عادل بن احمد Ýí 2026-01-18
نحن أمة "ضجيج" بامتياز. لا توجد أمة على وجه الأرض تصرخ بمبادئها عبر مكبرات الصوت خمس مرات في اليوم كما نفعل، ولا توجد أمة تدوس على نفس هذه المبادئ بأقدامها بمجرد خروجها من باب المعبد كما نفعل. إنه "الفصام النكد" الذي حولنا إلى مسخ حضاري؛ فالمساجد تضج بالبكاء والخشوع، والشوارع تضج بالغش والكذب والفوضى. هذا التناقض ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تربية دينية مشوهة علمتنا أن "نقدس النص" كتميمة، و"نهجر المعنى" كقانون.
المصيبة تبدأ من تعاملنا مع القرآن الكريم باعتباره "مشروعاً صوتياً" لا "مشروعاً نهضوياً". لقد نجح "كهنوت التراث" في اختزال الكتاب الإلهي في "مخارج الحروف" و"المدود" و"المقامات"، فأصبحنا نقيّم الإيمان بجمال الصوت لا بجمال العمل. ترى المسلم يقرأ في صلاته جهرًا وبصوت رخيم: "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ"، وتبكي عيناه خشوعاً، لكنه في صباح اليوم التالي يذهب إلى دكانه ليغش في الميزان، أو يذهب إلى مكتبه الحكومي "ليطفف" في وقت العمل ويسرق ساعات الدوام. هو لا يشعر بأي تناقض، لأنه برمج عقله على أن الآية "للتلاوة والحسنات" والواقع "للشطارة والفهلوة".
وما ساعد على ترسيخ هذا الفصام هو تلك الأحاديث التي حولت القرآن إلى "عداد حسنات" رقمي، مفصول تماماً عن التدبر والعمل. خذوا مثلاً الحديث الشهير الذي يحفظه الصغير والكبير: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا...». هذا الطرح الرقمي البحت رسخ في اللاشعور الجمعي فكرة أن "الهدف هو القراءة" لتجميع النقاط، بغض النظر عن الفهم أو التطبيق. أصبح المسلم يلهث لختم القرآن في رمضان عشر مرات "ليجمع الملايين من الحسنات"، بينما هو لم يطبق آية واحدة تنهى عن قول الزور أو أكل الربا. إنه يتعامل مع الله بعقلية "التاجر الجشع"، لا بعقلية "المؤمن المتبع".
هذا هو الهجر الحقيقي الذي خافه الرسول. حين قال الله تعالى: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"، لم يكن يقصد هجر "المصاحف" التي نغلفها بالذهب والقطيفة، ولا هجر "الإذاعات" التي تصدح بالقرآن 24 ساعة في المحلات والسيارات؛ بل كان يقصد هجر "التحكيم" وهجر "الأخلاق". نحن قوم اتخذنا القرآن "تعويذة" للحفظ من الحسد، و"بركة" توضع في تابلوه السيارة، لكننا هجرناه كدستور للعلاقات البشرية.
انظر حولك في الواقع لتشاهد "الفضيحة": المسؤول الذي يفتتح مؤتمره بآيات العدل هو نفسه الذي يظلم. والمواطن الذي يضع آية "إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ" خلف مكتبه، هو نفسه الذي يطلب الرشوة لتمرير المعاملة. هذا ليس مجرد نفاق، بل هو كفر عملي بآيات الله، حتى وإن صام وصلى وزكى. الله يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ". "المقت" هو أشد درجات الغضب، ونحن نعيش تحت هذا المقت الإلهي لأننا حولنا الدين إلى ظاهرة صوتية.
الحقيقة المرة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا هي أن "إسلام الطقوس" قد ابتلع "إسلام القيم". لقد استبدلنا الدين الحق الذي جاء لتهذيب السلوك، بدين أرضي مخترع يركز على الشكل؛ طول اللحية، قصر الثوب، وحسن التلاوة. أما الصدق، والأمانة، وإتقان العمل، ونظافة الشارع، واحترام المواعيد، فقد اعتبرناها "أموراً دنيوية" لا علاقة لها بالدين! لذا لا تعجبوا إن كنا أكثر الأمم "قراءة" للقرآن، وأكثر الأمم "بعداً" عن تحضره ورقيه.
الخلاصة، كفوا عن خداع أنفسكم. الله لا يبحث عن "أصوات جميلة" في المحاريب، بل يبحث عن "ضمائر حية" في الأسواق والمكاتب. قراءة القرآن دون عمل هي حجة عليكم لا لكم، والصراخ بالآيات عبر المكبرات لن يغطي على رائحة الفساد التي تزكم الأنوف. إما أن يتحول القرآن إلى سلوك يمشي على الأرض، وإما أننا سنظل نردد كالبعبغاوات كلاماً مقدساً بأفعال نجسة، وننتظر نصراً لن يأتي أبداً.
القرآن المجهور في الصلاة.. المهجور في الحياة: فصام الشخصية المسلمة المعاصرة
فقه التخدير: حين يُستخدم "القضاء والقدر" للتغطية على "الفساد والهدر"
إسلام بلا كهنوت، بلا وسطاء، وبلا أعذار أخلاقية
الأمانة الوظيفية: بين "الطقوس الشكلية" و"الميثاق القرآني الغليظ"
دعوة للتبرع
الشهادة فى سبيل الله: هل الشهي د في سبيل الله حى لم يمت ، وهل هذا دليل...
الأحاديث المفيدة: الا تعتقد بان ولو اليسي ر مما قوله الرسو ل ...
واطيعوا الرسول: اذا كان معنى اطيعو ا الرسو ل هو اطيعو...
وهذا ما نفعله : هل القرا ءة فى كتب الساب قين مثل التور اه ...
عمل غير صالح : شيخ الجام ع خطب في موضوع ابن نوح وقرأ الاية 46...
more