بقلم : شادي طلعت:
توفيق عكاشة السياسي الذي أزعج الجميع

شادي طلعت Ýí 2026-05-09


ليس كل من اعتلى الشاشات صار إعلامياً، ولا كل من صرخ في الجماهير صار صاحب تأثير، فثمة رجال إذا تحدثوا اهتزت الساحة، وإذا صمتوا بقي صدى أصواتهم يدور في الأروقة والطرقات.
ومن هؤلاء الدكتور/ توفيق عكاشة، ذلك الرجل الذي خرج من قلب الريف المصري، يحمل في نبرته خشونة الأرض، وفي ذهنه دهاء السياسة، وفي حضوره قدرة عجيبة على أسر الجماهير واستفزاز الخصوم معاً.
لقد بزغ اسم توفيق عكاشة في مرحلة كانت من أخطر المراحل التي مرت بها مصر الحديثة، مرحلة اختلطت فيها الرايات بالرؤى، وتشابكت فيها الشعارات بالمؤامرات، وارتفعت فيها الأصوات حتى كادت الحقيقة تضيع بين ضجيج الميادين وصخب الشاشات.
فقد عاصر الرجل أحداث ثورة 25 يناير، وهي اللحظة التي تبدل فيها وجه المشهد السياسي، وانقلبت فيها موازين القوى، وتصدعت خلالها مؤسسات، وبرزت أخرى، حتى انتهى الأمر إلى مشهد 30 يونيو 2013، الذي غير مسار الدولة المصرية من جديد.

وفي خضم تلك العواصف، لم يكن توفيق عكاشة، مجرد مذيع يقرأ الأخبار، بل كان لاعباً سياسياً يتحرك داخل المشهد بعقل يقرأ الخرائط قبل العناوين، ويستشرف المآلات قبل وقوعها.

وقد عرفته عن قرب، فما رأيت فيه إلا رجلاً إذا عاهد أوفى، وإذا صادق صدق، وإذا تحدث عن الوطن قدمه على نفسه وراحته ومصالحه.
كان صلباً في مواقفه، لا يحنو أمام الخطر، ولا يتراجع إذا اشتد الطريق، وكأنما خُلقت في قلبه جرأة لا تعرف الانكسار، وعزيمة لا تستأنس بالفرار.

ولعل كثيرين لا يعرفون من (توفيق عكاشة) إلا صورته الشعبية القريبة من البسطاء، صورة (ابن البلد) الخارج من طين مصر وترابها، وهي صورة صحيحة لا ريب فيها، لكنها ليست الصورة الكاملة.
فالرجل، إلى جانب بساطته، فهو صاحب ثقافة واسعة، واطلاع عميق على التاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية، وله قدرة لافتة على قراءة التحولات الإقليمية وربطها بمصالح الدول ومسارات الصراع.
وكان يملك موهبة نادرة في مخاطبة الجماهير، موهبة لا تدرس في معاهد الإعلام، ولا تشترى بالشهرة أو المال، بل هي هبة يختص الله بها من يشاء.

ولقد حاول كثيرون تقليده في طريقته وأسلوبه وحضوره، غير أن التقليد ظل قشرة بلا روح، وصوتاً بلا أثر، لأن الحضور الحقيقي لا يستعار، والكاريزما لا تستنسخ.

وإذا كان الرجل قد ابتعد عن المشهد الإعلامي والسياسي في مراحل لاحقة، فإن ابتعاده لم يكن دليل انتهاء، بل ربما كان دليل خشية من تأثيره، فبعض الرجال إذا حضروا أربكوا الحسابات، وكشفوا ما يراد له أن يبقى في الظلال.

وهنا تكمن المفارقة، إذ كثيراً ما تقصى العقول الحادة لا لعجزها، بل لفرط قدرتها على التأثير.

لقد كان (توفيق عكاشة) رجل سياسة أكثر منه رجل شاشة، ولو أُطلق له العنان في فضاء العمل السياسي لربما كان له موضع آخر، ومقام غير الذي انتهى إليه.

غير أن تمسكه الشديد بقناعاته، واعتزازه الصارم بنفسه، ورفضه الانحناء لكثير من الحسابات التقليدية، كل ذلك جعله يدفع أثماناً سياسية باهظة، ففي عالم السياسة كثيراً ما يكافأ المرن، ويحاصر الصلب.

والحقيقة أنني حين قررت كتابة هذه السطور، لم يكن الدافع مجرد الإشادة بشخص، بل كان سؤالاً يؤرقني :
• هل كانت مصر في غنى عن صوت يملك هذا القدر من الجرأة والقراءة السياسية ؟
• وهل إذا كان رجل مثل (توفيق عكاشة) قد أجبر على الابتعاد، فمن بقي في الساحة ممن يملكون ذات الحضور والتأثير والقدرة على مخاطبة الشارع المصري ؟

إنها مصر، ذلك الوطن الذي كثيراً ما أرهق أبناءه النابغين، حتى صار تاريخها مليئاً بحكايات رجال سبقوا زمنهم، فعوقبوا بدل أن يكرموا، وحوربوا بدل أن يحتفى بهم.
غير أن الأيام مهما طال ليلها، لا تبقي إلا الأثر الصادق، ولا تنصف إلا أصحاب البصمة الحقيقية، فربّ رجل غاب جسده عن المشهد، وبقي حضوره أقوى من حضور كثيرين يملؤون الضجيج بلا معنى.

وفي النهاية أقول :
إن الرجال من طراز (توفيق عكاشة) لا تنتهي صلاحيتهم بانتهاء برنامج، ولا تنطفئ أسماؤهم بإقصاء أو غياب، فبعض الشخصيات السياسية أشبه بالشجر العتيق، كلما عصفت به السنون ازداد رسوخاً وامتد ظله.
وسيظل الرجل في نظر محبيه وخصومه معاً حالة استثنائية يصعب تكرارها، وصوتاً خرج من قلب الريف المصري ليطرق أبواب السياسة والإعلام بعنفوان لم تعهده الساحة من قبل.

وعلى الله قصد السبيل

شادي طلعت

#شادي_طلعت
#توفيق_عكاشة_السياسي_الذي_أزعج_الجميع

اجمالي القراءات 11

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-11-20
مقالات منشورة : 384
اجمالي القراءات : 4,548,389
تعليقات له : 79
تعليقات عليه : 230
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt