نزلة السمان بين الفنادق الجديدة وحق السكان في البقاء جوار الأهرام

اضيف الخبر في يوم الأحد ٢٤ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


نزلة السمان بين الفنادق الجديدة وحق السكان في البقاء جوار الأهرام

على بعد أمتار قليلة من أهرامات الجيزة، حيث تتداخل حياة البشر والخيول والجمال مع حركة السائحين القادمين من أنحاء العالم، تعيش نزلة السمان واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية اضطراباً منذ نشأتها قبل أكثر من 150 عاماً.

المنطقة الشعبية التي التصقت طويلاً بهضبة الأهرامات، منذ أن انحسر نهر النيل عنها، نهاية القرن التاسع عشر، وتحولت عبر عقود إلى بوابة شعبية لاستقبال زوار أهرامات الجيزة، تجد نفسها اليوم بين عالمين، قديم صنعه السكان ببيوتهم الضيقة وخيولهم وغرفهم البسيطة المطلة على أهم آثار الدنيا، وعالم جديد تحاول الدولة تشكيله ليصبح مركزاً سياحياً عالمياً يضم عشرات آلاف الغرف الفندقية والاستثمارات السياحية الحديثة.
مقالات متعلقة :


حين وصل رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى نزلة السمان عصر السبت الماضي، كان يحمل خطاباً أرادت الحكومة أن يبدو مطمئناً. إذ تحدث عن "إحياء المنطقة"، وعن "التطوير بالمشاركة"، وعن الحفاظ على الأهالي باعتبارهم "المستفيدين الأصليين".

خلف كلمات الطمأنة، كان كثير من السكان يشعرون بالخوف من أن يكون التطوير مقدمة لرحيلهم التدريجي عن المكان. إذ قال رئيس الوزراء خلال لقائه ببعض الأهالي والمستثمرين إن "الدولة تستهدف تحويل نزلة السمان إلى منطقة سياحية حضارية تضم ما بين 15 و20 ألف غرفة فندقية خلال السنوات المقبلة"، وأشار إلى أن المنطقة تضم حالياً نحو 4 إلى 5 آلاف غرفة بالفعل، نشأت أغلبها بجهود ذاتية من السكان أنفسهم.اقتصاد شعبي نشأ من بيوت الأهالي
وجاءت كلمات مدبولي بعد جولة استغرقت الساعة في الأزقة الضيقة المطلة على الأهرامات، حيث بدت آثار هذا التحول واضحة بالفعل. تفقّد بيوتاً شعبية تحولت إلى نُزل صغيرة، وأسطح منازل أصبحت مقاهي مطلة على الهرم، وشققاً قديمة أعيد طلاؤها وتأثيثها لاستقبال سائحين أجانب يحجزون عبر منصات على مدار السنوات الأخيرة، نجح كثير من أهالي نزلة السمان، بموارد محدودة للغاية، في بناء اقتصاد سياحي صغير يشبه إلى حد ما، أحياء إسطنبول القديمة أو رياض مراكش المغربية حيث السياحة تعتمد على البيوت المحلية والطابع الشعبي أكثر من المنتجعات المغلقة.

ذاكرة الإزالات تحاصر وعود الحكومة
هذا النجاح نفسه أصبح الآن مصدر توتر، كما يقول عمر خطاب، أحد أبناء المنطقة الذين تحاول عائلتهم تحويل جزء من منزلها إلى وحدات فندقية صغيرة، إن الناس "لدغوا مرتين من قبل". وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة أجبرت الأهالي على هدم مئات المنازل على مدار السنوات العشر الماضية، بحجة تطوير الطرق وتسهيل الحركة السياحية حول الأهرامات، قبل أن يجد كثير منهم أنفسهم منقولين إلى مساكن بعيدة بمدينة حدائق أكتوبر، على مسافة 10 كيلومترات في قلب الصحراء".

وتابع خطاب "الأكثر إيلاماً بالنسبة للسكان كان ما حدث لمشروع نزلة السمان الجديدة، الذي أُقيم أصلاً لإسكان المتضرّرين من الإزالات، والذي أنشأته الحكومة فوق أرض الغابة الشجرية وحديقة سوزان مبارك القديمة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مشروع عقاري فاخر جرى تسويقه بأسماء تجارية مثل باسم غرين فالي، وطرحت وحداته للبيع بمبالغ قاربت مليوناً ونصف المليون جنيه للوحدة الواحدة، بدلاً من تخصيصها للأهالي الذين أزيلت بيوتهم"، وأضاف "لهذا تبدو كلمات الحكومة عن التطوير لصالح السكان بالنسبة لكثيرين محمّلة بقدر كبير من الحذر".مثل "بوكينغ" و"أير بي إن بي"، بحثاً عن "التجربة المحلية" التي لا الحكومة تتحدث عن المشاركة لا الإزالة
في اللقاء الذي نظمته الحكومة داخل نزلة السمان، حاول مدبولي تقديم صورة مختلفة، فقال إن "الدولة تخلت عن فكرة الإزالة الشاملة لصالح التطوير بالمشاركة"، وأكد أن الحكومة "لن تنفذ شيئاً إلا بمشاركة الأهالي واقتناعهم". وتحدث عن نماذج عالمية لإحياء المناطق التاريخية مع الحفاظ على سكانها، مشيراً إلى أن نزلة السمان يجب أن تتحول إلى منطقة "تليق بأجمل منظر في العالم".

