غالب غنيم Ýí 2012-10-19
في البحث عن الإسلام - الطعام والطيبات في القرآن الكريم - الدخان والخمر
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد والشكر لله رب العالمين
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر - 36
وجائت الخمر بطرق ليست مباشرة في القرآن الكريم، بل بتسمية وعائها، مما هو معلوم عندنا،أي الكأس، ومنها قول الله تعالى (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) الصافات – 45:47
وهنا تم التمييز بين خمر الدنيا وخمر الآخرة بأنه لا غول في خمر الآخرة، وسنأتي إليها لاحقا.
والكأس يستخدم في الجنة لشرب كثير من أنواع الشراب المختلف، ومنه الخمر، ونذكرها هنا بسبب تمييزها عن كأس الدنيا، من خمر، ولفهم ماهية خمر الدنيا من خلال فهم ماهية خمر الآخرة! (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) الواقعة – 18:19
(يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) الطور – 23
ومن هذه الآيات نعلم أن تاريخ الخمر بتاريخ البشر أنفسهم، بل هو منذ الأزل، منذ خلق الجنة، ولكن مالفرق بين خمر الآخرة وخمر الدنيا؟ سنأتي إلى هذا لاحقا إن شاء الله تعالى، في نهاية بحثنا.
______________
الخمر في الدنيا:
ورد الخمر في آيات تمسنا نحن، وعلينا التوجه إليها كما وردت، وليس كما تراه أنفسنا وواقعنا ورؤيتنا التاريخية أو الإجتماعية. ولكن قبل التعرض لهذه الآيات علينا أن نعي وعيا جيدا أن إلصاق كلمة على كلمة تشبهها لفظا في القرآن الكريم، هو توجه غير سليم لفقه القرآن وفهمه، وأحيانا قد يصل إلى مرحلة المعاجزة، وجعل القرآن دين عسر وإصر وأغلال، ومنها خلط الكثيرين بين كلمة (بِخُمُرِهِنَّ) مع كلمة (الْخَمْرِ) حيث هما كلمتان مختلفتان تماما، وكل ما نحن فيه الآن من ضلال في فهم الأمر هو بسبب هذا الخلط بينهما، حيث أن ما يغطى به الجيب – الصدر – عند المرأة هو اسمه بضم الخاء والميم جمعا، أي (خُمُر)، وليس كالخَمْرِ الذي جمعه شيء آخر، وهو نفسه! ، وهذا ما جعلنا ننظر للخمر على أنه "يخمر الدماغ كما يقال مثل الخمار الذي لم ينزل الله تعالى به من سلطان، والذي وضعوه على الرأس ومكانه الجيب في القرآن الكريم!
فالخَمْر مفرد وجمع في نفس الوقت مثل كلمة نهار. قلا نجمع الْخَمْر على أنه خُمُر والذي مفرده خمار!.
ومنه، لا علاقة لآية غطاء الجيب بالخَمْر ابدا، ولمن لا يعلم، ليس شرطا تغطية الخمر ليخمر، فعملية تخميره تتم من داخله وليس من الخارج بتغطيته، وهذا فرق جديد عن الخمار.
والله تعالى ذكر الخمر في الآيات التالية:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ....) البقرة 219 وجزء من 220 .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) المائدة 90:93
أما بالنسبة لكلمة "سكران و سكر" فلن أتعرض لها هنا فمفهومها اليوم غير مفهوم البارحة، ولكل رأيه فيها، وفقط اقول أن كلمة السكر جائت بمدلولين في القرآن الكريم أحدهما هو الحلو من النبات مثل العنب والتمر، والآخر هو غياب الذهن النابع عن إنغلاق البصيرة (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) الحجر - 15
أو النابع عن هول الموقف (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ق - 19 ، (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) الحج - 2
والتعرض لها هنا لن يفيدنا بشيء في فهم الموقف القرآني من الخمر!
ومنه، ومن خلال الآيات أعلاه، نبدا في فهم موقف القرآن الكريم من الخمر بأسلوب الباحث عن الحقيقة وليس عن المعروف بين افراد المجتمع، فالمجتمعات كلها تحت هيمنة القرآن الكريم، وليس فئة محددة من الناس من الذين يكرهون الخمر اصلا بنظرة شخصية بحتة، وهذا ما لن نقع فيه هنا بإذن الله تعالى.
