب فى كل الأحوال أن يصبر على نظامه حتى يموت مقتنعا بالوعود الوردية بأن الاصلاح يعمل وأن الفساد سيتم القضاء عليه
وهو كلام الرجل فى الفقرة التالية :
" باختصار مصر إما بخير دائما أو فى خطر أبدا وكلا الحكمين لا يرى وأيضا الحقائق فى حجمها الطبيعى السليم .. فمصر إما أم الدنيا وإما فتات التطور إما صانعة التاريخ وإما راووق التاريخ إما أصل الحضارة أو مثال التخلف الحضارى ..إلخ موضوع بلا موضعية ص27 "
ويبين الرجل أن دوما أولاد مصر الأبرار وهم من ينقدون الأوضاع ويعملون بشتى السبل على حل مشاكل الناس هم الخونة والارهابيين ومن يريدون بيع البلاد وتسليمها للأعداء وهو كلامه فى الفقرة ألاتية :
"عند هذه النقطة وبغض النظر عن التشهير والتشويه أو النقد المغرض الهدام البادى الدوافع والأهواء والعداء لا يمكن لكاتب أو عالم أو مفكر أن يوجه إلى مصر نقدا موضوعيا بناء صادقا ومخلصا إلا وعد على التو والفور وللغرابة والدهشة عدوا بغيضا أو حاقدا موتورا إن كان أجنبيا وخائنا أعظم أو أحقر إن كان مصريا هذا وذاك إنما افتراءات على مصر والمصريين أو أكاذيب وأباطيل ..إلخ وبالاختصار فنحن المصريون أكبر جدا من النصح ومصر فوق النقد موقف خطر يصل إلى حد الارهاب الفكرى والمصادرة على المطلوب مسبقا ... والحقيقة أن ابن مصر البار الغيور على أمه الكبرى إنما هو وحده الذى لصالحها ينقدها بقوة وقسوة إذا لزم الأمر وبلا مداراة أو مداورة فصديقك من صدقك لا من صدقك ..."ص28
ويبين الرجل أن الخونة الحقيقيين هم المتعصبين لمصر من الحكام ومن يصدقونهم فى أن مصر بخير وأن الحكام يعملون على اصلاحها فيقول :
"وبالمقابل وعن غير قصد بالطبع قد يكون أعدى أعداء مصر هم بعض المصريين المتعصبين أولئك الذين يدفنون باصرار رءوسهم فى الرمال ويتعامون أو يتغافلون عمدا عن عيوبنا زاعمين باستمرار أن أم الدنيا مصر بخير وأن ليس فى الامكان أبدع مما هو كائن متشنجين على كل مصرى بنقد مصر لصالحها ومتهمينا بتعنت أو بتخابث بعدم الولاء أو بالخيانة ..الخ ص28
ويبين الرجل أن أنظمة الطغاة والجهاز الاعلامى وغيره هم من يبيعون المخدرات للشعب وهو الوعود الكاذبة دوما والكلام المعسول نحن خدام الشعب أنتم نور العيون نحن مع الفقراء نحن مع محدودى الدخل كلها سنة اثنين والوضع يتبدل إلى الأفضل وهو ما أشار إليه فى الفقرة التالية :
" المثير المؤسف أكثر أن على رأس هؤلاء الأعداء لمصر بالجهل والجهالة وضيق الأفق يأتى غالبا ولا نقول دائما الحكم والحاكم فالسياسى الذى بالتعريف يبيع الوطنية للمواطن لا يملك إلا أن يقدم أوهام الوطنية والمخدرات التاريخية للجماهير فمصر أم الدنيا أم الاختراع أم الحضارة فاتحة التاريخ فوق الجميع خير أمة أخرجت للناس أم العرب أيضا.. الخ والحاكم فى الوقت قد يكون أكثر من يسوم الشعب العسف والخسف والهوان والذلة والقهر الجسدى أو المعنوى أو كليهما بحيث يصبح هو مصدر كل عيوبه وسوالبه ... والقاعدة تقريبا عند كل حاكم أننا بزعمه نعيش دائما فى عصره أروع وأمجد فترة فى تاريخنا وحياتنا بلا استثناء كل عصر عند صاحبه هو وهو وحده عصر مصر الذهبى تلك نغمة أزلية وبضاعة مزجاة يكررها كل حاكم منذ الفراعنة فى نقوشهم وسجلاتهم الهيروغليفية على جدران الآثار حتى اليوم فى أبواق الدعاية ووسائل الاعلام العميلة التى لا تتحرج ولا تخجل ولأن الحاكم بالنظرية أو بالتطبيق بالوراثة أو بالممارسة يتوهم مصر دائما ملكا له ضيعته أو قريته الكبرى هو الدولة وهو الوطن والولاء للوطن هو وده الولاء للنظام فإنه يعتبر أن كل نقد موجه لمصر إنما هو موجه إليه شخصيا وبالتالى هو خيانة وطنية خيانة عظمى باختصار النظام أو الحاكم هو بالضرورة والواقع العدو الطبيعى لناقد مصر الموضوعى أيا كان والغالب أنه يتخذ من المفكر الناقد لمصر صبى الغرب التقليدى وكبش الفداء الدورى على مذبح الشعبية الرخيصة ومداهنة الشمل وارهابه "ص29
ويبين الرجل أن الكثير من أفراد الشعب الذى لا يجد قوت يومه وطالع روحه يمدحون الحكام الطغاة مع أنهم أكثر المضرورين منه وأكثر من ذلك أنهم يدافعون عنهم بل ويخونون من يدافعون عن حقوقهم وأنهم لابد أن يعيشوا فى كرامة وفى هذا قال :
"الغريب المؤسف أن الشعب المخدوع الساذج نصف الجاهل قد يستأسد ويبطش بابنه ناقده الوطنى الذى يريد له الخير والسيادة فيدينه ويسلمه تسليما لسوط الحكم وذلك بالقدر نفسه الذى يخنع فيه ويخضع ويستكين تحت هذا السوط وهكذا للغرابة والدهشة قد نجد الشعب المسكين المضلل ولا نقول الخائف المروع يتبادل مع قيادته العاجزة الفاشلة الباطشة غالبا وجلاده الغاشم الخائن أحيانا أنخاب خداع النفس وعبادة الذات الأول يتغابى عن عيوبه الجسيمة بل ويتغنى بها الثانى يلهيه ويخدره عن استبداده وقهره أو خيانته وغدره بأحاديث المجد والوطنية والأصالة...الخ ص29
ويؤكد أن معظم افراد الشعب يتعيشون على هذه المخدرات النفسية فيثول :
"فنحن ما زلنا نعيش على أطلال وأجداث تاريخية كأم الدنيا وأم الحضارة .. الخ ما زلنا نتعاطى هذه المكيفات التاريخية وندمن هذه المخدرات المعتقة التى أصبحت تستثير إما السخرية وإما الاشفاق إما من الأعداء أو من الأصدقاء وحديثا أيضا الأشقاء "ص31
وكلام جمال حمدان لا ينطبق على الحالة المصرية فقط وإنما ينطبق على كل بلادنا المنكوبة ونفس الكلام الذى قاله من نصف قرن بعد النكسة ما زال هو السائد فى عصرنا
بمعنى أخر ما كتبه قبل ولادتى عن حال بلادنا كلها هو نفسه حالها بعد ستين سنة عشتها هزائم على كل المستويات ودمار وخراب لم تتغير الشعوب ولم يتغير الحكام سوى فى الأسماء والحال هو نفسه إن لم يكن ازداد سوءا

اجمالي القراءات 42

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-08-18
مقالات منشورة : 3249
اجمالي القراءات : 29,297,531
تعليقات له : 313
تعليقات عليه : 513
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt