هل بدأت إثيوبيا استغلال مياه النيل سياسيا؟
عاد الجدل مجددا بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن تقاسم مياه النيل، بعدما تحدث وزير إثيوبي عن عزم بلاده التحكم في حصص مياه النهر، وبناء مزيد من السدود بعد سد النهضة محل الجدل بين الدول الثلاث، وهو حديث يقول محللون إنه يعكس عزم الإثيوبيين السيطرة على المياه فيما يقول آخرون إن ثمة قراءة خاطئة لهذه التصريحات.
ففي تصريحات مثيرة للجدل، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا إن تدفق مياه النهر باتجاه دول المصب (السودان ومصر)، سيكون تحت سيطرة بلاده، وإن أديس أبابا "ستمضي في بناء سدود جديدة على النيل".وفيما اعتبر الوزير الإثيوبي سلوك بلاده نوعا من أنواع الاستخدام العادل لمياه النيل، قال مصدر رسمي مصري للجزيرة نت إن هذه التصريحات "تمثل إمعانا في النهج الإثيوبي الأحادي الذي ينتهك بشكل صارخ القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام أديس أبابا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة".
واعتبر المصدر أن هذه التصريحات "تُسقط ادعاءات إثيوبيا المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية دون الإضرار بالآخرين".
ويمثل نهر النيل محور خلاف معقد بين الدول الثلاث لم تتمكن من إيجاد طريقة سياسية لنزع فتيل الأزمة بسبب اتهام كل طرف للآخر بانتهاك ما تم التوقيع عليه في وثيقة المبادئ عام 2015، والتي كانت معنية بتنظيم بناء وعمل سد النهضة.
ولطالما ثارت مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية بسبب هذا السد الذي تقول إثيوبيا إنه لا يستهدف الإضرار بالآخرين في حين تقول مصر والسودان إنه يحمل مخاطر وجودية لهما.
وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قال إن بلاده ستبني المزيد من السدود على النيل
وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قال إن بلاده ستبني المزيد من السدود على النيل (مواقع التواصل)
ما الذي تريده إثيوبيا؟
وحاول الباحث في الشؤون الأفريقية موسى شيخو التقليل من تصريحات الوزير الإثيوبي بقوله إنها كانت تتحدث عن عدالة توزيع المياه وإنها كانت تتعلق بأمور داخلية لا تستحق الضجة الإعلامية الحاصلة في وسائل الإعلام العربية، مضيفا أن الحديث كان يدور عن ضرورة التعاون من أجل استغلال الأنهار الكثيرة التي تمتلكها بلاده.
وخلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، وصف شيخو ما تناقلته وسائل الإعلام العربية عن وزير المياه الإثيوبي بـ"الفبركات"، رغم أنه لم ينفِ حق الإثيوبيين في بناء السدود التي قال إنها تستهدف الاستفادة من المياه الإثيوبية لتوليد الكهرباء وتحسين الزراعة.
ولطالما كانت الرواية الإثيوبية التي يتبناها شيخو محل انتقاد من القاهرة والخرطوم اللتين تقولان إن ما تقوم به أديس أبابا مخالف للقوانين الدولية التي تنظم توزيع مياه الأنهار، ولا تمنح دولة المنبع الحق في منع وصول الحصص اللازمة لدول المرور والمصب.
سد النهضة الإثيوبي يمثل نقطة خلاف كبيرة مع مصر والسودان
سد النهضة الإثيوبي يمثل نقطة خلاف كبيرة مع مصر والسودان (الجزيرة)
واتفق المتحدث السابق باسم وزارة الموارد المائية والكهرباء السودانية إبراهيم الشقلاوي مع مسألة عدم النقل الدقيق لبعض ما ورد في تصريح الوزير الإثيوبي، لكنه أكد أن مضمون الحوار كله يصب في اتجاه خطير من الجانب الإثيوبي.
فالمشكلة ليست في بناء السدود وإنما في التوافق على طريقة إدارتها بحيث لا يستفيد منها طرف على حساب الآخرين، وفق الشقلاوي الذي شدد على ضرورة توقيع اتفاق ملزم للجميع بشأن إدارة سد النهضة.