وكشفت لغة اللقاء مع المستثمرين وممثلي المواطنين حجم التحول لدى الحكومة التي لم تعد تتحدث عن حي شعبي يعيش فيه سكان يمارسون أنشطة تقليدية حول الأهرامات، بل عن منتج سياحي ذي هوية بصرية وعلامة تجارية وطاقة فندقية كبيرة تساعد الدولة على زيادة الحركة السياحية يقبل عليها السائحون ويقيّمون أداءها بما يدفع المزيد من الاستثمارات بالمنطقة، التي يجري تعريفها اقتصادياً بالكامل.

في المقابل، بدا المستثمرون وأصحاب الفنادق الصغيرة أكثر تفاؤلاً من السكان العاديين. إذ وصف حسام الشاعر زيارة رئيس الوزراء لنزلة السمان بأنها "تاريخية"، مؤكداً أن المستثمرين عملوا لنحو 40 عاماً تحت تهديد دائم بالإزالة، ورغم ذلك تمكنوا من بناء "منتج سياحي متميز". وقال إن "نزلة السمان قادرة على جذب ما بين 2 و3 ملايين سائح إضافي إذا جرى تطويرها بالشكل الصحيح"، مشبهاً مستقبلها المحتمل بمدينة مراكش المغربية، ومع ذلك كشف في الوقت ذاته جوهر الأزمة حين طالب بإصدار "رخص مؤقتة" للمنشآت القائمة.

التراخيص الصعبة وشبح الإحلال الطبقي
وفي جولة لـ"العربي الجديد" بالمنطقة فور انتهاء زيارة رئيس الوزراء من الاجتماع، رصدت أن معظم الفنادق وبيوت الضيافة الموجودة حالياً تعمل في منطقة رمادية قانونياً، فالمباني قديمة، كثير منها بلا تراخيص مكتملة، والشوارع ضيقة، بينما تفرض وزارة السياحة والآثار المصرية شروطاً يعتبرها الأهالي قاسية وصعبة التطبيق. إذ تطلب الوزارة للحصول على ترخيص رسمي، رخص بناء أو شهادات تصالح، وموافقات من السلطات المحليات، والدفاع المدني، واشتراطات سلامة، ومواصفات هندسية، ومعايير تشغيل فندقي يصعب على كثير من المباني القديمة تلبيتها.
بالنسبة للدولة، هذه الاشتراطات ضرورية لتحسين صورة المنطقة وضمان سلامة السائحين ورفع جودة الخدمات، لكن بالنسبة لكثير من السكان، تبدو الشروط وكأنها مصممة خصيصاً لإخراجهم من السوق.

وقال عدد من الأهالي لـ"العربي الجديد"، إنهم حولوا بيوتهم إلى نُزل صغيرة بمدخراتهم الذاتية، من دون قروض أو استثمارات كبرى، بينما لا يملكون القدرة المالية لتحويل المباني القديمة إلى منشآت مطابقة لمعايير الفنادق الحديثة. ومن هنا يظهر القلق الأكبر بين أهالي نزلة السمان الذين يرون أن التطوير يسير تدريجياً إلى عملية "إحلال طبقي" تخرج السكان الأصليين لصالح مستثمرين أكبر وأكثر قدرة على التمويل.

ومع ارتفاع القيمة العقارية والسياحية للمنطقة، بدأت أسعار الأراضي والإيجارات ترتفع بالفعل، وظهرت شركات ومستثمرون يسعون لشراء العقارات المطلة على الأهرامات وتحويلها إلى فنادق ومطاعم سياحية أكبر، بعضهم قيادات في الغرف السياحية والفندقية، وأعضاء بالبرلمان لديهم القدرة المالية والسلطة لتخليص مشروعاتهم من القيود الروتينية للحكومة.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الحفاظ على الأهالي، يخشى كثيرون أن يصبحوا في النهاية مجرد عمال أو مقدمي خدمات داخل اقتصاد سياحي جديد لا يملكونه فعلياً. هذا التوتر بدا واضحاً حتى داخل اللقاء الرسمي نفسه مع رئيس الوزراء، فبينما تحدث المستثمرون عن "التسويق العالمي" و"الهوية البصرية" ورفع تقييمات السائحين على المنصات الدولية، كان بعض الأهالي يطالبون بأشياء أكثر بساطة، منها تطوير الوحدة الصحية، وضمان عدم إزالة البيوت، والسماح لهم بالعمل من دون خوف دائم من الغلق أو الهدم.بين الازدهار السياحي وحق البقاء
ورغم المخاوف، لا يخفي كثير من السكان رغبتهم في نجاح المشروع، فنزلة السمان تعيش بالفعل على السياحة منذ أجيال، من تجارة الخيل والجمال إلى البازارات والمطاعم والرحلات الشعبية، لكن السكان يريدون تطويراً يسمح لهم بالبقاء داخل المشهد الجديد، لا أن يتحولوا إلى ضحايا له.

وتبدو نزلة السمان اليوم وكأنها مختبر مصغر لتحولات أوسع تشهدها العاصمة المصرية ومناطقها التاريخية. فالدولة تسعى لإعادة تشكيل قلب القاهرة التاريخي والسياحي بالكامل، من الفسطاط وسور مجرى العيون حيث بدأت كدولة إسلامية، إلى وسط البلد حيث القاهرة الخديوية والمتحف المصري الكبير، المقام حديثاً على هضبة الأهرامات وعلى بعد أمتار من نزلة السمان، التي يرغب أهلها أن تظل المنطقة حياً شعبياً عاش فيه الناس بجوار الأهرامات لأكثر من قرن، وفي نفس الوقت تتحول تدريجياً إلى منطقة ضيافة عالمية تشبه المنتجعات السياحية المفتوحة، دون أن تتأرجح بين حلم الازدهار السياحي، وكابوس أن يفقد أهلها حقهم في البقاء تحت ظل الأهرامات التي عاشوا بجوارها أجيالاً طويلة.
اجمالي القراءات 14
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق