د. محمد محفوظ : العنف الدينى وبقايا الدولة البوليسية ..تنظيف البيت بأيدي ملوثة

اضيف الخبر في يوم الخميس ١٢ - مايو - ٢٠١١ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: البديل


د. محمد محفوظ : العنف الدينى وبقايا الدولة البوليسية ..تنظيف البيت بأيدي ملوثة

رغم أن أشياء كثيرة تغيرت في مصر منذ قيام الثورة ؛ إلا أن مصر مازالت كما هى لم تتغير . ليست هذه فزورة أو لغز من الألغاز ؛ ولكنها الحقيقة المحزنة التى تشبه قصور الرمال التى تمحوها الأمواج ؛ وتشبه إحباطات الحرث في الماء .


مازالت مصر كما هى لم تتغير .
وليس هذا من باب التجنى أو الافتراء ؛ فمن يتابع أسلوب تعامل الدولة – بحكومتها ومجلسها العسكرى – مع الأحداث الطائفية الدامية في إمبابة ؛ سيعرف بأن سياسة ترك المشكلات بدون حل – إلى أن تتحول إلى كارثة أمنية – مازالت قائمة .

وأن تنفيذ القانون في مصر يرتبط بالتعليمات الفوقية التى تسمح بتنفيذه ؛ ولا يرتبط بقوة القانون الذاتية المجردة .
ورغم أن الشرطة انهارت في مصر ؛ إلا أن بقايا الدولة البوليسية مازالت قائمة .
فالدولة البوليسية – في جزء من تعريفها – هى : الدولة التى لا يوجد فيها ما يميز بين القانون وممارسة السلطة السياسية من جانب السلطة التنفيذية .
لذلك تتسم الدولة البوليسية – عل سبيل المثال وليس الحصر – ببعض المظاهر والممارسات الآتية :
- ترك معظم المشكلات سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية ؛ لكى تتفاقم حتى تتحول إلى مشكلات أمنية , ثم يتم استدعاء الأمن للتدخل ومواجهتها بحلول أمنية ؛ تغلب عليها الصرامة والقمعية .
- ربط الترشح للمناصب الهامة ؛ بموافقة الجهات الأمنية , حتى لو لم يتم النص فى القوانين على ذلك .
- تخصيص نسبة كبيرة من المناصب الحكومية والسياسية لرجال الأمن .
وبالطبع كل هذه المظاهر مازالت قائمة في مصر ؛ وذلك للأسباب التالية :

أولاً : لم تمارس الدولة بحكومتها ومجلسها العسكرى ؛ أى سياسة رشيدة للتعامل القانونى المجرد مع قضية الادعاء بوجود مسلمات محتجزات في الأديرة . وظل الأمر متروكاً إلى أن ظهرت أخيراً كاميليا شحاتة – إحدى المُدعى احتجازهن – في قناة الحياة المسيحية التى تبث من أمريكا ؛ لتعلن – في حوار مع المذيع عبر الإنترنت – تكذيبها لكل الادعاءات حول إسلامها أو زواجها من مسلم أو خطفها واحتجازها بمعرفة الكنيسة .
وبالطبع فإن عدم مثول كاميليا شحاتة أمام النيابة العامة لكى تقر بذلك رداً على البلاغات المقدمة للنيابة بشأن خطفها ؛ وعدم ظهورها بشخصها في برنامج توك شو بإحدى قنوات التلفزيون الحكومى أو أى من الفضائيات الخاصة التى تبث من داخل مصر ؛ كل ذلك أدى إلى ترك القضية معلقة ؛ لكى تتكرر مرة أخرى في إمبابة ؛ ولكن بدماء وحرائق وتخريب أدى إلى مقتل 12 شخص ( مسلم ومسيحى ) وإصابة 340 آخرين ؛ وإحراق الكنيسة ؛ وتحطيم ما حولها ؛ وإلقاء القبض على 190 مشتبه به وإحالتهم إلى القضاء العسكرى .
هى إذن نفس سياسة النظام السابق يمارسها النظام الجديد بحكومته ومجلسه العسكرى ؛ والتى تتمثل في ترك المشكلات لتتفاقم حتى تتحول إلى كارثة أمنية ؛ ثم يتم مواجهتها بإجراءات استثنائية مرحلية .
والسؤال هنا : ألا ينبغى إحالة كل من تسبب بتخاذله في عدم المواجهة القانونية لقضية كاميليا ( وأخواتها ) إلى المحاكمة ؛ نظرا لما أدى إليه ذلك من فتح الطريق لتلك القضايا لكى تتكرر بصور أكثر عنفاً ودموية ؛ وتعطى الفرصة لفلول النظام البائد من الحزب الوطنى وأمن الدولة ؛ لكى ينفخوا في النيران المختبئة تحت الرماد ؟!!!