هنا يوجد موردان للخمر، حيث تم ذكر الخمر فيهما، الأول هو مورد البقرة، العام في حكمه، والثاني المفصل له – جزئيا - وهو مورد المائدة، من سورة المائدة، حيث وردت اغلب مسائل "الطعام" في القرآن الكريم قديمها وحديثها، بإصرها وأغلالها، والمخفف منها، في القرآن الكريم.
______________
عالمية الخمر :
كما تبين لنا أعلاه، من تاريخ الخمر في القرآن الكريم، أن الخمر مسألة عالمية بشرية إنسانية منذ الأزل، وهي من القرآن موجودة منذ بدء الخلق وليس منذ زمن محدد.
فكما الخمر موجود على الأرض، هو موجود في السماء، ومن خلال فهمنا وتدبرنا لخمر السماء، سنصل إلى حكم وفهم خمر الأرض. والإنسان ربط وجوده بالخمر هنا وهناك، وهذا أمر محتم مفروغ منه نراه من حولنا كل يوم في كل وقت وزمان، ولن أكابر في آيات الله تعالى وخلقه.
______________
الخمر والرجس والتحريم
هل الخمر رجس أم فيه رجس؟ ولم امر الله تعالى باجتناب الرجس وليس الخمر؟ وهل فصل هذا في كتابه العزيز؟
بحثنا سيكون مبنيا على فهم عام لآيات الخمر الأرضي – خمر الدنيا – ثم نربطه بخمر الآخرة، لنصل إلى مراد الله تعالى من الخمر كله!
أولا: من مورد البقرة – 219 نرى بكل بيان أن الله تعالى ربط الخمر والميسر بالإثم، وحدد أن فيهما إثم كبير، وأن فيهما منافع للناس، ورجح كفة الإثم فيهما على كفة النفع، بأن قال إن إثمهما اكبر من نفعهما، وهذا موقف عام، يحتاج لتفصيل من القرآن الكريم، الذي نبحث عنه في بقية الآيات، لكي نعلم أين هو الإثم فيهما، وأين نفعهما! ، وسأناقش الخمر فقط هنا بشكل رئيسي.
ولا بد لنا من ملاحظة الكلمات التالية، ففيها ما فيها من علم سنعود لإكتشافه :فيهما، إثم، نفع ، أكبر!
ثانيا : من مورد البقرة نرى أنه قد تم إضافة أمور أخرى إلى جانب الخمر، وتم تعريفها كلها، على ان تلك الأمور كلها، هي في طبيعتها "رجس من عمل الشيطان" فجاء الأمر باجتناب الرجس "فيه"، ولم يأت الأمر باجتناب كل هذه الأمور بشكل صريح بين!
فالله تعالى أمر بشكل بين واضح فقال سبحانه (فَاجْتَنِبُوهُ) أي الرجس، ولم يقل فاجتنبوها، أي تلك الأمور!
لا يجب هنا أن نذهب لما تصف ألسنتنا أبدا، بل اعتماد كلام الله تعالى فقط، والخمر في الحكم هنا ليس مثل الأزلام والأنصاب مثلا! فالأزلام والأنصاب تم تحديد صفات أخرى فيها غير الرجس، على أن استخدامها بشكل سيء هو فسق بين، في موارد أخرى للقرآن الكريم، حيث تم تفصيل الأزلام والأنصاب وكيفية استخدامها،بحيث يطالنا الرجس والفسق، فالأزلام والأنصاب مثلا، ليست محرمة ابدا، بل المحرم هو "الإستقسام بالأزلام" و "الذبح على النصب" ، وليست هي محرمة بذاتها ابدا.
علينا أن نفرق بين الشيء واستخدام الشيء أو إساءة إستخدام الشيء.
ولم يتم نعت الخمر بالفسق، بل تم نعت الخمر بحمله الرجس بين ثناياه، ومن هنا نبدأ فهم مورد البقرة حين قال تعالى (فِيهِمَا) ولم يقل "فهما"، وهنالك فرق كبير بين إحتواء الخمر للرجس وكونه رجسا، فلو قال تعالى في مورد البقرة "فهما" إثم كبير ، لما بحثنا في الأمر أصلا، ولكنه قال (فِيهِمَا) إثم، أي في تناولهما بكثرة (فتعاطى) بشكل يؤدي إلى رجس و إثم (فعقر).
ومن يقل أن الخمر رجس من الآية فهو تغاضى عن جمع مجموعة من الأشياء التي تحوي بداخلها رجس مثل الميسر والأزلام والأنصاب، والتي لا يمكن أن تكون كلها رجس في ذاتها!
