ديون الدول العربية.. من يملك المليارات المستحقة؟ وكم يدفع المواطن من فاتورتها؟
تستحوذ مدفوعات الديون وفوائدها على جانب كبير من الموارد المالية للعديد من دول العالم، مما يفرض ضغوطا متزايدة على الموازنات العامة، ويحد من قدرة الحكومات على توجيه المزيد من الأموال إلى الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد الالتزامات المستحقة للدائنين.
وتتزايد المخاوف من تفاقم هذه الأعباء؛ إذ حذر صندوق النقد الدولي خلال اجتماعاته السنوية في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من اقتراب الدين العام العالمي من مستويات قياسية، مشيرا إلى أن مدفوعات الفوائد وحدها تستحوذ على أكثر من 15% من إجمالي الإيرادات الحكومية في البلدان المنخفضة الدخل، مما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومات في الوفاء بالتزاماتها المالية.ولا تبدو الدول العربية بمنأى عن هذه التحديات، وإن اختلفت أوضاعها بصورة كبيرة، فبينما تعتمد بعض الحكومات على المؤسسات المالية الدولية للحصول على التمويل، تلجأ أخرى إلى إصدار السندات أو الاقتراض من حكومات أجنبية وبنوك تجارية، وسط تفاوت واضح في حجم الديون وتكاليفها والقدرة على سدادها.
فكيف تغيرت ديون الدول العربية خلال السنوات الأخيرة؟ ومن الدول الأكثر مديونية؟ ولمن تدين الحكومات بالمليارات التي اقترضتها؟ وكم يبلغ نصيب الفرد من هذه الديون؟ وإلى أي مدى تنعكس الالتزامات المتراكمة على موارد الدول وحياة مواطنيها؟
كيف تضخمت الديون العربية؟
تكشف بيانات البنك الدولي عن ارتفاع ملحوظ في حجم الدين الخارجي لدى بعض الاقتصادات العربية خلال العقد الماضي، إذ زاد إجمالي الدين الخارجي لمصر من نحو 41.8 مليار دولار في 2014 إلى نحو 156 مليار دولار بنهاية 2024، أي أكثر من ثلاثة أمثال مستواه خلال عقد.
وفي الأردن، ارتفع إجمالي الدين الخارجي من 24.1 مليار دولار إلى نحو 47 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بزيادة تقترب من 95%، بينما صعد الدين الخارجي للمغرب من 43.3 مليار دولار إلى نحو 68 مليار دولار، بزيادة تقارب 57%.
وتعكس هذه الزيادات تراكم احتياجات التمويل على مدار سنوات شهدت أزمات اقتصادية متعاقبة، من بينها جائحة كورونا وارتفاع تكاليف الاقتراض وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب عوامل محلية تتعلق بالعجز المالي وتراجع قيمة بعض العملات.
مَن الأكثر مديونية عربيا؟
تُظهر بيانات البنك الدولي لعام 2024 تفاوتا كبيرا في حجم الدين الخارجي بين الدول العربية المشمولة بقاعدة إحصاءات الديون الدولية، إذ سجلت مصر نحو 155.97 مليار دولار، مقابل 67.99 مليار دولار للمغرب، ونحو 67.39 مليار دولار للبنان.
وفي المقابل، سجلت جزر القمر نحو 386 مليون دولار، والصومال نحو 1.8 مليار دولار، وجيبوتي نحو 3.46 مليارات دولار، وهي أرقام تعكس اختلاف أحجام الاقتصادات والسكان والاحتياجات التمويلية، دون أن تعني بالضرورة أن الدول الأقل مديونية تواجه ضغوطا مالية أقل.
وتغطي هذه المقارنات إجمالي الدين الخارجي للاقتصاد، بما فيه التزامات القطاعين العام والخاص، ولا تمثل ترتيبا شاملا لجميع الدول العربية؛ إذ لا تشمل قاعدة البيانات المستخدمة معظم اقتصادات الدول الخليجية المرتفعة الدخل.
أما عند قياس الدين الحكومي مقارنة بحجم الاقتصاد فتختلف الصورة، ففي الأردن بلغت نسبة الدين الحكومي والمضمون حكوميا نحو 109% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات صندوق النقد لعام 2025، بينما تراجعت نسبة دين الحكومة المركزية في المغرب من 67.7% عام 2024 إلى 67.1% خلال 2025، مع توقع انخفاضها إلى 65.9% في 2026.
ويوضح اختلاف هذه المؤشرات أن تحديد الدول الأكثر تعرضا لضغوط المديونية لا يمكن أن يستند إلى إجمالي المبالغ المقترضة وحده، بل يتطلب النظر أيضا إلى حجم الاقتصاد والموارد المتاحة للسداد.
الدين الحكومي والمضمون حكوميا في الأردن بلغ نحو 109% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025 (رويترز)
لمَن تدين الدول العربية بأموالها؟
تكشف بيانات البنك الدولي اختلافا واضحا في الجهات التي تمول الدول العربية، ففي مصر، استحوذ دائنون من القطاع الخاص على 39% من الدين الخارجي العام والمضمون حكوميا، عند احتساب ائتمان صندوق النقد الدولي ضمن الإجمالي بنهاية 2024، مقابل 36% للمؤسسات متعددة الأطراف، بما فيها صندوق النقد والبنك الدوليان، و25% للدائنين الثنائيين، أي الحكومات الأجنبية ومؤسساتها التمويلية.
وتظهر البيانات أن حمَلة السندات استحوذوا على نحو 23% من هذه الديون، مقابل 10% للبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومثلها لصندوق النقد الدولي، بينما بلغت حصة السعودية 6% والكويت 5% وروسيا 3%.
وفي المغرب، بلغت الديون الخارجية العامة والمضمونة حكوميا نحو 45.7 مليار دولار بنهاية 2024، منها حوالي 21.5 مليار دولار مستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف، أي ما يعادل نحو 47% من الإجمالي، وهو ما يعكس الدور الكبير للمؤسسات الدولية في تمويل البلاد.
أما تونس، فبلغت ديونها الخارجية العامة والمضمونة حكوميا نحو 20.8 مليار دولار بنهاية العام نفسه، منها 12.76 مليار دولار لمؤسسات متعددة الأطراف، تعادل نحو 61%، و5.4 مليارات دولار لدائنين ثنائيين، بحصة تقارب 26%.
وفي الأردن، بلغت الديون الخارجية العامة والمضمونة حكوميا نحو 23.7 مليار دولار، منها نحو 10.8 مليارات دولار لدائنين من القطاع الخاص، مقابل 8.5 مليارات دولار لمؤسسات متعددة الأطراف و4.4 مليارات دولار لدائنين ثنائيين.
وتُبرز هذه المقارنات تفاوت اعتماد الدول العربية على مصادر التمويل، فبينما تحظى المؤسسات الدولية بحصة كبيرة من ديون المغرب وتونس، يستحوذ الدائنون التجاريون وحملة السندات على حصة مؤثرة في ديون مصر والأردن.
وتكتسب طبيعة الدائن أهمية لا تقل عن حجم الدين نفسه؛ إذ تختلف شروط القروض الحكومية والتمويل المقدم من المؤسسات الدولية عن شروط السندات المتداولة في الأسواق العالمية، من حيث أسعار الفائدة وآجال السداد وإمكانية إعادة التمويل.
الديون الخارجية العامة والمضمونة حكوميا في المغرب تبلغ 45.7 مليار دولار بنهاية 2024
الديون الخارجية العامة والمضمونة حكوميا في المغرب تبلغ 45.7 مليار دولار بنهاية 2024 (الجزيرة)
حصة المواطن العربي من الديون
يعطي حساب نصيب الفرد من إجمالي الديون صورة مبسطة عن حجم المديونية بالنسبة إلى سكان الدولة، لكنه لا يعني أن الفرد مطالب بسداد هذا المبلغ بشكل مباشر.
وتكشف بيانات البنك الدولي لعام 2024 تفاوتا كبيرا في نصيب الفرد من إجمالي الدين الخارجي؛ إذ بلغ في الأردن نحو 4065 دولارا، مقارنة بنحو 1846 دولارا في المغرب و1333 دولارا في مصر.
وجاء ذلك رغم أن مصر سجلت أكبر حجم من الديون الخارجية بين الدول الثلاث، بنحو 155.97 مليار دولار، مقابل 67.99 مليار دولار للمغرب و46.97 مليار دولار للأردن، مما يوضح تأثير الاختلاف في أعداد السكان على متوسط نصيب الفرد من المديونية.
لكن هذه المقارنة تتعلق بإجمالي الدين الخارجي، بما يشمل التزامات القطاعين العام والخاص، وليس الدين الحكومي وحده، كما أن نصيب الفرد المرتفع لا يعني بالضرورة تعرضه لأعباء اقتصادية أكبر؛ إذ يختلف تأثير المديونية بحسب مستويات الدخل والضرائب وقدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية.
نصيب الفرد من إجمالي الدين الخارجي في الأردن يبلغ نحو 4065 دولارا بنهاية عام 2024
نصيب الفرد من إجمالي الدين الخارجي في الأردن يبلغ نحو 4065 دولارا بنهاية عام 2024 (الجزيرة)
كم تلتهم الديون من موارد الدول العربية؟
لا تتوقف أعباء المديونية عند حجم المبالغ المستحقة، بل تمتد إلى الفوائد وأقساط السداد التي يتعين تدبيرها سنويا، وهو ما قد يفرض ضغوطا على الموارد المتاحة للحكومات، خاصة عندما ترتفع تكاليف الاقتراض أو تتراجع الإيرادات.
وفي تونس، بلغت خدمة الدين الخارجي 26.2% من إيرادات صادرات السلع والخدمات والدخل الأولي خلال 2024، مقارنة بنحو 9% في 2014، وفق بيانات البنك الدولي، مما يعكس ارتفاع الالتزامات المستحقة بالنسبة إلى الموارد المتاحة بالعملة الأجنبية.
وفي الأردن، ارتفعت مدفوعات الفوائد على الديون الخارجية طويلة الأجل من نحو 275 مليون دولار في 2014 إلى 1.36 مليار دولار خلال 2024، لتصل إلى نحو خمسة أمثال مستواها السابق، بينما بلغت أقساط أصل الدين الخارجي طويل الأجل المسددة نحو 1.72 مليار دولار في العام الأخير.
وتكشف بيانات البنك الدولي تفاوت اتجاهات التدفقات التمويلية بين الدول العربية؛ إذ سجلت مصر صافي تدفقات ديون سالبا بنحو 3.4 مليارات دولار خلال 2024، مقابل تدفقات سالبة بلغت 868 مليون دولار في تونس، بينما سجل المغرب تدفقات موجبة بلغت نحو 207 ملايين دولار.
وتشير التدفقات السالبة إلى أن أقساط أصل الديون المسددة تجاوزت التمويلات الجديدة خلال العام، وهو ما قد يعكس قدرة على الوفاء بالالتزامات، لكنه لا يكشف وحده ما إن كانت الأموال المستخدمة في السداد جاءت من موارد إضافية أم فرضت ضغوطا على الاحتياطيات والإنفاق الحكومي.
كيف يدفع المواطن فاتورة الاقتراض؟
رغم أن الديون تُسجل في حسابات الحكومات والمؤسسات المالية، فإن أعباءها قد تمتد إلى المواطنين عندما تضيق الموارد المتاحة للإنفاق العام، أو تضطر الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لخفض العجز وإعادة توجيه الدعم.
وفي مصر، رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز المدعم بنسبة 300% في يونيو/حزيران 2024، في إطار إجراءات لتخفيف أعباء الموازنة، بينما ارتفع سعر أسطوانة غاز الطهي الكبيرة في المغرب بنسبة 25% خلال مايو/أيار من العام نفسه، ضمن خطة لتقليص الدعم العام للطاقة والتوسع في المساعدات الاجتماعية المباشرة.
أما في الأردن، فامتدت إجراءات معالجة خسائر المرافق العامة إلى قطاع المياه، مع إقرار زيادات سنوية في التعرفة بمتوسط 4.6% حتى 2028، ضمن برنامج يستهدف تقليص الخسائر التشغيلية وتحسين أوضاع المالية العامة.
ولا تعني هذه الإجراءات أن الديون كانت السبب الوحيد وراء قرارات تقليص الدعم؛ إذ تتداخل معها عوامل مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد والعجز المالي، لكنها توضح أحد المسارات التي يمكن أن تنتقل من خلالها الضغوط على موارد الحكومات إلى الأسر.
وتتفاوت قدرة الدول على الحد من هذه الأعباء بحسب مستويات الدخل وكفاءة الإنفاق العام ومدى توافر برامج الحماية الاجتماعية، فضلا عن قدرتها على إعادة تمويل الديون بتكلفة أقل أو خفض المديونية دون تقليص الخدمات الأساسية.
وفي النهاية، تكشف خريطة الديون العربية عن اختلافات كبيرة، ليس فقط في حجم ما اقترضته الحكومات، وإنما أيضا في هوية الدائنين وتكاليف التمويل وقدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها. فالدولة التي تمتلك ديونا أكبر ليست بالضرورة الأكثر تعرضا لضغوط السداد، كما أن انخفاض الدين لا يضمن وحده استقرار الأوضاع المالية.
وبينما تتوزع المليارات المستحقة بين المؤسسات الدولية والحكومات الأجنبية والبنوك والمستثمرين، يبقى التحدي أمام الدول العربية هو إدارة هذه الالتزامات دون استنزاف الموارد اللازمة للنمو والخدمات؛ لأن المواطن يلمس آثار الضغوط المالية في حياته اليومية، عندما ترتفع أسعار الوقود والغذاء، أو تتقلص مظلة الدعم، أو تتراجع قدرته الشرائية.
اجمالي القراءات
76