ديالى العراقية بلا تنوّع: 15 عائلة مسيحية فقط بعد التهجير

اضيف الخبر في يوم الخميس ٠١ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


ديالى العراقية بلا تنوّع: 15 عائلة مسيحية فقط بعد التهجير

في مشهد يختصر سنوات طويلة من الهجرة القسرية والتراجع الحاد في حضور المكوّن المسيحي، أحد أقدم المكوّنات الاجتماعية في محافظة ديالى العراقية، أكد مسؤولون محليون، أخيراً، أن عدد العائلات المسيحية المتبقية في المحافظة لا يتجاوز 15 عائلة فقط، رغم ما تتميز به ديالى من تنوّع سكاني واسع. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية عن المخاطر التي تتهدد هوية هذا المكوّن، ويعيد فتح الملف بوصفه قضية مجتمعية ذات أبعاد سياسية، تمسّ مفاهيم الاستقرار والتعايش وإدارة التنوع في واحدة من أكثر محافظات العراق حساسية خلال العقدين الماضيين.

وعُرفت ديالى، ولا سيما مركزها مدينة بعقوبة ومحيطها، تاريخياً بوصفها مساحة للتعدد الديني والقومي، وكان المسيحيون جزءاً فاعلاً من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي، حاضرين في التجارة والتعليم والوظائف الحكومية، ومشاركين في الحياة العامة من دون حواجز تُذكر. غير أن هذا المشهد تبدّل جذرياً بعد عام 2003، مع تصاعد الاضطرابات الأمنية وظهور الجماعات المسلحة، قبل أن يبلغ ذروته خلال سنوات العنف الطائفي، وما رافقها من تهديدات واستهدافات مباشرة وغير معلنة، ثم سيطرة تنظيم "داعش" على أجزاء من المحافظة عام 2014، وهي عوامل دفعت مئات العائلات المسيحية إلى مغادرة ديالى بحثاً عن الأمان.

وبحسب شهادات مسيحيين، لم تكن الهجرة خياراً طوعياً، بل نتيجة شعور دائم بالخطر وغياب الحماية. ويقول داود متى، أحد أبناء الطائفة الذين نزحوا إلى محافظات أخرى، إن "قرار المغادرة جاء بعد سلسلة من المضايقات والتهديدات من قبل فصائل مسلحة، وسط عجز واضح عن توفير حماية حقيقية أو محاسبة قانونية". وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، اليوم الأربعاء، أن "الكثير من العائلات تركت منازلها وممتلكاتها على أمل العودة السريعة، لكن السنوات مرّت من دون حلول، فتحول النزوح المؤقت إلى هجرة طويلة الأمد".

هذا الواقع أكده عضو مجلس محافظة ديالى، نزار اللهيبي، الذي أوضح أن إجمالي العائلات المسيحية المتبقية في المحافظة لا يتجاوز 15 عائلة. وقال اللهيبي، في تصريح صحافي، إن "الظروف الصعبة التي مرت بها ديالى بعد عام 2003، ولا سيما الاضطرابات الأمنية، كانت السبب الرئيس في هجرة العشرات من هذه العائلات إلى محافظات أخرى". وأضاف أن "مجلس ديالى يتبنى دعوة شاملة لعودة هذا المكوّن الأصيل، ولا سيما في ظل الاستقرار الأمني وحالة الطمأنينة التي تشهدها المحافظة"، مؤكداً أن "المسيحيين جزء لا يتجزأ من مجتمع ديالى".
وفي محاولة لإظهار الجدية في إعادة إحياء الحياة الدينية والاجتماعية للمسيحيين، أشار اللهيبي إلى "وجود كنيسة داخل مدينة بعقوبة جرى تأهيلها بما يتلاءم مع واقعها لإقامة القداس"، معتبراً أن هذه الخطوة "رسالة بأن ديالى آمنة وترحب بعودة أبنائها من المكوّن المسيحي".



في المقابل، يرى ناشطون مسيحيون أن ملف المسيحيين في ديالى عانى إهمالاً طويلاً، ولم يُدرج ضمن أولويات المعالجات الحكومية، سواء على المستوى المحلي أو لدى الحكومة المركزية. ويقول الناشط سامي إلياس إن "غياب الخطط الواضحة لإعادة المهجّرين، وضعف الإجراءات القانونية لاستعادة الممتلكات المصادَرة، ولا سيما الخاصة بالمسيحيين، فضلاً عن استمرار نفوذ السلاح خارج إطار الدولة، كلها عوامل أبقت هذا الملف عالقاً لسنوات". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "الحديث عن الاستقرار لا يكفي ما لم يُترجم إلى ضمانات ملموسة يشعر بها المواطن العائد في تفاصيل حياته اليومية".

ويربط مسيحيون استمرار عزوفهم عن العودة بالحاجة إلى ضمانات أمنية حقيقية تتجاوز التصريحات الإعلامية، تشمل منع أي اعتداء محتمل، وحماية الممتلكات من التجاوز أو المصادرة، وضمان سيادة القانون على الجميع من دون استثناء. وتقول سارة يوسف، وهي مسيحية تقيم حالياً في أربيل، لـ"العربي الجديد"، إن "العودة إلى ديالى تعني إعادة فتح جراح قديمة، والعائلات تحتاج إلى طمأنات جدية إلى أن ما حدث في السابق لن يتكرر".

ويرى مراقبون أن غياب المسيحيين عن ديالى يمثل خسارة تتجاوز البعد العددي، إذ ينعكس سلباً على صورة المحافظة بوصفها منطقة متعددة، ويطرح تساؤلات عن قدرة الدولة على حماية مكوّناتها الأصغر. ويقول الأكاديمي المتخصص في شؤون الديانات، علاء عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن "أي استقرار حقيقي في ديالى سيظل منقوصاً ما لم تُستعد المكوّنات التي غادرتها قسراً، وفي مقدمتها المكوّن المسيحي، بوصفه رمزاً للتعايش ومؤشراً على عودة الثقة بين المواطن والدولة".

وتعرّض المسيحيون في العراق خلال السنوات الماضية لاضطهاد واسع، فبعد تهجيرهم من مناطق في الشمال على يد تنظيم "داعش"، واجهوا استهدافاً من أحزاب ومليشيات عبر الاستيلاء على ممتلكاتهم وعقاراتهم، ما أجبر الآلاف على النزوح داخل البلاد أو الهجرة خارجها. وفي ظل ضعف الثقة بتعهدات الجهات الرسمية، تلقت وزارة العدل العراقية وجهات تمثيلية مسيحية خلال الأشهر الأخيرة شكاوى عديدة تؤكد استمرار الاعتداء على ممتلكات المسيحيين ومحاولات الاستيلاء عليها من قبل جهات متنفذة في عدد من المحافظات.
اجمالي القراءات 21
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق