مصر تحسم قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وتضبط قواعد الأسرة للمسلمين

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ١٥ - أبريل - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


مصر تحسم قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وتضبط قواعد الأسرة للمسلمين

في تحرّك يعكس توجّهاً رسمياً مفاجئاً لحسم أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً في مصر، صدرت توجيهات رئاسية إلى البرلمان بتسريع إصدار حزمة من التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، تشمل المسلمين والمسيحيين، إلى جانب إنشاء صندوق لدعم الأسرة. وتأتي هذه الخطوة في إطار السعي إلى إنهاء عقود من الجدل والتأجيل، ومعالجة أزمات متراكمة طاولت ملايين الأسر.
مقالات متعلقة :


بحسب تقرير بثّته وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية، اليوم الثلاثاء، وجّهت الرئاسة بسرعة إحالة مشروعات القوانين المنظمة لشؤون الأسرة إلى البرلمان، وذلك بعد الانتهاء من مراحل واسعة من إعدادها، بما يفتح الباب أمام مناقشات تشريعية وُصفت بأنها تاريخية في مسار إصلاح هذا الملف.

يأتي هذا التحرك بعد سنوات طويلة من تعثر إقرار قانون موحد للأحوال الشخصية، سواء للمسلمين أو للمسيحيين، حيث ظلت الخلافات حول قضايا النفقة والحضانة والرؤية، إضافة إلى تعقيدات الطلاق داخل الطوائف المسيحية، عائقا أمام التوافق التشريعي.

ويمثل مشروع القانون الجديد نقطة تحول للمسيحيين، إذ نجحت خمس طوائف رئيسية، الكاثوليكية، والأرثوذكسية، والروم الأرثوذكس، والإنجيلية، والسريان الأرثوذكس، في التوصل إلى صيغة توافقية بعد عقود من التباين، تمهيدا لإرسالها عبر القنوات الحكومية إلى البرلمان. ويعالج المشروع فراغا تشريعيا ظل قائما لسنوات، حيث كان تنظيم الأحوال الشخصية يتم عبر لوائح داخلية متباينة لكل طائفة، ما خلق حالة من عدم الاستقرار القانوني.

تضمنت ملامح المشروع قواعد موحدة مع الحفاظ على الخصوصيات العقائدية، خاصة في مسائل الطلاق، إلى جانب تنظيم النفقات، وإقرار آليات جديدة مثل "الاستزارة" التي تسمح بمبيت الطفل مع الأب، إلى جانب اعتماد الرؤية الإلكترونية، فضلا عن منع التحايل عبر تغيير الملة.

ووفقاً لمصادر لـ"العربي الجديد"، سيسمح للمسيحيين الأرثوذوكس والكاثوليك بالطلاق الكنسي وتسجيله في المحاكم المدنية لأول مرة، وذلك بعد عمليات مراجعة تجريها الطوائف الدينية والسلطات المختصة لإثبات علة الطلاق، وهي إجراءات ظلت محظورة سابقاً، ما كان يدفع الراغبين في إتمامها إلى إنهاء إجراءات الطلاق المدني خارج البلاد أو تغيير الملة. في المقابل، يستهدف مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين معالجة ما وصفه التقرير بـ"التشابكات المزمنة"، لا سيما في قضايا النفقة والحضانة وتنفيذ الأحكام، إلى جانب تقليص فترات التقاضي الطويلة التي تستنزف الأطراف ماديا ونفسيا.

ويتركز التوجه الجديد على جعل "مصلحة الطفل الفضلى محورا أساسيا، مع تحقيق توازن بين حقوق الأب والأم"، في محاولة لإنهاء حالة الاستقطاب المجتمعي التي صاحبت النقاشات السابقة حول قوانين الأسرة. وتبرز قضايا الرؤية والاستضافة والنفقة كأحد أبرز دوافع التحرك التشريعي، حيث ظلت هذه الملفات مصدر نزاعات حادة داخل المحاكم، وسط اتهامات متبادلة بعدم العدالة في التطبيق.

في السياق، تؤكد عضو مجلس النواب، نشوى الشريف، في بيان قدّمته لمجلس النواب ضرورة إدراج "صندوق دعم الأسرة" كآلية تنفيذية مكملة لقانون الرؤية والأحوال الشخصية بما يضمن وصول النفقة إلى مستحقيها دون تأخير، وسد الفجوة بين صدور الأحكام وتنفيذها، خاصة في حالات تهرب أو عجز المحكوم عليهم. كما يُتوقع أن يوفر الصندوق دعما إضافيا للحالات الأكثر احتياجاً، بما يعزز الاستقرار المعيشي للأسر المتضررة.

يشير مشروع التعديلات المقدم من الحكومة إلى البرلمان إلى أن الحزمة التشريعية الحالية تختلف عن المحاولات السابقة، إذ لا تقتصر على تعديلات جزئية، بل تستهدف إعادة صياغة "الفلسفة الحاكمة" للعلاقة داخل الأسرة المصرية، بما يسهم في تقليل النزاعات وحماية الأطفال. وتعكس هذه المقاربة إدراكا رسميا بأن القوانين الحالية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمات الأسرية وزيادة الضغط على المحاكم.

يتزامن هذا التحرك مع تصاعد الاهتمام العام بملف الأحوال الشخصية، خاصة عقب واقعة انتحار البلوجر بسنت سليمان، التي ألقت بنفسها من شرفة مسكنها في الطابق الثالث عشر بحي سموحة في الاسكندرية، شمالي البلاد، مطلع الأسبوع الجاري، والتي أثارت جدلا واسعا حول الضغوط الأسرية والنزاعات القانونية وتأثيراتها النفسية، لا سيما على النساء.

ورغم أن المشروع الحكومي لم يربط مباشرة بين هذه الواقعة والتوجيهات الرئاسية، فإن توقيت التحرك يعكس، في نظر مراقبين، حساسية الدولة تجاه تنامي الأبعاد الاجتماعية والنفسية لأزمات الأسرة، وسعيها إلى تقديم استجابة تشريعية سريعة.

وفق ما أوردته الوكالة الحكومية حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، فإن جمع قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين وصندوق الدعم في حزمة واحدة، وتحت متابعة رئاسية مباشرة، يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الدولة باتت تنظر إلى الأسرة باعتبارها "أولوية أمن مجتمعي" وليس مجرد ملف قضائي ورغبة في حسم ملفات ظلت مؤجلة لسنوات، في ظل صعوبة التوافق بين الأطراف المختلفة، سواء الدينية أو المجتمعية أو البرلمانية.ووفقاً لبرلمانيين فإنه رغم الزخم الحالي، يبقى المسار البرلماني هو الاختبار الحقيقي لهذه التشريعات، إذ من المتوقع أن تشهد مناقشات موسعة حول قضايا حساسة مثل ترتيب الحضانة، وضوابط الاستضافة، وآليات تمويل صندوق دعم الأسرة، وفي حال إقرار هذه القوانين، ستكون مصر أمام واحدة من أوسع عمليات الإصلاح التشريعي في ملف الأحوال الشخصية خلال السنوات الأخيرة، مع رهان أساسي على قدرتها على تحقيق التوازن بين العدالة القانونية والاستقرار الاجتماعي وايجاد أدوات فعالة تقلل النزاعات، وتحمي الأطفال، وتعيد قدرا من التوازن إلى مؤسسة الأسرة.
اجمالي القراءات 29
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق