من إيران إلى إسرائيل والخليج.. الحرب تضرب مفاصل الطاقة والتجارة

اضيف الخبر في يوم الأحد ٠٨ - مارس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


من إيران إلى إسرائيل والخليج.. الحرب تضرب مفاصل الطاقة والتجارة

دخلت الحرب على إيران مرحلة أكثر كلفة اقتصادية مع انتقال الضربات من المجال العسكري إلى مرافق الوقود والنفط والشحن، وفي أحدث تطور خفضت السلطات الإيرانية الحصة المسموح بشرائها ببطاقة الهوية في محطات الوقود في طهران من 30 لترا إلى 20 لترا، بعد استهداف أربعة مخازن نفط وموقعا لوجستيا لنقل المنتجات النفطية في العاصمة ومحيطها، ودعت السلطات المحلية السكان إلى التزود بالوقود "عند الضرورة فقط" بعد الضربات.
مقالات متعلقة :


يعزز هذا التطور فرضية أن الحرب لم تعد تستهدف البراميل المخصصة للتصدير فقط، بل باتت تضرب "العقدة الداخلية" لمنظومة الطاقة، وفق قول الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي في حديث مع الجزيرة نت.

ويضيف المتحدث نفسه أن استهداف مستودعات طهران يمثل "ضربة لوجستية نفسية وسيادية" تسعى لإضعاف قدرة الدولة على إدارة الوقود في العاصمة.

ووفق هذا التقدير، فإن الرسالة الأساسية ليست إلى السوق العالمية بقدر ما هي إلى المؤسسة الإيرانية نفسها، عبر الضغط على التخزين والتوزيع والتكرير وإمدادات طهران ومحيطها، ويتسق ذلك مع توصيف وكالة أسوشيتد برس للضربات على مواقع النفط في طهران، إذ اعتبرتها "انتقالا إلى استهداف مناطق صناعية ومدنية حساسة".

في المقابل تُظهر الوقائع في الخليج أن الخطر لا يقتصر على الداخل الإيراني، فقد طالت الاستهدافات الإيرانية حقلا بريا تابعا لشركة "أرامكو" السعودية أمس السبت، بعد أيام من استهداف موقع رأس تنورة، وشهدت الفجيرة، أحد أهم مراكز تجارة وتخزين النفط في الإمارات، حريقا كبيرا بسبب حطام طائرة مسيرة، مع تعليق عمليات في منشأة تخزين رئيسية ومصفاة.

وفي الكويت أصيبت مصفاة ميناء الأحمدي، وعمدت الحكومة أول أمس إلى خفض إنتاج النفط مع امتلاء الخزانات تدريجيا تحت ضغط تباطؤ الشحن، وفق ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية.

وتشير مذكرات "جيه إم آي سي" البحرية إلى أن البيئة التشغيلية في المنطقة باتت تعكس "خطرا حركيا نشطا" مع هجمات مؤكدة على سفن تجارية، وبذلك فإن استهداف الخزانات والمصافي والمرافئ لا يهدد الإنتاج فقط، بل يهدد أيضا قدرة المنطقة على التخزين والتصدير والعبور.

ضغط داخلي
بالنسبة إلى إيران، يوحي توقف توزيع الوقود في طهران، حتى لو كان مؤقتا، بأن الاستهداف بدأ يضغط على إدارة الدولة للسوق المحلية للطاقة، لا على صادراتها فقط.

وحسب الشوبكي، فإن استهداف الآبار مباشرة كان سيعني تعطيل الإنتاج الخام نفسه وفتح باب "الصدمة العالمية الكبرى"، وهو ما يفسر، في تقديره، لماذا يبدو التركيز الحالي على المستودعات والمصافي والعقد اللوجستية التي تعطل التوزيع سريعا وتضغط على الداخل الإيراني سياسيا ونفسيا من دون إخراج كميات ضخمة فورا من الخام من السوق العالمية، لكن أثر الضربة قد يتفاقم إذا دفع إيران إلى توسيع الرد على منشآت الطاقة والملاحة في المنطقة.

أما بالنسبة إلى دول الخليج، فتباطؤ الشحن يؤدي إلى امتلاء الخزانات، ويصبح المنتجون أمام خيارات أكثر كلفة تتمثل في خفض الإنتاج، أو تعليق جزء من التكرير، أو قبول اختناقات متزايدة في السلسلة اللوجستية.

وقد ربطت صحيفة وول ستريت جورنال بين هذا المسار وخفض الكويت الإنتاج، فيما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن توسع نطاق الأهداف من النفط والغاز إلى مرافق أكثر حساسية بدأ يقلق الأسواق العالمية.

حريق هائل خلفه قصف أمريكي إسرائيلي على منشآت نفطية في طهران (الفرنسية)
صدمة أوسع
ولا يتوقف الأثر عند النفط، فقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن المياه قد تصبح المورد الأكثر عرضة للخطر في الخليج؛ فعدد من محطات التحلية تقع على الساحل وضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة، وبعضها مدمج أصلا مع محطات كهرباء.

في الوقت نفسه، بدأت الحرب تنشر ضررها الاقتصادي بعيدا من النفط والغاز إلى الشحن البحري والجوي وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، مع ارتفاع أسعار الشحن الجوي 45% على بعض المسارات وتكدس سفن الحاويات والناقلات في مضيق هرمز وحوله، حسب واشنطن بوست، مما يعني أن استهداف المرافق الاقتصادية لا يهدد الطاقة وحدها، بل يهدد أيضا التجارة، والسلع الحساسة زمنيا، وكلفة الإنتاج والنقل عالميا.

في هذا السياق، رسم وزير الطاقة القطري سعد الكعبي صورة للمآلات المحتملة، في مقابلة نشرتها فايننشال تايمز، قائلا إن جميع مصدري الطاقة في الخليج قد يضطرون إلى إعلان "القوة القاهرة" إذا استمر الوضع، وإن العودة إلى دورة التسليم الطبيعية قد تستغرق "من أسابيع إلى أشهر" حتى لو توقفت الحرب فورا.

وحذر المسؤول القطري من أن سعر النفط قد يصل إلى 150 دولارا للبرميل وأن سعر الغاز قد يقفز إلى 40 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية إذا تعذر المرور عبر مضيق هرمز.

وبالنسبة إلى الأسواق، فإن هذه التصريحات تنقل القصة من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى خطر تعطل إقليمي ممتد في التشغيل والتوريد.


وبالمعنى نفسه، فإن إسرائيل ليست خارج هذه الدائرة، فقد ردت إيران أمس باستهداف مصفاة النفط في حيفا، وفق وسائل إعلام رسمية إيرانية.

إعلان
من جانب آخر، فإن استهداف منشآت الطاقة والتكرير والبنية الاقتصادية في الإقليم يرفع كذلك كلفة التشغيل والتأمين والحماية على الاقتصاد الإسرائيلي، ويجعل البنية الإنتاجية والخدمية جزءا من معادلة الاستنزاف المتبادل.

ومع عودة منشآت الطاقة المدنية والصناعية إلى قلب الحرب، تتسع المخاطر من "جبهة عسكرية" إلى "جبهة اقتصادية" إقليمية تشمل الطاقة والمياه والموانئ وسلاسل الإمداد والثقة الاستثمارية.

3 سيناريوهات
في المجمل، ووفق المصادر المشار إليها يمكن رسم 3 سيناريوهات اقتصادية رئيسية لاستمرار الوضع الراهن، كالتالي:

السيناريو الأول: احتواء نسبي يتوقف فيه استهداف المرافق أو يتراجع سريعا، لكن مع بقاء أثر ممتد على التسليم والتأمين والشحن لأسابيع.
السيناريو الثاني: تعطّل ممتد تتسع فيه أزمة التخزين، وتضطر دول أخرى إلى خفض الإنتاج أو إعلان "القوة القاهرة"، مع تجاوز النفط مستوى 100 دولار سريعا.
السيناريو الثالث: صدمة كبرى إذا اتسع الاستهداف إلى مزيد من البنية التحتية للطاقة والمياه والموانئ، بما يدفع الأسعار والتضخم وكلفة الشحن إلى مستويات أعلى ويهدد النمو العالمي، وهو الاحتمال الذي حذرت منه أيضا تحليلات اقتصادية رأت أن صدمة طاقة جديدة قد تربك التعافي العالمي وتضع البنوك المركزية أمام معضلة أصعب.
اجمالي القراءات 79
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق