جرد لديون الدول العربية.. تفاصيل الأعباء التي تثقل يوميات الناس وتنتقل للأحفاد

اضيف الخبر في يوم الإثنين ٠٢ - نوفمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


جرد لديون الدول العربية.. تفاصيل الأعباء التي تثقل يوميات الناس وتنتقل للأحفاد

لم تعد المديونية العامة في الدول العربية مجرد مؤشر مالي، بل أصبحت عاملا مؤثرا في تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وفي قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.

ومع تفاوت نسب الدين من بلد إلى آخر، تتقاطع تحديات ارتفاع تكلفة الاقتراض مع ضعف النمو وتزايد الاحتياجات الاجتماعية.ويبرز هذا الواقع أهمية التمييز بين الدين الذي يمول الاستثمار ويعزز الإنتاجية، والاقتراض الذي يغطي اختلالات متكررة من دون أن يوسع قاعدة الإيرادات، فالأثر النهائي للمديونية يتوقف على بنيتها وتكلفة خدمتها، وعلى العائد الاقتصادي والاجتماعي للأموال المقترضة.
مقالات متعلقة :


يشدد محمد الشيكر، الخبير في تحليل السياسات الاقتصادية والمالية ورئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، في تصريح للجزيرة نت على أن الدول العربية لا تشكل مجموعة اقتصادية متجانسة، بالنظر إلى اختلاف مواردها المالية وقدراتها الإنتاجية ومستويات مديونيتها.

ويضيف الشيكر أن هناك اقتصادات تمتلك موارد واسعة، وتظل مديونيتها محدودة نسبيا، وأخرى تواجه ضغوطا أكثر تعقيدا بسبب ضعف الإيرادات وارتفاع الاحتياجات التمويلية والاجتماعية.

تتزايد أعباء الديون الخارجية مع التراجع في سعر صرف العملة المحلية (رويترز)
اختلاف تأثير الديون
يوضح أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير، الطبيعة غير المتكافئة لأزمة الدين العالمية، بقوله إن الدول التي تتوفر على أسواق مالية عميقة وإيرادات مستقرة تستطيع الاقتراض بشروط تختلف عن تلك المفروضة على الاقتصادات المحدودة الموارد، مما يجعل القدر نفسه من الديون أكثر تكلفة على بعض الدول من غيرها.

ويشير سامي في مقابلة مع الجزيرة نت إلى أن المديونية العامة العالمية بلغت، وفق صندوق النقد الدولي، نحو 94% من الناتج الإجمالي العالمي سنة 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 100% سنة 2029 إذا استمرت الأوضاع الحالية.

وتعكس هذه التقديرات، الصادرة عن صندوق النقد الدولي، مدى اتساع وتفاقم الضغوط المالية على المستوى العالمي، خاصة مع تقلبات أسعار الفائدة والاضطرابات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد.

خريطة الديون
تكشف خريطة الدين العام في العالم العربي تفاوتا واسعا في مستويات الديون بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. فوفقا لبيانات منصة صندوق النقد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتصدر السودان القائمة بديون تبلغ نسبتها 334.4% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها البحرين بنسبة 162.8%، ثم لبنان بنسبة 139.4% (وفق بيانات عام 2025)، وليبيا بنسبة 125.2%.

وتضم الفئة ذات المديونية المرتفعة تونس بنسبة 86.1%، ومصر بـ84%، والأردن بـ82.5% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تواجه هذه البلدان بدرجات متفاوتة ضغوطا مرتبطة بتكلفة خدمة الدين، واحتياجات التمويل، وعجز الموازنة العامة، إضافة لتحديات الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي اللازم لدعم الفئات المحدودة والمتوسطة الدخل.

وفي الفئة التالية، يسجل العراق نسبة 71.1%، يليه المغرب بـ66.6%، ثم فلسطين بـ55.9% والجزائر بـ51.8%.

وأما في فئة النسب المتوسطة والأقل، فتبلغ المديونية 46.4% في قطر، و38.3% في موريتانيا، و35.4% في السعودية، و34.7% في جزر القمر، و32.8% في الإمارات العربية المتحدة، و31.1% في سلطنة عمان، و28.7% في جيبوتي، و26.6% في الكويت.

ولا تكفي هذه النسب وحدها للحكم على متانة أوضاع الدول المالية؛ إذ يرتبط الأمر بحجم الاقتصاد، والإيرادات العامة، والأصول والاحتياطيات السيادية، وتكلفة الاقتراض، وآجال الاستحقاق المرتبطة بديون كل دولة.

وفي المقابل، لا تتوافر ضمن المعطيات المعتمدة من طرف صندوق النقد الدولي نسب محددة لليمن وسوريا والصومال، وهو ما لا يعني انعدام الدين العام في هذه البلدان، بل يرتبط الأمر بصعوبة الحصول على بيانات حديثة ومتكاملة بها.

والدين المرتفع لا يشير تلقائيا إلى التعثر، مثلما لا يضمن الدين المنخفض وحده سلامة الوضع المالي؛ إذ يظل العامل الحاسم هو قدرة الدولة على تحويل الاقتراض إلى نمو وإنتاج وإيرادات مستدامة، من دون نقل تكلفته بصورة مفرطة إلى المواطنين والأجيال المقبلة.

الديون الخارجية ترتبط بأسعار الصرف وترتفع تكلفة خدمتها مع زيادة قيمة الدولار (رويترز)
الدين الداخلي والخارجي
يمثل تركيب الدين أحد المفاتيح الأساسية لتقييم الأخطار المالية، فالدين الداخلي، الذي تقترضه الحكومة من السوق المحلية أو المؤسسات المالية الوطنية، يختلف عن الدين الخارجي المرتبط بدائنين في الخارج أو بعملات أجنبية.

وقد يحد الاعتماد على التمويل الداخلي من التعرض المباشر لتقلبات سعر الصرف، لكنه لا يلغي أخطار ارتفاع تكلفة الاقتراض أو مزاحمة تمويل القطاع الخاص.

وفي هذا السياق، يشير الشيكر إلى أن نسبة مهمة من ديون عدد من الدول العربية هي ديون داخلية، مثل مصر والمغرب، معتبرا أنها لا تطرح من زاوية السيادة المالية، الإشكالات نفسها التي قد تنتج عن الاعتماد المرتفع على التمويل الخارجي، مستحضرا تجربة برامج الإصلاح الهيكلي التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية على الدول التي تعاني من عجز في موازناتها وتراكم في ديونها الخارجية.

وأوضح الشيكر أن الدول الأكثر اعتمادا على الدين الخارجي، تظل أكثر تعرضا لتقلبات أسعار الفائدة العالمية والعملات، خصوصا عندما يتراجع سعر صرف العملة المحلية أو تتقلص موارد النقد الأجنبي.

وأوضح أنه لا يكفي تحديد حجم الدين، بل ينبغي أيضا تقييم عملة الاقتراض وتكلفته وآجال سداده وقدرة الاقتصاد على توليد الموارد اللازمة للوفاء بالالتزامات.

الديون والتنمية
يشبِّه الشيكر المديونية بـ"الكوليسترول"؛ إذ يمكن أن يكون لها جانب إيجابي وآخر سلبي بحسب طريقة توظيفها. فالاقتراض الموجه إلى الاستثمار المنتج والبنية التحتية والقطاعات القادرة على خلق الثروة وفرص الشغل يمكن أن يدعم التنمية ويعزز قدرة الدولة على السداد.

أما استخدام القروض لتمويل الاستهلاك أو نفقات لا تحقق عائدا اقتصاديا مستداما، فقد يراكم الالتزامات من دون أن يوسع قاعدة الإيرادات.

ومن المنطلق نفسه، يرى سامي أن المديونية ليست في حد ذاتها مؤشرا على فشل السياسات الاقتصادية، بل تتحول إلى اختلال هيكلي عندما لا تقابلها زيادة في الإنتاجية والثروة وفرص العمل.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن التمويل بالقروض قد يرفع قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات مستقبلا، أو يتحول إلى عبء إضافي إذا استخدم لتغطية عجز متكرر من دون إصلاح أسبابه.

ويجعل هذا المنظور العائد من المشاريع الممولة بالديون عنصرا مركزيا في تقييم السياسات المالية، فنجاح الاقتراض لا يقاس فقط بتوفير التمويل في الحاضر، بل بما يحققه من قيمة مضافة وقدرة إنتاجية وعوائد اقتصادية واجتماعية على المدى المتوسط والطويل.

أعباء الديون تحد من القدرة على دعم السلع الأساسية مثل الخبز (رويترز)
التكلفة الاجتماعية
تظهر آثار المديونية عندما تستحوذ فوائد الدين وأقساطه على حصة متزايدة من الميزانية العامة، بما يقلص الموارد المتاحة للصحة والتعليم والنقل والحماية الاجتماعية والاستثمار.

ويؤكد الشيكر أن ارتفاع خدمة الدين يضغط على أولويات الإنفاق، خصوصا في القطاعات الاجتماعية، في ظل سعي الحكومات إلى التحكم في العجز وتفادي تراكم التزامات إضافية.

وتكتسب هذه الضغوط بُعدا أوسع في ضوء الأرقام التي أوردها سامي عن الأوضاع المالية العالمية، وفق صندوق النقد الدولي، إذ بلغ صافي فوائد الدين العام في البلدان النامية نحو 995 مليار دولار سنة 2025، في حين يعيش 3.7 مليارات شخص في بلدان يتجاوز فيها الإنفاق على فوائد الدين الإنفاق على الصحة أو التعليم.

ويشير تقرير "عالم من الديون 2026" الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، إلى بلوغ الدين العام العالمي 111 تريليون دولار سنة 2025، نحو 35 تريليون دولار منها في البلدان النامية.

ويوضح تقرير الأونكتاد أن 51 دولة نامية تنفق على فوائد الدين أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم.

ويؤثر هذا الوضع في حياة الأسر عبر تراجع هامش الإنفاق الاجتماعي، أو تراجع الدعم، أو زيادة الضرائب والرسوم، بما قد يرفع تكاليف المعيشة.

ويحذر سامي من أن الاقتراض المتكرر لتمويل اختلالات غير منتجة قد ينقل تكلفته إلى الأسر والأجيال المقبلة، عندما تخصص موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار للوفاء بالتزامات مالية سابقة.

وتصبح هذه التكلفة أكثر حدة عندما تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود العبء الأكبر من الإصلاحات المالية، في غياب حماية اجتماعية فعالة.
بعض الدول تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفق على التعليم (رويترز)
الطاقة والديون
ترتبط المديونية العامة بالتحولات التي يشهدها قطاع الطاقة، وبمدى قدرة الدول على تأمين احتياجاتها من دون تعريض موازناتها لتقلبات الأسعار الدولية. فالبلدان المستوردة للطاقة تواجه ارتفاعا في فاتورة الواردات عند صعود أسعار النفط والغاز، مما يزيد من النفقات العامة في موازناتها، خصوصا عندما تقدم الحكومات الدعم لحماية المستهلكين من ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي المقابل، تواجه الدول المصدرة للطاقة تقلبات في الإيرادات المرتبطة بالأسعار العالمية، مما يجعل تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل ضرورة لتقليل التعرض للصدمات.

ويشير سامي إلى أن التحول الطاقي لم يعد خيارا بيئيا فقط، بل أصبح مدخلا اقتصاديا وماليا لتخفيف الضغط على الواردات والعملة والميزانية العامة.

وتتيح الاستثمارات في الطاقات المتجددة فرصة لتقليل التعرض لتقلبات الوقود المستورد، شريطة تطوير شبكات النقل والتخزين والتجهيزات والكفاءات، حتى تتحول إلى منظومة صناعية واقتصادية متكاملة.

وفي هذا الإطار، ذكر سامي أن أكثر من 90% من مشاريع الكهرباء المتجددة، التي دخلت الخدمة سنة 2025 وفق الوكالة الدولية للطاقة؛ كانت أقل تكلفة من أرخص البدائل الأحفورية الجديدة في أسواقها.

ولا يتحقق خفض فاتورة الطاقة تلقائيا بمجرد الاستثمار في مصادر متجددة؛ إذ يتطلب الأمر دراسة التكلفة الإجمالية للمشاريع وشروط تمويلها وعوائدها المتوقعة، وربطها بأهداف واضحة تشمل أمن الطاقة والإنتاج المحلي وخلق فرص العمل.

الديون تؤثر في قدرة الدولة على توفير الاستثمارات اللازمة لخلق فرص العمل (رويترز)
إصلاحات ضرورية
تتطلب إدارة المديونية الجمع بين الانضباط المالي وحماية الحاجات الاجتماعية، من خلال نظام ضريبي أكثر عدالة، وتوجيه الإنفاق نحو المجالات الأعلى عائدا، وتوسيع الاستثمار المنتج، وتعزيز الحماية الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الهشة.

ويربط سامي تخفيف الاعتماد على الدين بتوسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية، وتعزيز الصادرات وتقليص بعض الواردات، والاستثمار في القطاعات التي تتيح للاقتصاد توليد موارده الذاتية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في مجال الطاقة، حيث يمكن للاستثمار المدروس في المصادر المتجددة أن يقلص فاتورة الوقود المستورد ويحد من التعرض لتقلبات الأسعار العالمية.

ولا ينبغي اختزال الإصلاح في إجراءات تقشفية قصيرة الأجل؛ فخفض العجز على حساب التعليم والصحة والبنية التحتية قد يقوض النمو الذي تحتاج إليه الدولة لتوسيع إيراداتها.

من الدين إلى خلق الثروة
تؤكد المقارنة بين الدول العربية أن المديونية ليست حكما نهائيا على سلامة الاقتصاد أو تعثره، فقد تكون أداة لتسريع التنمية عندما توجه إلى استثمارات منتجة، وقد تتحول إلى عبء مزمن عندما تتراكم الالتزامات من دون نمو كاف في الإيرادات والقدرة الإنتاجية.

ومن ثم، فمن الضروري التمييز بين الدين الذي يخلق قيمة اقتصادية والدين الذي يراكم الالتزامات، فالأول يمكن أن يعزز قدرة الدولة على التنمية والسداد، أما الثاني فقد يؤدي إلى تضييق هامش الإنفاق العام وإضعاف الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية.

ولا يتمثل التحدي العربي في الاستغناء عن الدين بقدر ما يتمثل في استعادة وظيفته التنموية. وحين تتحول الأموال المقترضة إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات مستدامة، يصبح الدين وسيلة لبناء الثروة.

لكن عندما تستخدم الديون لتأجيل الاختلالات من دون معالجة أسبابها، فإن تكلفتها تتجاوز دفاتر المالية العامة لتنعكس على مستوى عيش المواطنين وخيارات الأجيال المقبلة.

وهنا يكمن الرهان في الانتقال من إدارة الدين بوصفه التزاما ماليا إلى إدارة الثروة والإنتاجية باعتبارهما ضمانتين لاستدامة المالية العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
اجمالي القراءات 16
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق