هل تحطم ذاكرة التاريخ والطبوغرافيا رهانات ترامب على نفط فنزويلا؟

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ١٣ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: CNN


هل تحطم ذاكرة التاريخ والطبوغرافيا رهانات ترامب على نفط فنزويلا؟

هل تحطم ذاكرة التاريخ والطبوغرافيا رهانات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نفط فنزويلا؟ وهل تظل فنزويلا في مطلع 2026 ساحة لاختبار قوة الإرادة السياسية أمام منطق الربح والخسارة، فبينما يرى ترامب في نفط فنزويلا "ثروة سهلة" لخفض التضخم الأميركي، يرى قطاع النفط الدولي "ثقباً أسود" قد يتحول إلى مستنقع قانوني ومالي وتقني.

ما القصة؟

تبدأ القصة عندما قامت القوات الأميركية في الثالث من يناير 2026 بعملية عسكرية خاطفة هزت الأوساط الدولية، واستهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته "سيليا فلوريس" في كراكاس ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة تهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات.

هذه العملية لم تكن مجرد إجراء قانوني بل كانت ضربة جيوسياسية أعادت رسم موازين القوى في القارة اللاتينية العملية استهدفت إنهاء حقبة النفوذ الصيني والروسي في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، حيث تعد الصين أبرز مستورد لنفط فنزويلا، فيما تسببت الضربة واعتقال مادورو في خسائر نفطية فادحة للصين حيث جرى تحويل 30 إلى 50 مليون برميل من النفط كانت متجهة للصين إلى الموانئ الأميركية، فضلاً عن انكشاف النفوذ الصيني والذي بدا عاجزاً عن حماية الحلفاء أمام الضغط العسكري الأميركي المباشر.
اقتسام الغنائم

في مشهد يعكس فلسفة "أميركا أولاً" في أقصى تجلياتها، تحول البيت الأبيض يوم الجمعة الماضي 9 يناير 2026 إلى منصة لمفاوضات شاقة بين الرئيس دونالد ترامب ومديري أكبر شركات النفط العالمية.

فبينما كان ترامب يتحدث عن صفقات بـ100 مليار دولار، كان صمت الرؤساء التنفيذيين يشي بذاكرة مثقلة بالخسائر في كراكاس.

وعود البيت الأبيض وحدود الثقة
حاول ترامب طمأنة الحاضرين بلغة حاسمة: "ستحصلون على مستوى هائل من الأمان.. المالي والجسدي"، ملوحاً بوجود حماية من واشنطن لعملياتهم في فنزويلا، لكنه لم يوضح بشكل قاطع طبيعة هذه الضمانات أو آليات حمايتها القانونية بعيداً عن الوعود اللفظية.
وفيما كان الرئيس الأميركي يروج لما اعتبره فرصة تاريخية لشركات الطاقة، أظهرت ردود فعل التنفيذيين فجوة عميقة بين الرؤية السياسية والحسابات الاستثمارية الباردة.
صدام الرؤى: "الأمان التام" مقابل "التجارب المرة"
بالنسبة لـ"دارين وودز"، الرئيس التنفيذي لـ"إكسون موبيل"، فإن الوعود السياسية لا تمحو حقيقة أن فنزويلا صادرت أصول شركته مرتين في الماضي، ما يجعل الدخول للمرة الثالثة تحدياً كبيراً دون ضمانات قانونية قوية وغير قابلة للنقض.
ووصف وودز فنزويلا للرئيس الأميركي بأنها "غير قابلة للاستثمار" حالياً، مطالباً بتغييرات تشريعية وهيكلية عميقة (Durable Protections) تضمن عدم العودة لمربع التأميم.
ولم يتأخر رد ترامب، إذ استخدم أسلوبه المعروف في الضغط على جميع رؤساء شركات النفط الحاضرين، قائلاً: “إذا كنتم لا ترغبون، فهناك 25 آخرون ينتظرون”، في إشارة إلى أن التردد قد يعني الخروج من معادلة النفوذ في مستقبل الطاقة العالمي.
مقامرة عالية الكلفة
تواجه شركات النفط "جداراً" من العوائق التقنية والمالية التي تجعل الاستثمار في فنزويلا "مقامرة" عالية التكلفة، حتى في ظل الغطاء السياسي الأميركي.
تهالك البنية التحتية
تفاصيل فنية لقطاع النفط الفنزويلي تشير إلى أن البنية التحتية للحقول والأنابيب والمعدات في حالة تدهور شديد بعد عقود من نقص الاستثمار وسوء الإدارة، وقد باتت تحتاج إلى ترميم شامل قبل التفكير في استدامة الإنتاج.
ديون متراكمة بمليارات الدولارات
تطالب شركات مثل كونوكو فيليبس باسترداد مبالغ ضخمة نتيجة ديون قديمة وتعويضات عن ممتلكات صودرت، وهو ما يجعل أي استثمار جديد رهناً بتسويات مالية معقدة وسياسات اقتصادية واضحة قبل ضخ دولار واحد.
لغز الخام الثقيل والمذيبات
الخام الفنزويلي من الأثقل عالمياً، ويحتاج إلى مذيبات مثل النافثا ليتمكن من التدفق عبر الأنابيب، ورغم إرسال أول شحنة أميركية من النافثا، فإن استدامة الإمداد في ظل بنية تحتية متهالكة تظل محل شك.
مخاوف الشركات.. السياسة لا تكفي
من غير المرجح أن تشهد فنزويلا أي زيادة ذات مغزى في إنتاج النفط الخام لسنوات، حتى لو استثمرت شركات النفط الأميركية الكبرى مليارات الدولارات في البلاد، كما وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقد يكون لدى الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية أكبر احتياطات نفطية تقديرية في العالم، لكن الإنتاج انخفض على مدى العقود الماضية، وسط سوء الإدارة، ونقص الاستثمار من الشركات الأجنبية، بعد تأميم فنزويلا لعمليات النفط في العقد الأول من القرن الـ21، التي شملت أصول «إكسون موبيل»، و«كونوكو فيليبس».
وقال محللون لـ«رويترز» إن أي شركة قد ترغب في الاستثمار هناك ستحتاج إلى التعامل مع المخاوف الأمنية، والبنية التحتية المتهالكة، والتساؤلات حول شرعية العملية الأميركية لإخراج الرئيس مادورو من البلاد، والاضطراب السياسي المحتمل على المدى الطويل.
العقوبات والتشريعات.. شرط العودة
وقال مدير تطوير الأعمال في «شركة كريس ويل للاستشارات»، مارك كريستيان، إن الشركات الأميركية لن تعود حتى تتأكد من أنها ستحصل على أموالها، وستحصل على الحد الأدنى من الأمن على الأقل، لافتاً إلى أن الشركات لن تعود حتى يتم رفع العقوبات المفروضة على البلاد، كما سيتعين على فنزويلا أيضاً تعديل قوانينها للسماح باستثمارات أكبر من شركات نفط أجنبية.
وأمّمت فنزويلا القطاع في سبعينات القرن الماضي، وفي العقد الأول من القرن الـ21 أُجبرت الشركات على التحول إلى مشروعات مشتركة تسيطر عليها شركة النفط الحكومية «بتروليوس دي فنزويلا».
سيناريوهات الانتقال السياسي
من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة والشؤون الجيوسياسية، توماس أدونيل، لـ«رويترز»: "إذا تمكن ترامب وآخرون من تحقيق انتقال سلمي دون مقاومة تذكر، ففي غضون خمس إلى سبع سنوات ستكون هناك زيادة كبيرة في إنتاج النفط مع إصلاح البنية التحتية وترتيب الاستثمارات".
وأضاف: "يمكن أن يؤدي انتقال سياسي فاشل، ينطوي على شعور مناوئ للهيمنة الأميركية، إلى مقاومة قد تمتد لسنوات، عبر جماعات مسلحة وحرب عصابات".
من يسبق الآخرين؟
وقال مدير برنامج الطاقة في أميركا اللاتينية في «معهد بيكر» بجامعة رايس، فرانسيسكو مونالدي، إن شركة «شيفرون» ستكون في موقع متقدم للاستفادة من أي انفتاح نفطي محتمل، فيما ستتريث بقية الشركات الأميركية بانتظار وضوح الإطار السياسي والقانوني.
وأضاف أن «كونوكو فيليبس» قد تكون الأكثر اهتماماً بالعودة، نظراً لمستحقاتها التي تتجاوز 10 مليارات دولار، مشيراً إلى عودة محتملة لـ«إكسون» أيضاً.
وفي تعليق مقتضب، قال متحدث باسم «كونوكو فيليبس» لـ«رويترز»:
"تراقب الشركة التطورات في فنزويلا وآثارها المحتملة على إمدادات الطاقة العالمية، ومن السابق لأوانه التكهن بأي استثمارات مستقبلية".
هل استخراج نفط فنزويلا سهل؟
رغم أن فنزويلا تتربع على عرش أكبر احتياطي نفطي في العالم، فإن "طبيعة الأرض" و"نوعية النفط" هناك تجعل عملية استخراجه معركة تقنية ومالية مستمرة، إليك التفاصيل حول أماكن تواجده وصعوبات استخراجه:
أين يقع النفط الفنزويلي؟
يتركز معظم النفط في منطقتين رئيسيتين تختلفان في طبيعتهما الجغرافية:
حزام أورينوكو:
يقع في جنوب ووسط فنزويلا على طول نهر أورينوكو، هي منطقة سهول شاسعة (Llanos)، وهذا الحزام وحده يضم نحو 300 مليار برميل.

