لاجئو السودان في تشاد.. نجوا من الحرب فسقطوا في جحيم العطش والجوع

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٢٢ - أبريل - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


لاجئو السودان في تشاد.. نجوا من الحرب فسقطوا في جحيم العطش والجوع

يواجه مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين الذين فروا من أتون الحرب في بلادهم ظروفا إنسانية قاسية في تشاد، حيث تلامس درجات الحرارة حاجز 50 درجة مئوية وسط نقص حاد في إمدادات الغذاء والمياه وتفشٍّ للأمراض، مما يجعل بقاءهم على قيد الحياة معركة يومية مضنية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "إندبندنت" البريطانية وأعدته راشيل هاغان، فإن الناجين من الصراع الوحشي في السودان، الذين مروا بتجارب مروعة شملت العنف الشديد والاختطاف، يجدون أنفسهم الآن في مواجهة أزمة وجودية مع بدء نفاد الموارد الأساسية في مخيمات اللجوء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.أكبر أزمات النزوح في العالم
وتشير التقارير الميدانية إلى أن شرق تشاد تحول إلى الوجهة النهائية لواحدة من أكبر أزمات النزوح على وجه الأرض، حيث يعيش أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني، نزح أكثر من 900 ألف منهم منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.

وحذرت وكالتا الغوث التابعتان للأمم المتحدة، وهما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، من أن المساعدات المقدمة لأكثر من مليون شخص قد تواجه تقليصا حادا ما لم تُسَدّ فجوة تمويلية تبلغ 428 مليون دولار، في وقت خفض فيه برنامج الأغذية العالمي الحصص التموينية للنصف.

وفي إقليم "إنيدي إيست"، يعيش اللاجئون على أقل من نصف الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للمياه التي حددتها منظمة الصحة العالمية، بينما يواجه معلم واحد أكثر من 100 طفل في فصول دراسية مكتظة، في حين تفتقر نحو 80 ألف عائلة إلى مأوى يحميها من الظروف الجوية.

مخيم اردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد
مخيم أردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد (الجزيرة)
حرارة تلامس 50 مئوية
وذكر ديرموت هيغارتي، مدير المجلس النرويجي للاجئين في تشاد، أن درجات الحرارة تبلغ حاليا 43 درجة مئوية ومن المتوقع أن تتجاوز 50 درجة في الأشهر المقبلة، مشيرا إلى أن غالبية العائلات التي تعبر الحدود من النساء والأطفال الذين يفترشون الأرض تحت الأشجار بحثا عن الظل.

وتعتمد العائلات في مخيمات العبور على صهاريج المياه التي تصل بصعوبة، حيث يضطر اللاجئون للانتظار ساعات طويلة للحصول على لترات قليلة لا تتجاوز 4 لترات للفرد يوميا، وهو ما يقل كثيرا عن معيار منظمة الصحة العالمية البالغ 15 لترا، مما أدى لانتشار الأمراض والأوبئة.

يضطر اللاجئون للانتظار ساعات طويلة للحصول على لترات قليلة لا تتجاوز 4 لترات للفرد يوميا، وهو ما يقل كثيرا عن معيار منظمة الصحة العالمية البالغ 15 لترا، مما أدى لانتشار الأمراض والأوبئة
قصص مرعبة
وعن الأهوال التي تعرض لها اللاجئون خلال رحلتهم إلى تشاد، تنقل هاغان قصتين عن لاجئتين: حواء وإنصاف. فقد نجت حواء من زواج قسري، ووفاة توأمين، وكانت تُعدّ لرسالة الدكتوراه عندما أوقفها مقاتلو قوات الدعم السريع عند نقطة تفتيش على الطريق المؤدي إلى الفاشر في السودان.

قالت حواء إنهم اغتصبوها جماعيا لأكثر من أسبوع. دفع أصدقاؤها ثمن إطلاق سراحها بإرسال الأموال إلى هاتفها، وقُتل شقيقها الذي حاول التدخل بالرصاص.

أما إنصاف (41 عاما)، التي كانت معلمة حاصلة على درجة الماجستير، فقد أوقفها مقاتلو قوات الدعم السريع على الطريق نفسه، ومزقوا شهاداتها واغتصبوها لمدة ثمانية أيام. تقول: "لا والدان لي، ولا أطفال، ولا شيء يُذكر من تعليمي، فقد مزقت قوات الدعم السريع شهاداتي".

سودانيون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بشرق تشاد وسط الصراع المستمر في بلادهم، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (رويترز)
الأصعب في مسيرته المهنية
عندما سقطت الفاشر في يد قوات الدعم السريع أواخر عام 2025، خلُصت كلية ييل الأمريكية للصحة العامة، بثقة كبيرة، إلى وقوع مجازر جماعية. وأبلغت المحكمة الجنائية الدولية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأنها كانت "حملة منظمة ومدروسة لأبشع أنواع المعاناة" -إعدامات، واغتصاب، ومقابر جماعية، تم تصويرها والاحتفاء بها من قبل مرتكبيها. وتنفي قوات الدعم السريع جميع هذه الادعاءات.

وتنسب الكاتبة إلى عبد الله بورو حلاخي، وهو مدافع بارز عن حقوق اللاجئين في منظمة اللاجئين الدولية، قوله إنه التقى بحواء مؤخرا في مخيم بشرق تشاد، ووصف رحلته لشرق تشاد بأنها الأصعب في مسيرته المهنية.

وتواجه منظمات الإغاثة صعوبات بالغة في تأمين التمويل، حيث انخفض التمويل الإنساني الأمريكي لتشاد من 338 مليون دولار في عام 2024 إلى 112 مليون دولار في عام 2025، كما قلص مانحون غربيون آخرون، من بينهم بريطانيا، مساهماتهم المالية بشكل كبير.

ابتزاز ونهب واعتداءات وحشية
وتصف شهادات الناجين رحلة الهروب من السودان بأنها كانت سلسلة من عمليات الابتزاز عند نقاط تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع، حيث تم نهب الأموال والذهب والمجوهرات من العائلات، وتعرضت النساء لاعتداءات وحشية، فيما قُتل بعض الفارين بدم بارد أثناء محاولتهم العبور.

ويرى مراقبون حقوقيون أن ما يدفع الناس للخروج من السودان ليس مجرد الحرب، بل حملة ممنهجة للاستغلال والنهب، حيث تنظر قوات الدعم السريع إلى السكان كموارد خام للاستنزاف، مع ارتكاب انتهاكات جسيمة شملت إعدامات ميدانية واغتصابات جماعية وثقتها جهات دولية.

وتعد خدمات الحماية للناجيات من العنف الجنسي الأكثر تضررا من تقليص الميزانيات، إذ يؤدي نقص مرافق المياه والمراحيض إلى خروج النساء من المخيمات ليلا بحثا عن أماكن هادئة، مما يجعلهن عرضة لاعتداءات جديدة داخل الأراضي التشادية التي لجأن إليها طلبا للأمان.

إلى أي مدى يمكنهم التحمل؟
وقد تدهورت الحصص الغذائية لـ برنامج الأغذية العالمي من توزيع شهري إلى توزيع كل شهرين، ثم إلى نصف حصة، وهي الآن عند مستوى ربع الحصة، مما يترك الأمهات يحملن رضعا لم يتناولوا الطعام منذ عبورهم الحدود، وسط تساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تتحمله هذه الفئات المنهكة.

وزاد اقتراب العمليات العسكرية من الحدود التشادية السودانية من تعقيد الوضع، حيث استهدفت ضربات بطائرات مسيّرة بلدات حدودية، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، وجعل تقديم الرعاية الطبية الأساسية أمرا غير مستدام في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة.

وفي الختام، تعكس الأزمة في شرق تشاد مأساة إنسانية تغيب عن العناوين الرئيسية للصحف العالمية، حيث فقد اللاجئون السودانيون كل شيء، بما في ذلك كرامتهم الإنسانية التي لم تعد المنظمات الدولية قادرة على حفظها في ظل الصمت الدولي وشح التمويل.
اجمالي القراءات 57
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق