مصر: النيابة تتهم "متصدقش" ومبادرة حقوقية ونقابة الصحافيين تردان
عرضت النيابة العامة المصرية، اليوم الأربعاء، تفاصيل التحقيقات مع ستة من العاملين في منصة "متصدقش"، مقدمة رواية تستند في الأساس إلى تحريات قطاع الأمن الوطني، وتتهم المنصة بالعمل كإحدى المنصات الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين، ونشر الشائعات والأخبار والبيانات الكاذبة، وتضخيم أوجه القصور في مؤسسات الدولة، إلى جانب تلقي تمويلات دورية بالدولار من الخارج.
بدورها، ردت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على بيان النيابة بتفنيد قانوني وحقوقي من 10 نقاط، شككت خلاله في الأساس الذي أقيمت عليه الاتهامات، وقالت، في بيان نشرته على منصاتها الخاصة، إن بيان النيابة لم يذكر خبراً أو تقريراً واحداً نشرته "متصدقش" ويمكن إثبات كذبه أو تلفيقه، كما انتقدت تحويل إجراءات العمل الصحافي المعتادة، من عقود وأجور وتحويلات بنكية ومجموعات إلكترونية، إلى قرائن اتهام.
كذلك، تمسكت نقابة الصحافيين، بموقفها الداعم للصحافيين الستة، وأكدت استمرار تحركها القانوني بشأن القضية، بعدما سبق أن قرر مجلسها تقديم بلاغ إلى النائب العام للتحقيق في ما أثير عن تعرض الصحافيين لانتهاكات وإكراه وتسجيل اعترافات على غير الحقيقة، مع تأكيد الدفاع عن جميع العاملين بالمنصة، سواء كانوا أعضاء بالنقابة أو متدربين غير مقيدين.وزعمت نيابة أمن الدولة العليا أن "تحريات الأمن الوطني توصلت إلى أن قيادات هاربة من جماعة الإخوان كلفت كوادر تابعة لها بإنشاء صفحات ومنصات إلكترونية لنشر الشائعات والأخبار والبيانات الكاذبة، والتشكيك في أداء مؤسسات الدولة ومسؤوليها، بهدف خلق حالة من السخط ودفع المواطنين إلى التظاهر والتجمهر".
وأوضحت النيابة أن التحريات حددت منصة "متصدقش" باعتبارها إحدى المنصات الإعلامية للجماعة، وأنها تدار من خارج البلاد ويعمل بها عدد من أعضائها داخل مصر، بينهم عضو مقيد بنقابة الصحافيين.وأصدرت النيابة، وفقاً لبيانها، إذناً بضبط وتفتيش المتهمين، وأسفر تنفيذه عن ضبط ستة أشخاص، ثم جرى استجوابهم بحضور محاميهم، كما حضر أحد أعضاء نقابة الصحافيين مع الصحافي المقيد بالنقابة.
ونسبت النيابة إلى أحد المتهمين إقراره بالانضمام إلى اللجنة الإعلامية لجماعة الإخوان والعمل في منصة "متصدقش"، والتواصل مع مسؤول من الجماعة موجود خارج البلاد، وتلقي تكليفات بتنفيذ ما وصفته بالمخطط الإعلامي للجماعة.
وقالت إن هذا "المخطط كان يستهدف نشر وبث الشائعات والأخبار الكاذبة، وإبراز مواطن القصور في مؤسسات الدولة، والتقليل من أدوار المسؤولين وأدائهم، وتصعيد المشكلات الفئوية وتضخيمها، إلى جانب إعادة نشر محتوى من منصات أخرى تابعة للجماعة".
وأضافت النيابة أن المتهم أقر، بحسب بيانها، "بتلقيه وباقي العاملين بالمنصة مبالغ مالية شهرية بعملات أجنبية، جرى تحويلها من شركة مملوكة لأحد أعضاء الجماعة الموجودين خارج البلاد".
وأشارت النيابة إلى أن "فحص هاتف أحد المتهمين أظهر وجود مجموعات مغلقة تضم المتهمين وشخصاً موجوداً خارج البلاد، إلى جانب رسائل بريد إلكتروني"، كما قالت إن "فحص أحد الحسابات أثبت نشر تدوينات مؤيدة لجماعة الإخوان وداعية إلى إسقاط نظام الحكم".
وذكرت النيابة أن باقي المتهمين أنكروا الانضمام إلى الجماعة، باستثناء أحدهم الذي أقر بعضوية سابقة قال إنه تركها قبل العمل في المنصة، بينما أقر جميعهم بالعمل في "متصدقش" وتلقي مبالغ مالية بالدولار بصورة دورية، باستثناء أحدهم.المبادرة المصرية: أين الخبر الذي ثبت كذبه أو تلفيقة؟
ودفع ادعاء نيابة أمن الدولة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى طرح سؤال في مواجهة رواية النيابة بقولها: إذا كانت الاتهامات تقوم على نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، فأين الخبر أو التقرير الذي نشرته المنصة ويمكن إثبات كذبه أو تلفيقه؟
وقالت المبادرة إن بيان النيابة تحدث بصورة متكررة عن "الشائعات" و"الأخبار الكاذبة"، لكنه لم يذكر خبراً أو تقريراً واحداً بعينه، معتبرة أن ذلك يتسق مع ما تقول إنه جرى خلال التحقيقات المطولة مع الصحافيين، إذ لم تتم، وفقاً لروايتها، مواجهة أي منهم بخبر محدد ثبت كذبه أو تلفيقه.
واعتبرت المبادرة أن بعض العبارات التي استندت إليها النيابة في وصف سياسة المنصة، مثل "إبراز مواطن القصور" و"نشر السلبيات" و"إبراز تقصير المسؤولين"، لا تثبت في حد ذاتها ارتكاب جريمة، وإنما يمكن أن تندرج في صميم العمل الصحافي، ما لم تقترن بفعل مجرّم محدد وأدلة تثبته.
واعترضت المبادرة على طريقة عرض النيابة للتحويلات المالية، وقالت إن "الصحافيين كانوا يعملون بموجب عقود رسمية، وإن مستحقاتهم كانت تُحوّل إلى حساباتهم البنكية"، معتبرة أن "وجود تحويلات مالية لا يكفي وحده لإثبات جريمة تمويل غير مشروع".
وأكدت أن "إثبات الجريمة يتطلب تحديد طبيعة الأموال ومصدرها والغرض من تحويلها وصلتها بالفعل الإجرامي المنسوب إلى المتهمين، وليس الاكتفاء بإثبات حصول الصحافي على أجر أو مكافأة بالدولار".
وربطت المبادرة بين هذه النقطة وبين ما قالت إنه تحويل لإجراءات العمل الصحافي العادية إلى قرائن اتهام، معتبرة أن العقود البنكية والمجموعات الإلكترونية ورسائل البريد المستخدمة في التنسيق اليومي للعمل الصحافي جرى تقديمها في بيان النيابة باعتبارها أدلة على نشاط تنظيمي.
وأعادت المبادرة إلى واجهة القضية أيضاً الفترة التي سبقت ظهور الصحافيين أمام النيابة، وقالت إنهم لم يمثلوا أمام جهة التحقيق إلا بعد مرور خمسة أيام على القبض عليهم، وإن أسرهم ومحاميهم حُرموا خلال تلك الفترة من التواصل معهم.
وأشارت إلى تقديم 18 بلاغاً إلى النيابة العامة خلال الأيام الخمسة للاستفسار عن أماكن احتجازهم، وانتقدت ما وصفته بـ"استخدام إجراء استثنائي للتحفظ عليهم"، معتبرة أن "حرمان المحتجز من التواصل مع أسرته ومحاميه ومن معرفة أسباب احتجازه يمثل مسألة قانونية مستقلة عن الاتهامات الموجهة إليه".
اتهامات بارتكاب جرائم التعذيب وسوء المعاملة
وطرحت المبادرة بذلك سؤالاً آخر لا يتصل بمضمون ما نشرته "متصدقش"، وإنما بظروف الاحتجاز السابقة على التحقيق: ماذا حدث خلال الأيام الخمسة التي لم يظهر فيها الصحافيون أمام النيابة، وتحت أي ضمانات جرى احتجازهم؟
وانتقلت المبادرة في ردها إلى اتهامات بارتكاب جرائم التعذيب وسوء المعاملة ضد الصحافيين فور القبض عليهم، وقالت إن "بعض الصحافيين تحدثوا أمام النيابة عن تعرضهم لأشكال من التعذيب والتهديد والإكراه البدني والمعنوي، وعن إجبارهم على تسجيل اعترافات ملفقة"
بينما ردت النيابة على ما نقله محامو الصحافيين من وقوع جرائم تعذيب ضد موكليهم، في بيانها، بالتأكيد على عدم وجود إصابات ظاهرة لدى أي من المتهمين، وقالت إنها أحالت ثلاثة منهم، ممن "ادعوا استعمال القوة ضدهم"، إلى مصلحة الطب الشرعي، التي خلصت، بحسب البيان، إلى عدم وجود إصابات أو علامات تدل على استعمال العنف.