حوض بحيرة ماراكايبو:
يقع في شمال غرب البلاد، وهو القلب التاريخي للإنتاج، ويتميز بوجود منصات حفر داخل البحيرة وفي المناطق المحيطة بها.

العوائق التقنية والطبوغرافية
لزوجة النفط :
معظم نفط حزام أورينوكو هو "خام فائق الثقل"، وهنا فإن التحدي في كون هذا النفط لا يتدفق طبيعياً؛ فهو كثيف ولزج جداً (كثافة API تتراوح بين 8-10 درجات، ما يعني أنه أثقل من الماء.
الحل الصعب: يتطلب حقن الآبار بالبخار الساخن لتقليل لزوجته، أو استخدام مضخات قوية جداً، وهو ما يستهلك طاقة هائلة.
الحاجة إلى "مذيبات":
بمجرد خروج النفط إلى السطح، لا يمكن نقله عبر الأنابيب لأنه سيتجمد ويسدها، وهنا فإن التحدي في ضرورة خلطه بمواد كيميائية أو نفط خفيف (يسمى النافثا) ليصبح سائلاً بما يكفي للجريان، وفنزويلا تفتقر لهذه المواد وتضطر لاستيرادها، ما يزيد التكلفة والتعقيد اللوجستي.
تهالك البنية التحتية:
الأرض في فنزويلا ليست العائق الوحيد، بل ما بني فوقها، فالتحدي الراهن يتمثل في شبكة الأنابيب، ومحطات الكهرباء، والمصافي متهالكة تماماً، فضلاً عن أن استخراج النفط يحتاج كهرباء مستقرة لتشغيل المضخات، وفنزويلا تعاني من انقطاعات مستمرة، ما يؤدي إلى "تجلط" النفط داخل الأنابيب عند توقف الضخ.
تساؤلات حائرة حول تكلفة الفرصة البديلة:

وتبقى التساؤلات حائرة، فهل تنجح عضلات السياسة في تبديد كوابيس الشركات، أم أن ذاكرة التأميم والاضطراب ستظل أقوى من أي وعود رئاسية، لتتحطم بذلك أحلام الرئيس الأميركي على صخرتي التاريخ والطبوغرافيا؟، ولماذا يذهب مدير تنفيذي لشركة أميركية إلى "أدغال أورينوكو" الوعرة ويواجه خطر التأميم، بينما يمكنه الحفر في "تكساس" أو "نيو مكسيكو" في بيئة قانونية مستقرة تماماً؟ هنا تتحطم أحلام ترامب على صخرة "الجدوى الاقتصادية".
وما الذي يدفع شركة نفط كبرى إلى الاستثمار في خام يحتاج إلى مذيبات مستوردة وبنية تحتية شبه منهارة، بدلاً من النفط الصخري الذي يُضخ مباشرة إلى السوق؟، وماذا يحدث للعقود إذا تغيّرت الإدارة الأميركية أو تبدلت موازين القوى في الكونغرس؟، وهل تكفي وعود حاكم البيت الأبيض لحماية استثمارات بمليارات الدولارات من ذاكرة التأميم المتجذرة في النظام الفنزويلي؟.

تساؤلات حائرة حول معادلة الربح والجدوى الاقتصادية:
من سيتحمل كلفة إعادة بناء الحقول وخطوط الأنابيب والمصافي التي تعرضت لـ«الكانيباليزم»؟، وكم تبلغ التكلفة الحقيقية للبرميل الفنزويلي بعد احتساب الأمن، والنقل، المذيبات، والديون المتراكمة؟، وهل ما زال النفط الفنزويلي اقتصادياً قابلاً للمنافسة في السوق العالمية عند أسعار تقل عن مستويات معينة؟
تساؤلات حائرة حول السوق والمنافسة:
لماذا تفضّل الشركات الأميركية زيادة إنتاجها المحلي في وقت تسمح فيه التشريعات بتسريع التراخيص وخفض المخاطر؟، وهل تحتاج السوق العالمية فعلاً إلى نفط فنزويلا في ظل نمو الإنتاج الأميركي والبدائل؟، وهل يمكن لخام ثقيل عالي التكلفة أن ينافس نفوطاً أخف وأرخص في بيئة عالمية تتجه إلى الانضباط الرأسمالي؟
اجمالي القراءات 18
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more