وقال المتحدث إن "عدم إصدار الحكومة الإثيوبية توضيحا رسميا لحديث وزير المياه والطاقة غير الموفق، يعني أننا إزاء نهج جديد يضر بالحقوق المائية لمصر والسودان".
ومنذ توقيع اتفاق وثيقة المبادئ، رفضت إثيوبيا التوقيع على هذا الاتفاق الملزم الذي تقول دولتا الممر والمصب إن عدم توقيعه يعكس عزم الإثيوبيين على الإضرار بالغير ويعد إخلالا بما تم الاتفاق عليه مما قد يذهب بالأمور إلى مزيد من التعقيد.
ولم يختلف أستاذ الموارد المائية والزراعة في جامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين، مع حديث الشقلاوي، لكنه كان أكثر جزما بعزم أديس أبابا الإضرار بمصر والسودان.حديث متناقض
فقد وصف نور الدين حديث الوزير الإثيوبي الأخير بغير الموفق والمستفز، قائلا إنه يتماشى مع ما قاله وزراء إثيوبيون خلال افتتاح السد العام الماضي، بشأن تحويل النهر إلى بحيرة، وهو كلام "يخالف القوانين الدولية، ويتناقض مع أهداف التنمية التي بررت بها إثيوبيا بناء سد النهضة".
فهذا الكلام -كما يقول الأكاديمي المصري- يعكس بوضوح عزم الإثيوبيين التحكم في مصير بلدي المصب وتحديد ما يجب أن يحصلا عليه من المياه وما لا يجب، بالمخالفة لقوانين الأنهار الدولية التي تضمن حقوق الجميع.
ليس هذا وحسب، فقد أغرقت إثيوبيا أرض السودان عندما فتحت بوابات سد النهضة العام الماضي دون تنسيق، ثم منعت المياه تماما خلال العام الجاري، مما يعني أنها قادرة على صناعة جفاف أو فيضان وقتما شاءت، وهو أمر أكد نور الدين مخالفته لكل القوانين.
تقرير: انحسار منسوب نهر النيل يخفض إنتاج مياه الشرب في السودان إلى النصف
انحسار منسوب نهر النيل يخفض إنتاج مياه الشرب في السودان إلى النصف (الجزيرة)
المياه مقابل المنفذ البحري
بيد أن الباحث في الشؤون الأفريقية موسى شيخو رد على هذه الأحاديث بقوله إن مصر لم تصدر بيانا رسميا تعترض فيه على الإجراءات الإثيوبية، وإن المصريين يسيئون المشكلة ويفسرون كلمة "ملزم" وفق ما يرونه، ويربطون الاتفاق بالمنفذ البحري الذي تريده أديس أبابا من الصومال.
ولم يقف شيخو عند هذا الحد، لكنه قال صراحة إن إثيوبيا ربما تضر بحصة مصر من المياه إذا واصلت الأخيرة العمل على منعها من الوصول لمنفذ بحري تنفيذا للقانون والحقوق التاريخية.
وردا على هذا الكلام، قال الدكتور نادر نور الدين إن الرواية الإثيوبية تحمل تناقضا واضحا لأنها ترفض الاعتراف بالحقوق التاريخية في مياه النيل، وتتمسك بها عندما يتعلق الأمر برغبتها في الوصول لمنفذ بحري، مشيرا إلى أن مصر "ليست هي من يمنع أديس أبابا من الوصول لمنفذ بحري"، وأنها لم تطلب أكثر من حصتها المائية التي تحصل عليها منذ مئات السنين بينما إثيوبيا تطلب الحصول على ثلث مياه النهر أي 14 مليار متر مكعب سنويا.
أما الشقلاوي، فحذّر بشدة من تسييس الموارد المائية حتى لا تذهب الأمور إلى نهايات غير محمودة، قائلا إن موقف السودان من سد النهضة يقوم على التعاون من أجل الاستفادة دون الإضرار بأحد.
اجمالي القراءات
18