عادل بن احمد Ýí 2026-01-14
نعيش اليوم حالة فصام في مجتمعاتنا؛ فبينما تزدحم المكاتب الحكومية بسجاجيد الصلاة، وتلهج ألسنة الموظفين والمسؤولين بالتسبيح، تزدحم الأدراج بملفات المواطنين المعطلة وحقوقهم المهدرة. لقد نجح "الدين الأرضي" الموروث في خداعنا، فأقنع الموظف العام بأن الأمانة مجرد ركعات يؤديها أو مسبحة يقلبها، ليغض الطرف بضمير مرتاح عن جريمة التسويف وتعطيل مصالح العباد، متناسياً أن ما يفعله ليس مجرد "بيروقراطية"، بل خيانة عظمى للعرض الإلهي الأكبر.
المسألة تبدأ من قراءة قاصرة للنص القرآني؛ فقوله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"، لا يتحدث عن "وديعة مالية" كما صورها لنا فقهاء السلاطين، بل يتحدث عن "مسؤولية الاختيار". الوظيفة العامة هي أخطر تجليات هذه الأمانة؛ فالمسؤول حين يوقع عقده، يدخل في "ميثاق" لخدمة الناس، وأي تلاعب في هذا العقد تكاسلاً أو تعقيداً هو التطبيق العملي للظلم والجهل الواردين في الآية.
ومن رحم هذا "الجهل" بطبيعة الأمانة، وقعنا في الكارثة الحقيقية؛ وهي ذلك الفصل المصطنع بين "الكفاءة" و"التقوى". لقد برمجنا التراث على أن "الرجل الصالح" هو درويش المسجد، فولّينا المناصب لمن يحمل "السمت" ولو كان رأسه فارغاً من أدوات العصر، متجاهلين أن الحمل الثقيل يحتاج لظهر قوي لا لنوايا طيبة فقط. القرآن ينسف هذا العبث ويضع معادلة صارمة: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ". لا ينفع هنا "صلاح النوايا" مع "فساد العمل"؛ فالموظف الطيب الذي يجهل التكنولوجيا أو القوانين هو في ميزان القرآن "فاقد للأهلية"، وبقاؤه في منصبه جريمة، فالعجز الإداري ليس قضاءً وقدراً نرضى به، بل هو نقص في "القوة" الواجبة لا يعوضه طول السجود."
هذا النقص هو ما يفتح الباب لـ "وحش البيروقراطية" ليأكل أموال الناس بالباطل. قد يظن الموظف أن الحرام هو "الرشوة" فقط، لكن أليس الوقت هو "رأس مال" الإنسان؟ أليس تعطيل مصالح الناس في طوابير الذل سرقة لأعمارهم؟ حين يقول الله: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ"، فالبيروقراطية هي البوابة الخلفية لهذا الأكل؛ المواطن يدفع لينجز حقه، والمشاريع تموت في انتظار توقيع "سيادته". من يغلق بابه، أو يتلذذ بعبارة "ارجع غداً" وهو قادر على الإنجاز اليوم، هو شريك أصيل في منظومة "الفساد في الأرض"، يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
ولنكن صرحاء، لن تجدي نفعاً كل مليارات الرقابة والكاميرات، أصبح التحايل على رقابة البشر ممارسة متقنة. الحل الوحيد يكمن في استعادة "الرقابة القرآنية"؛ تلك التي تؤسس لضمير يرتجف من قوله تعالى: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ". خائنة الأعين هنا هي تلك النظرة في الهاتف لسرقة وقت العمل، هي تمييز "ابن العم" على حساب الغريب، هي نية التعقيد لإظهار النفوذ. هذه تفاصيل لا يمسكها قانون، يمسكها فقط يقين الموظف بأنه في "محراب عمل" لا يقل قداسة عن محراب الصلاة.
آن الأوان لنكف عن خداع أنفسنا؛ ما تعاني منه أوطاننا ليس فقراً في الموارد، بل "أزمة أمانة" نخرت العظام. الوظيفة العامة استخلاف لا تشريف، وتعطيل مصالح العباد صدّ عن سبيل الله. وليعلم كل جالس على كرسي المسؤولية أن السؤال يوم الحساب لن يكون عن عدد الركعات فحسب، بل سيكون عسيراً عن حقوق ضاعت في الممرات المظلمة، وعن قهر البسطاء أمام شبابيك الإدارة. يومها لن ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، ويدٍ نظيفة، وعملٍ متقن.
القرآن المجهور في الصلاة.. المهجور في الحياة: فصام الشخصية المسلمة المعاصرة
فقه التخدير: حين يُستخدم "القضاء والقدر" للتغطية على "الفساد والهدر"
إسلام بلا كهنوت، بلا وسطاء، وبلا أعذار أخلاقية
الأمانة الوظيفية: بين "الطقوس الشكلية" و"الميثاق القرآني الغليظ"
دعوة للتبرع
فوائد البنوك حلال: أنا مسلم عربي مقيم في كندا ومن المعج بين ...
فى بحث التراث: قرأت لك مرة إشارة للمشا كل التى يقع فيها...
نتمنى ذلك ولكن: الساد ة اهل القرا ن وفقكم اللة في خدمة...
الربيع العربى: أرجو بإختص ار تقييم ك للربي ع العرب ى الذى...
سبأ 2 : ما معنى أن الله سبحان ه وتعال ى ( يَعْل َمُ ...
more