من أحق بأموال البنوك المصرية... مدن الأثرياء الجدد أم الصناعة؟
من أحق بأموال البنوك المصرية... مدن الأثرياء الجدد، أم قطاع الصناعة والأنشطة الموفرة لفرص العمل؟ السؤال بالغ الأهمية، وطُرح بقوة عقب حدوث تطورين لافتين مرتبطين بقروض كبار رجال الأعمال الضخمة والحياة الاقتصادية ومجتمع الاستثمار ونوعيات المشروعات المفضلة والجاذبة للأموال والسيولة النقدية في مصر.
التطور الأول هو الحديث المكثّف والصادم عن تعثّر الملياردير البارز محمد الخشن، صاحب إمبراطورية صناعة الأسمدة، وتصنيفه بأنه أكبر متعثر في تاريخ القطاع المصرفي المصري، إذ تتجاوز ديونه المتعثرة 40 مليار جنيه، أي ما يعادل 770 مليون دولار بأسعار صرف هذه الأيام، مستحقة لأكثر من 30 بنكاً، وما يرتبط بهذا الملف أيضاً من تشابكات أسرية معقدة، فقد جرى الحديث عن تعثّر عدد من أقارب الخشن، من بينهم ابن شقيقته الفنان عماد زيادة، الذي تعثر في سداد 11 مليار جنيه.
تتجاوز الديون المتعثرة للملياردير البارز محمد الخشن 40 مليار جنيه، أي ما يعادل 770 مليون دولار، مستحقة لأكثر من 30 بنكاً.
التطور الثاني هو الحديث عن مساهمة البنك الأهلي المصري، وهو أكبر بنك في مصر وتابع للدولة، بنسبة 24.5% في رأسمال مشروع ذا سباين (The Spine) الذي ستجري إقامته بالقاهرة الجديدة، من قبل مجموعة طلعت مصطفى، وباستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، أي ما يعادل 27 مليار دولار، ويعد أضخم مشروع فاخر في مصر، ويضم 165 برجاً سكنياً وفندقياً وإدارياً، وموجه لطبقة الأثرياء بشكل رئيسي، فالوحدة السكنية الصغيرة سيجري طرحها للبيع بملايين الجنيهات ومئات الآلاف من الدولارات.التطور الأول المتعلق بتعثّر الخشن طرح عدة أسئلة حول ظاهرة التركّز الائتماني وخطورتها على القطاع المصرفي، وأحقية رجل أعمال واحد في الحصول على كل تلك المليارات من أموال المودعين، ومخاطر تعثّره وغيره من كبار رجال الأعمال، سواء على تلك الأموال المملوكة للمجتمع، أو سمعة البنوك والاقتصاد المصري برمته.
كما طرح أسئلة أخرى تتعلق بالظروف التي دفعت "حوت الأسمدة" الشهير إلى الدخول في دائرة التعثّر، وعلاقة ذلك بالظروف الصعبة التي يمرّ بها السوق، والتعويم المستمر في قيمة الجنيه مقابل الدولار، وإدارة الحكومات المتعاقبة للمشهد الاقتصادي برمته.
أما التطور الثاني المتعلق بمساهمة أحد أبرز البنوك الحكومية في مشروع عقاري فاخر فطرح سؤالاً جوهرياً هو: هل دور البنوك، خاصة الحكومية التابعة للدولة، هو تمويل المشروعات السكنية والعقارية الفاخرة وبناء الفيلات والقصور في العاصمة الإدارية الجديدة والقاهرة الجديدة والساحل الشمالي ومدينة العلمين، وغيرها من المدن التي يقطنها الأثرياء الجدد وعلية القوم.
أم أن دور تلك البنوك والمؤسسات المالية هو مساندة الاقتصاد بكل أنشطته، الصناعية والزراعية والسياحية والتجارية والخدمية، ودعم الإنتاج المحلي، وتوفير السيولة للمشروعات التي تساهم في توفير احتياجات الأسواق المحلية من السلع والخدمات، والحد من الواردات، وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، وتوفير فرص عمل لملايين الشباب، والمساهمة كذلك في ردم هوة الفجوة التمويلية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات طويلة؟أتفهّم تسابق البنوك المصرية نحو إقامة مجمعات صناعية ضخمة لإنتاج الغذاء والأدوية والسيارات، والصناعات المغذية، والأجهزة المنزلية، ودعم صناعة تكنولوجيا المعلومات، وأنظمة الدفع الإلكتروني الحديثة، وتمويل شركات التقنية والابتكار، وتمويل التجارة الخارجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحريك الأسواق المحلية، وإقامة مشروعات سكنية بسعر مناسب.
لكن ما لا أستوعبه هو سباق البنوك نحو إقامة مشروعات فاخرة للأثرياء الجدد ونسبة النصف في المائة من أفراد المجتمع. وحتى لو افترضنا أن تلك النوعية من المشروعات الفاخرة تحقق ربحية عالية وعوائد خرافية، فهل دور البنوك هو الجري وراء الأرباح فقط، أم أن الجانب المجتمعي بالغ الأهمية في أنشطة البنوك؟
هل دور البنوك، خاصة التابعة للدولة، هو تمويل المشروعات العقارية الفاخرة وبناء القصور في المدن التي يقطنها الأثرياء الجدد، أم مساندة الاقتصاد بكل أنشطته؟
تاريخياً، لعبت البنوك المصرية دوراً كبيراً في دعم الاستقرار الاقتصادي للدولة، وتمويل أنشطة الاقتصاد المختلفة، وبناء أنشطة إنتاجية قوية ومتنوعة، منها الصناعة والسياحة والزراعة والخدمات، منطلقة من دورها الحيوي، وهو أنها العمود الفقري للاقتصاد، والأهم هو المحافظة على أموال المودعين، وعدم تعريضها لأي مخاطر، وأبرز مثال ما فعلته البنوك الأربعة الكبرى: الأهلي المصري ومصر والقاهرة والإسكندرية، إضافة إلى أكبر البنوك الخاصة والاستثمارية.
اجمالي القراءات
26