التنقيب عن الذهب على الحدود: حسابات مصر والسودان
بدأت القوات المسلحة المصرية، أمس السبت، المرحلة الرابعة من الحملة العسكرية "درع الجنوب"، التي تستهدف مواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية وتأمين حدود مصر الجنوبية مع السودان، وذلك بعد تنفيذ ثلاث مراحل منذ يونيو/حزيران الماضي، أسفرت عن ضبط مئات المصريين والأجانب وكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات المستخدمة في أنشطة التعدين العشوائي. ويأتي توسيع مصر الحملة في وقت تتجاوز القضية حدود مكافحة التنقيب غير القانوني، لتتقاطع مع تداعيات الحرب السودانية، والصراع على موارد الذهب، وحساسية العلاقات بين القاهرة والخرطوم، فضلاً عن اتهامات حقوقية بشأن سقوط مدنيين في ضربات جوية قرب الحدود.
أهمية حملة مصر
وتكتسب حملة مصر أهمية سياسية وأمنية إضافية في ضوء امتدادها إلى مناطق قريبة من الحدود السودانية، في بلد يعيش حرباً مفتوحة منذ 15 إبريل/نيسان 2023، أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة القتال في البلاد إلى تنامي اقتصاد الحرب، وفي مقدمته تجارة الذهب وتهريبه. الذهب أصبح أحد مصادر تمويل أطراف الصراع وشبكات النفوذ والتهريب، في ظل تراجع الرقابة الرسمية على مناطق التعدين وتعدد الجهات المسلحة المسيطرة عليها. وتشير تقديرات أممية سابقة إلى أن قسماً كبيراً من إنتاج الذهب السوداني يجري تهريبه خارج القنوات الرسمية. ومع اتساع الحرب، ازدادت أهمية المسارات الحدودية التي يمكن أن تستخدم في نقل الذهب والوقود والسلاح. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الحملة مرتبطة فقط بملاحقة المنقبين، وإنما أيضاً بإعادة فرض سيطرة الدولة على مناطق ذات قيمة اقتصادية وأمنية، وحماية مواقع امتياز شركات التعدين العاملة بصورة قانونية.
حسام عيسى: الاختبار الحقيقي للعلاقات المصرية السودانية سيكون في كيفية التعامل مع نتائج التحقيق بشأن الغارات على جبل العقيدات
لكن هذا التوجه يواجه اختباراً سياسياً حساساً يتعلق بعلاقات مصر مع السودان، ففي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحدثت منظمات سودانية عن مقتل عشرات العاملين في التعدين، جراء ضربات جوية استهدفت مواقع في منطقة جبل العقيدات، قرب الحدود المصرية. وقدّرت مجموعة "محامو الطوارئ" عدد القتلى بما لا يقل عن 72 شخصاً، واتهمت الطيران المصري بتنفيذ الضربات، بينما لم تتمكن جهات إعلامية مستقلة من التحقق بصورة قاطعة من هوية الطائرات المسؤولة. ولم يتضمن إعلان المتحدث العسكري المصري العقيد أركان حرب أحمد عثمان، الخميس الماضي، إقراراً بهذه الاتهامات أو رداً تفصيلياً عليها، بل أكد أن عمليات القوات المسلحة جرت داخل الأراضي المصرية وأنها لا تستهدف المدنيين. وفي أعقاب الواقعة، أمر رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات القضائية والأمنية، من دون إعلان نتائج نهائية.
في هذا الإطار، رأى حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لشؤون السودان، لـ"العربي الجديد"، أن قرار مجلس السيادة السوداني تشكيل لجنة للتحقيق في الضربات التي استهدفت مواقع التعدين، يعكس قدراً من الحذر في إدارة هذا الملف، ورغبة في عدم اتخاذ موقف سياسي نهائي قبل اتضاح ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات. واعتبر أن توجيه اتهام رسمي إلى مصر قبل انتهاء التحقيقات كان من شأنه أن يفتح باباً لأزمة دبلوماسية جديدة، في وقت يحتاج البلدان إلى استمرار التعاون. ولفت إلى أن الاختبار الحقيقي للعلاقات المصرية السودانية سيكون في كيفية التعامل مع نتائج التحقيق، ومدى استعداد الجانبين لتبادل المعلومات والتعاون في كشف حقيقة ما جرى، وصولاً إلى آلية واضحة تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.بدورها، دعت ثماني منظمات حقوقية في مصر إلى فتح تحقيق مستقل ومحايد في الضربات، التي أودت بحياة عمال التعدين السودانيين، مطالبة بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين إذا ثبت وقوع انتهاكات. وتتمحور هذه الانتقادات حول ضرورة التمييز بين شبكات التنقيب المسلحة والمنظمة، وبين العاملين في التعدين الأهلي (استخراج الذهب بصورة بدائية)، وعدم اعتبار وجود نشاط غير قانوني مبرراً تلقائياً لاستخدام القوة المميتة. وتزداد حساسية هذا الملف مع إعلان المتحدث العسكري، الخميس الماضي، مقتل ضابطين من حرس الحدود خلال مواجهات مرتبطة بمكافحة التنقيب غير المشروع، من دون تحديد توقيت مقتلهما أو تقديم تفاصيل كاملة عن ظروف الاشتباكات. ويعزز ذلك الرواية الرسمية بشأن وجود مجموعات مسلحة قادرة على الاشتباك مع القوات المصرية، لكنه يطرح أيضاً أسئلة عن طبيعة التهديدات التي تواجهها الحدود، ومدى ارتباط هذه المجموعات بشبكات التهريب التي تستفيد من الفوضى الأمنية في السودان.
في السياق، قال المتحدث العسكري إن القوات المصرية تنسق مع الجانب السوداني في ما يتعلق بتأمين الحدود، وهو تأكيد يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب العملياتي؛ إذ تسعى القاهرة إلى إظهار أن حملتها لا تستهدف فرض واقع أحادي على الحدود أو التدخل في الشؤون السودانية، وإنما حماية أراضيها وثرواتها بالتنسيق مع الدولة المجاورة. لكن فعالية هذا التنسيق ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسات السودانية على فرض سيطرتها على المناطق الشمالية، وهي قدرة تراجعت بفعل الحرب وتعدد مراكز القوة المسلحة.
تحديات "درع الجنوب" الأمنية
في السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، لـ"العربي الجديد"، إن تطورات عملية "درع الجنوب" تعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها القوات المسلحة في تأمين المنطقة الجنوبية، تحديداً في ظل الأوضاع غير المستقرة التي يشهدها السودان، وما تفرضه من صعوبات إضافية على مراقبة الحدود ومنع تسلل العناصر الإجرامية إلى الأراضي المصرية. وأضاف أن خطورة ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الذهب لا تتوقف عند الاستيلاء على الثروات المعدنية والإضرار بالاقتصاد الوطني، وإنما تمتد إلى استغلال المناطق الجبلية والحدودية في ممارسة أنشطة إجرامية أخرى، تشمل تهريب الأسلحة والمخدرات، إلى جانب تسهيل الهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى أن بعض العناصر تستغل وجودها داخل مناطق التعدين لتوفير غطاء لأنشطة تتجاوز بكثير مجرد البحث عن الذهب.
سمير فرج: تطورات عملية درع الجنوب تعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها القوات المسلحة في تأمين المنطقة الجنوبية
وأوضح فرج أن الأوضاع الحالية تشير إلى أن التعامل مع هذه الظاهرة لم يعد مقتصراً على مواجهة أفراد يمارسون التنقيب بصورة مخالفة للقانون، بل أصبح يتطلب التصدي لتجمعات إجرامية تمتلك قدرات تسليحية وإمكانات لوجستية ووسائل اتصال متطورة، وتستطيع التحرك داخل المناطق الصحراوية الوعرة، فضلاً عن وجود صراعات بين بعض هذه المجموعات للسيطرة على مناطق التعدين ومصادر الثروة. وأشار إلى أن امتلاك بعض العناصر أسلحة ثقيلة وذخائر متنوعة، واستخدام أجهزة اتصال عبر الأقمار الاصطناعية، يكشف عن وجود مستوى من التنظيم والتنسيق يتجاوز الصورة التقليدية لعمليات التنقيب العشوائي، لافتاً إلى أن ارتباط هذه الأنشطة بعمليات تهريب عبر الحدود يزيد من تعقيد المواجهة الأمنية، ويجعل التعامل معها ضرورة لحماية السيادة المصرية ومنع نشوء بؤر إجرامية في المنطقة الجنوبية. واعتبر فرج أن تعدد مراحل عملية "درع الجنوب" يعكس طبيعة المواجهة في مناطق التنقيب، وتتطلب استمرار عمليات التمشيط والمراقبة لمنع عودة هذه المجموعات أو إعادة تشكيل تجمعاتها، بالتوازي مع قطع مصادر الإمداد التي تعتمد عليها، سواء من الأسلحة والذخائر أو الوقود والمعدات المستخدمة في أنشطة التعدين غير المشروع.
اجمالي القراءات
48