ففي قوم صالح صاحبهم (تعاطى) فأصابه الرجس (فعقر)! والتعاطي من العطاء، اي الإكثار من بذل الشيء، وهو أكثر من شرب الخمر لهدف في نفسه، كي يكسر حاجز الخوف عنده، فجائت الصيغة "تعاطى"، وكأنه كان مدمنا على الشرب، فالعطاء من الكثرة.
وفي مورد المائدة تم النهي والأمر بإجتناب الرجس في تلك الأمور، وإلا كانت النصب – التماثيل كلها – حراما! وخاصة أن النهي والأمر بالإجتناب كان عن الرجس وليس عن المجموعة نفسها!
والأمر الذي أريد أن أذكركم به أن الله تعالى فصل في أماكن أخرى الأزلام والأنصاب وأضاف إليها صفات أخرى، ومن هذا لا يمكننا النظر إلى كل تلك المجموعة من الأمور على أنها أمر واحد، بل يجب بحث كل أمر لوحده، في ذاته، وتفصيله، لنفهم كل أمر منها، وكيف يتم استخدامه، وهل حرم شيء من استخدامه أم حرم كله!
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة – 3
أليس كلام الله تعالى بين مبين بذاته؟!!
فإن حرم الله تعالى الذبح على النصب والإستقسام بالأزلام ولم يحرم النصب عامتها لعلمه بكثرتها في الأرض ولم يحرم الأزلام بعامتها لعلمه باستخدامات أخرى لها في الأرض فكيف نحرم الخمر الذي قال عنه أن فيه منافع للناس؟! كيف نحرم شيئا قال عنه الله تعالى أن فيه منافع حتى لو قليل!
فالقليل من المنافع لا يجعله غير مؤهل للإستخدام البشري، ولا يجعل منه حراما، فالحرام من حرمات الله تعالى التي لا يجب أن نعتدي عليها أبدا.
ثالثا: من مورد المائدة المفصل "جزئيا" لمورد البقرة – حيث بقية التفصيل في آيات الآخرة والجنة! - نرى أن الله تعالى يهدينا إلى السبيل السليم في كل شيء، وإلى الوسطية والإعتدال في كل شيء،فهو لم يحرم الخمر، ولكنه بين لنا ما فيه من رجس، فنهانا عن الرجس فيه، وأن نغلوا في الأمر، وسالنا مستفسرا ومستنكرا إن سننتهي عن الرجس فيه؟ حيث فصل الرجس فيه بكونه سبب للعداوة والبغضاء وفيه صد عن الصلاة ، وهنا التعليل والتفصيل الأول – الدنيوي – للرجس في الخمر، وسنعود إليه لاحقا أدناه، ولكن، وبالرغم من كل هذا، لم يحرمه، بل صرح بكون القليل منه ليس إثما، بقوله بعد ذلك ، انه ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طَعِمُوا بشروط، والشروط ليست سهلة إلا على المحسنين (إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ)، فالأمر كله مربوط بالتقوى!.
وكلمة طعموا – يطعم تم تفصيلها في الجزء الأول من الدراسة، ومفادها في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أي كمية قليلة! والإستثناء للطعم هنا جاء للقليل منه فقط.
رابعا: في قوله تعالى (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)، هل في هذا ما يدعونا إلى إدعاء التحريم للخمر؟ الله تعالى يتكلم هنا بعمومية عن الخمر والميسر، وبأن فيهما منافع، وبأن (فيهما) إثم ، وأن هذا الإثم أكبر من النفع، أي هي عملية مفاضلة، تعليمية، لكي نفقه ماهيتهما، بأن الغلو فيهما يؤدي إلى إثم كبير تم تفصيله في آيات أخرى، وعليه، علينا البحث أخيرا عن الإثم في الخمر!
______________
الإثم في الخمر:
كون الشيء يحمل في أسلوب استخدامه بشكل سيء مسيء إثما لا يعني حرمته، فكم من شيء نستخدمه ونستهلكه في حياتنا اليومية، لو اسأنا إستخدامه فسنرتكب آثاما كثيرة، فحتى أبسط الأشياء مثل "الموبايل" – الهاتف النقال – يمكننا أن نستخدمه في نشر الفساد والنميمة وغيرها بشكل سريع جدا! فهل نحرمه بسبب إساءة استخدامه؟! كما فعل كثيرون ممن حرموا التلفاز والإنترنت وغيره!
من هنا، نبحث عما يجعل خمر الدنيا مجلبة للإثم بارتكاب الرجس ، ومن الآيات أعلاه في خمر الآخرة نستنتج ما يتميز عنه خمر الآخرة عن خمر الدنيا، أن في خمر الدنيا عيوب، ومن هذه العيوب التي سأقوم بعكسها – أي اقوم بالحصول عليها بعكس ميزات خمر الآخرة - لكي نصل إليها:
- سبب للعداوة
- سبب للبغضاء
- فيه صد عن الصلاة
- فِيهَ غَوْلٌ
- يُصَدَّعُونَ عَنْهَ و يُنزِفُونَ
- فيه لَغْوٌ وفِيهَا تَأْثِيمٌ
فما معنى الكلمات السابقة؟
الغول نأخذه من المعجم لعدم وجود مورد آخر له في القرآن الكريم وبذلك لا بد أنه من العام من الكلم، فنجد أن مدلول الكلمة هنا هو الذهاب بالعقل وهلاك الشيء، من الإغتيال للشيء، أي أن خمر الجنة لا تذهب العقل ولا تغتاله ولا تهلك شاربه مهما أكثر منه.
يُصَدَّعُونَ وردت في اكثر من مورد في القرآن الكريم، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) الروم – 43، (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر – 21، (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) الحجر – 94 ، ومنها نرى بكل بيان ان مدلولها هو عدم الإعراض والإنصراف عن الشيء بل الإتجاه إليه والميل إليه رغبةوطاعة وتبعية،أي الرغبة الكاملة للشيء، كما الجبل من خشية الله تعالى متصدعا، أي متجها راغبا اتباعا وطاعة لله تعالى، ويوم القيامة يتجه ويرغب ويعترف ويتبع ويطيع الله تعالى كل الخلق حتى من كفر منهم وجحد به، ومنه نرى، أن اهل الجنة لا يتركون الكأس أبدا ويبتعدون عنه مهما أكثروا منه بل يبقون راغبين فيه مائلين إليه، بعكس أهل الأرض في الحياة الدنيا ممن يتناول الخمر بكثرة ثم يصل إلى مرحلة الإعراض والرفض والإبتعاد عنا حين يثمل من كثرته!
ومما قيل في المعاجم ان الصدع هو الشق إلى نصفين أو جزئين او شق الشيء بحد ذاته، معللين أمر الله تعالى للرسول الكريم بأن يصدع لأمر الله تعالى أي يفرق الأمور بين خير وشر، وهذا من غريب البيان، فالقرآن نفسه هو الفرقان، وليس علينا والرسول إلا إتباعه! وكلمة (فَاصْدَعْ) في الآية أعلاه جاء ما يقابلها من بيان بقوله تعالى (وَأَعْرِضْ)، ومنها بكل بيان نفهم أنه عليه ان يتجه ويرغب بأمر الله تعالى ولا يعرض عنه بل عن المشركين.
أخيرا كلمة ينزفون ولم أجد لها موردا مفصلا في القرآن الكريم وسأبحث عنها مما قيل في المعاجم، فهي لا بد من الشائع أيضا، مما لا يحتاج تفصيلا في القرآن الكريم، وربما هي ما تعودناه من نزيف الدم الذي يؤدي إلى انتهائه في الجسد، ومدلولها عن عدم إنقطاعها وعدم منعهم عنها بقطعها عنهم مهما شربوا منها، أي ان الله تعالى لن يقطعهم عنها ويقطعها ولن ينقطعون هم عنها أيضا حسب الموردين في القرآن الكريم، أي أن خمر الآخرة لا تقطع وتبقى دائمة مهما شربوا منها.
مما رأينا أعلاه، نرى أن كل ما ورد في خمر الآخرة لو عكسناه فسيكون ما تميز به عن عن خمر الدنيا الذي يذهب العقل بكثرته والذي ينقطع وليس بدائم، والذي يعرض عنه حتى شاربه إن أكثر منه ويمل منه وينصرف بعد شربه بكمية كبيرة عنه لا يستطيع الميل إليه او شربه في ذلك الوقت، أي أن خمر الدنيا يوصل شاربه إلى عدم التلذذ به حين يكثر منه، فيشمئز هو نفسه منه ويعرض عنه.
وهذه كلها صفات تأتي (فقط) بالإكثار منه وليس بطعمه. مهما كانت نظرتنا الشخصية للخمر!
الإكثار والإفراط في شرب الخمر له نتائج وخيمة على الذي يتعاطاه، نتائج تؤثر على جسده، وعلى سلوكه، فمن يكثر من الخمر لا بد أنه لن يؤدي الصلاة في وقتها وسيغيب عن الصلاة بكل اشكالها من تسبيح وصلة وكتاب موقوت! وهذا أمر طبيعي، بسبب نومه العميق بعد فقدانه ذاته من كثرة الخمر، ومن أكثر أسباب المشاكل بين البشر هي الخمر عادة، فهي تسبب جذب المشاكل والشتم والأذى مما يؤدي إلى البغضاء والعداوة بين الناس، كل هذا بسبب الإكثار من الخمر وليس بسبب تناول كمية قليلة منه، وهذا أمر لا جدال فيه في كل المجتمعات ، وهذا أمر معلوم عند الغرب كافة، وعند قليل من العرب ممن يتناولون الخمر باعتدال، بغض النظر عن ملتهم، مسيحيون أم مسلمون أم غيرهم!
وبسبب الخمر يكثر اللغط والكلام واللغو، وهذا ما تسببه الخمر، غير الغول أي كمن اغتيل دماغه، فلا يعرف من حوله ولا ما حوله، فيقع في الرجس بسهولة، وكل هذه الصفات تنتج فقط من الإكثار منه وليس من تناوله باعتدال.
خلاصة:
الخمر غير محرم بدلالة كتاب الله تعالى البين المبين لذاته، بل مسموح بالقليل منه إن أحسن الإنسان واتقى، ولكن منهي ومأمور باجتناب الرجس فيه، وهذا كثير الورود وكبير الإحتمال جدا لكل من يتناوله، وهنا نفهم قول الله تعالى حين وعظنا بأن إثمه أكبر من نفعه.
إنتهى.
والله المستعان
ملاحظة: لا حقوق في الطبع والنشر لهذه الدراسة، وإن كنت لم أصل إلى مراد الله تعالى الذي نطمح كلنا إليه –فهو سبب تدبرنا – فعسى أن تصححوا خطاي وأكون لكم من الشاكرين.
مراجع :
* المرجع الرئيسي الأساسي الحق – كتاب الله تعالى – القرآن الكريم
في البحث عن الإسلام – في البحث عن النبي – قوم النبيّ لم يأتهم نذير من قبل النبيّ – البحث الثالث -3
في البحث عن الإسلام – في البحث عن النبي – اصل قوم النبيّ – البحث الثاني - 2
في البحث عن الإسلام – في البحث عن النبي – اصل قوم النبيّ – البحث الثاني - 2
في البحث عن الإسلام – في البحث عن النبي – مقدمة في فهم واقعنا بين التاريخ والتأريخ – البحث – 1
في البحث عن الإسلام – مفهوم الأرحام بين التراث والقرءان – ما هي صلة الرّحِم – الجزء الرابع
دعوة للتبرع
ثلاثة أسئلة: السؤ ال الأول : هل ( الياس ) هو ( إل ياسين ) فى...
الكوثر . ( إنحر ): دكتور أحمد ... أود أن أعرف معنى كلمتى ( الكوث ر _...
غزو أمريكا للعراق: لدي ثلاثة أسئلة مباشر ة للدكت ور أحمد صبحي...
ارحمونا: ما معنى تختان ون أنفسك م ؟!! في قوله تعالى "...
ثلاثة أسئلة: السؤ ال الأول : كلمة ( مآب ) وكلمة ( متاب ) جاءت...
more
الأخوة الأفاضل،
سيتم طرح مقال منفصل قريبا إن شاء الله تعالى في تفصيل الله تعالى في القرآن الكريم لكل الأوامر المستخدمة من نهي واجتناب وتحريم وعدم اقتراب وغيرها، بالإضافة إلى ما فصله تعالى من صفات للأقوال والأعمال والأفعال من رجس ومنكر وإثم وفسق وغيرها.
وذلك بسبب الخلط الكبير في بين الأوامر والصفات المنسوبة للأشياء. وبين كون الشيء بذاته إثما من كونه يحمل الإثم في ثناياه! والتفريق بين الإثم الإسم للشيء الذي بذلته إثم،وما نكتسب من إثم ناتج عن شيء.
وعلى الله قصد السبيل