ثانياً : لم تضطلع الدولة ( بحكومتها ومجلسها العسكرى ) بمسئوليتها الثورية ؛ المتمثلة في تغيير الوجوه الدينية التى حظيت بثقة النظام السابق ؛ وأدت بخطابها الدينى المدهون بسموم السياسة والتبعية للسلطة ؛ إلى ارتفاع النبرة الطائفية في المجتمع لتحقيق سياسة ( فرق تسد ) ؛ وإلى توليد الانطباع لدى الأقباط بأنهم أقلية مستهدفة يسهر النظام السابق على أمنها ؛ وتأكيد الانطباع لدى المسلمين بأنهم أغلبية مهضوم حقها في مواجهة أقلية تستقوى بالخارج . وبالتالى ؛ ما كان للثورة أن تتقدم للأمام بينما يتصدر المشهد الدينى وجوهاً لم تتبوأ مناصبها الدينية إلا بموافقة أمن الدولة .
ولهذا نقولها صريحة لوجه الله والوطن والثورة ؛ لا يمكن أن يتم تغليب المواطنة فى مصر على الطائفية ؛ لو بقى رموز الفتنة ورعاتها في مواقعهم الدينية الحصينة .
لذلك فإن تغيير شيخ الأزهر ومفتى الجمهورية وبطريرك الكرازة المرقصية ( البابا ) ؛ واختيار رموز دينية أخرى بنظام الانتخاب غير الموجه من الدولة بأجهزتها الأمنية ؛ هو أمر لازم لقطف ثمار الثورة .
ولنسأل أنفسنا عن الفتاوى والتصريحات التى كان سيعلنها هذا الثالوث لو تم قمع الثورة !!!!
فشل هذا الثالوث ( غير المقدس ) في نزع فتيل الفتنة بعد الأخرى ؛ دليل على أنه أحد أسبابها ؛ إما بالتواطؤ أو الإهمال أو انعدام الكفاءة .
لهذا ؛ فإن الإبقاء على الوجوه الدينية التى حظيت بمواقعها في ظل النظام السابق ؛ نتيجة ثقة الأجهزة الأمنية وترشيحها وموافقتها ؛ هو إقرار بأن منهج موافقة الأجهزة الأمنية على شاغلى المناصب العليا أمر غير مستهجن ولا يخالف منطق الثورة ؛ بما يجعلنا نظل ندور في دائرة جهنمية ؛ نطفأ فيها حريق هنا ليشتعل حريق آخر هناك .. ولكن ما أهون الحرائق التى تشتعل في المبانى ؛ قياساً بتلك التى تستعر- يوما بعد آخر – داخل الصدور !!!!

ثالثاً : لم تختلف الدولة بحكومتها ومجلسها العسكرى عن النظام السابق ؛ في تخصيصها نصف مناصب المحافظين على مستوى الجمهورية لقيادات أمنية وعسكرية . رغم أنه من المعلوم للكافة أن تلك القيادات لم تصل إلى مناصبها الأمنية أو العسكرية ؛ إلا لأنها حظيت بثقة النظام السابق وموافقة أجهزته الأمنية .
والسؤال ؛ ما الذي يمكن انتظاره من تلك القيادات إلا تنفيذ التعليمات لا القانون ؛ ومن ثم تضيع هيبة القانون ويفقد الناس الثقة في الدولة ومؤسساتها !!!
والعجيب في الأمر أن تلك القيادات كانت شاهدة بحكم الموقع والمنصب – في ظل النظام السابق – على ممارسات الفساد والاستبداد والتخاذل في مواجهة الفتن الطائفية والعنف الدينى . ولكن لم نسمع أن واحداً منهم تقدم باستقالته أو كشف عن أى معلومات تتعلق بأى انحراف . ورغم ذلك يتم مكافأتهم على إخلاصهم في خدمة النظام السابق ؛ بأن يصبحوا هم رجال النظام الجديد ( مسخرة ) .
فما الذي يمكن أن نتوقعه من زبانية السلطة ( أى سلطة ) إلا الطرمخة على المشكلات وتركها تتضخم حتى تتحول إلى كوارث أمنية . ماذا يمكن أن نتوقع من منفذى التعليمات مهما تنكرت للدستور وخالفت القانون ؟!!
———————————————————————–
لن نؤسس لمبدأ المواطنة ونستأصل روح الطائفية ؛ إلا إذا وضعنا أسس ثابتة لدور رجال الدين في المجتمع ؛ تؤكد على الآتى :
- مبدأ انتخاب جميع القيادات الدينية من دوائرهم الدينية لفترات محددة لا يجوز تمديدها .
- حظر وتجريم إبداء القيادات الدينية ومرؤوسيهم لأى أراء أو ضغوط سياسية .
- إخضاع دور العبادة الدينية بكافة أشكالها لشروط تجديد ترخيص دورى ؛ يتم إلغاؤه في حال خروج دار العبادة عن دورها الدينى .
- مراجعة النصوص التشريعية الواردة بالباب الثانى والباب الحادى عشر ؛ من الكتاب الثانى من قانون العقوبات بشأن الجرائم ذات الأبعاد الدينية ؛ وتنقيتها من الألفاظ المطاطة ؛ وصياغتها بما يضمن تحديدها تحديدا دقيقاً ؛ لا يتناقض مع حقوق الإنسان ؛ ولا يتهاون في ذات الوقت لمغازلة أى ديانة من الديانات .
- تجريم استخدام أى مسئول حكومى أو ناشط سياسى ؛ لمؤثرات دينية في المنافسات الانتخابية أو الأنشطة السياسية .
- تأكيد مبدأ سيادة القانون بكل حسم ؛ من خلال تطبيقه بكل تجرد ودون تردد على كل مواطن وكل بقعة وكل واقعة في أرض مصر ؛ لأن مناخ التخاذل فى تنفيذ القانون يخلق حلقات ضعيفة فى جسد الدولة والمجتمع المصرى ؛ بما يغرى أى متربص لكى يستثمر تلك الحلقات الضعيفة لتحقيق مآربه الخاصة . ولهذا ؛ فإن مؤامرات فلول النظام السابق ؛ لا ينبغى أن تأخذ مكانها فى هذا المشهد إلا من خلال التعامل معها باعتبارها نتيجة وليست سبباً ؛ فهى نتيجة أفرزها تخاذل الدولة ( بحكومتها ومجلسها العسكرى ) فى تطبيق القانون ؛ ذلك التخاذل الذى يتساوى بدون مبالغة مع المؤامرة .
- تجريم الاستعانة برجال الدين والجلسات العرفية في القضايا الجنائية ذات الأبعاد الدينية .
————————————————————-
البيت لا يمكن تنظيفه بأيدى قذرة .
وإدارة الدولة في مصر مازالت تعتمد على منطق وسياسات وأساليب ومناهج ورجال ورموز ووجوه بقايا وزبانية الدولة البوليسية .
ولن يمكن لسفينة الثورة أن تبحر في محيطات المستقبل بأشرعة مهلهلة تخترقها رياح التغيير.

اجمالي القراءات 4900
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more