لكن المبادرة اعتبرت أن هذا الرد لا يجيب عن جميع الاتهامات التي ساقتها وسجلها المحامون في دفاعهم، موضحة أن ما تحدث عنه الصحافيون لم يقتصر على الإصابات الجسدية الظاهرة، وإنما شمل التهديد والإكراه وسوء المعاملة وانتزاع تسجيلات أو اعترافات تحت الضغط.
وطالبت المبادرة بالتحقيق في هذه الوقائع وسماع أقوال الضباط المشكو في حقهم وشهود الوقائع، معتبرة أن فحص وجود إصابات جسدية لا يحسم وحده الادعاءات المتعلقة بالإكراه أو التهديد.نقابة الصحافيين تتمسك بالدفاع عن متصدقش
في السياق، أكد وكيل نقابة الصحافيين محمد الجارحي لـ"العربي الجديد" تمسك نقابة الصحافيين بموقفها السابق في الدفاع عن جميع العاملين بمنصة "متصدقش"، وأكد أن مجلسها بكامل أعضائه لا يميز في الحماية النقابية بين الصحافي المقيد والمتدرب الذي يمارس المهنة فعلياً.
جاء ذلك بعد أن قرر المجلس، في اجتماعه السابق، تقديم بلاغ إلى النائب العام بشأن ما أثير عن تعرض الصحافيين لانتهاكات بدنية وإجبارهم على تسجيلات أو تصريحات على غير الحقيقة، مع المطالبة بإثبات بطلان أي اعترافات تكون قد أُخذت تحت الإكراه.
وشكل المجلس لجنة دائمة برئاسة النقيب خالد البلشي لمتابعة القضية والاستعانة بالخبرات القانونية، كما تمسك بمطلب الإفراج عن الصحافيين الستة، مع تأكيد استمرار الدفاع عنهم أمام جهات التحقيق.
وأكدت النقابة أن لديها ما يثبت، بحسب بياناتها السابقة، وجود عقود عمل للصحافيين وتلقيهم أجورهم عبر البنوك، معتبرة أن الصحافي لا يتحمل مسؤولية التحقق من مصادر تمويل المؤسسة التي يعمل بها، وإنما يتحمل مسؤولية عمله المهني ومحتواه.
وتتمسك نقابة الصحافيين، في المقابل، بأن الدفاع عن الصحافيين لا يتوقف على نتيجة الاتهامات، وإنما يشمل ضمان حقهم في معرفة أسباب احتجازهم، والتواصل مع محاميهم، والحصول على تحقيق عادل، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بالإكراه أو سوء المعاملة.
اعتصام مفتوح تضامناً مع متصدقش
ويواصل عدد من الصحافيين اعتصامهم المفتوح داخل المقر العام لنقابة الصحافيين تضامناً مع فريق الصحافيين من منصة "متصدقش"، مؤكدين استمرار الاعتصام لحين الإفراج عن الصحافيين المعتقلين وتوقف السلطات عن ملاحقة ذويهم باتهامات معلبة تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية، من دون أن تكون للاتهامات علاقة بتحقيقات تتعلق بالمهنية ومهنة الصحافة ذاتها.
ويؤكد المعتصمون أن القضية تضع حرية الصحافة أمام اختبار مباشر، يتعلق بأنه إذا كانت الدولة تتهم صحافيين بنشر أخبار كاذبة، فعليها أن تحدد هذه الأخبار وتقدم أدلة قابلة للفحص على كذبها وصلتها بالجريمة، أما تحويل النقد الصحافي وكشف أوجه القصور أو مجرد ممارسة العمل المهني إلى قرائن اتهام، فيفتح الباب أمام توسيع التجريم على حساب الحق في الصحافة والنقد والمساءلة.
اجمالي القراءات
23