العدل قبل الميراث

عثمان محمد علي Ýí 2026-06-01


العدل قبل الميراث
حقوق المطلقة والأرملة في الثروة المشتركة
أتحدث هنا عن قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في مصر، وعن بعض الحقوق التي أرى أنها ما زالت تحتاج إلى معالجة تشريعية تحقق قدرًا أكبر من العدل للزوجة عند الطلاق أو عند وفاة زوجها.
ولنبدأ بمثال واقعي متكرر في مجتمعاتنا.
كان الحاج مسعود والحاج متولي شقيقين يعيشان في بيت العائلة. وبعد زواجهما وإنجابهما احتاج كل منهما إلى مسكن مستقل.
باع الحاج مسعود نصيبه في بيت الأسرة لأخيه، واشترى قطعة أرض ليبني عليها بيتًا جديدًا.
وفي أثناء البناء باعت زوجته الحاجة سكينة أرضًا كانت قد ورثتها عن أبيها، وساهمت بثمنها في شراء الأرض أو في إقامة المنزل. وعندما وعدها زوجها بشراء أرض بديلة لها رفضت قائلة: "يكفيني أن يكون هذا البيت لأولادنا".
عاش الزوجان سنوات طويلة، وربيا ابنتيهما، وكان الزوج يعمل حدادًا يكدح يوميًا لينفق على أسرته، دون أن يتمكن من ادخار ثروة كبيرة.
ثم توفي فجأة.
وبعد انتهاء العزاء بفترة حضر أخوه الحاج متولي مطالبًا بإجراء إعلام الوراثة وتقسيم التركة، بما فيها البيت الذي تقيم فيه الأرملة وابنتاها.
فهل أخطأ العم عندما طالب بنصيبه؟
الإجابة: لا.
فالمواريث في القرآن الكريم أنصبة محددة لا يجوز تعطيلها بالعاطفة أو المجاملة أو الضغوط الاجتماعية، ما دامت التركة قد حُددت تحديدًا صحيحًا وردت الحقوق إلى أصحابها. وإذا كان للعم نصيب شرعي في التركة فلا يجوز منعه منه.
لكن السؤال الأهم هو: ما الذي يُعد تركة أصلًا؟
هنا أرى أن كثيرًا من الناس، بل وبعض القوانين، يخلطون بين ملكية الزوج الخاصة وبين الأموال أو الممتلكات التي ساهمت الزوجة في تكوينها أو تنميتها.
فإذا كانت الزوجة قد دفعت من مالها الخاص في شراء الأرض أو بناء المنزل، فإن هذا الحق يجب أن يُرد إليها أولًا قبل اعتبار البيت جزءًا من التركة. فالميراث لا يُقسم إلا بعد سداد الديون ورد الحقوق إلى أصحابها.
وبعد رد هذه الحقوق، يبقى السؤال الآخر:
هل يقتصر حق الزوجة على ما دفعته مباشرة من أموال، أم أن لها حقًا في الثروة التي تكونت أثناء الحياة الزوجية؟
من وجهة نظري، فإن الزوجة ليست مجرد شخص يقيم في المنزل، بل شريك أصيل في بناء الأسرة. فهي التي تحملت أعباء الحمل والولادة والتربية والرعاية وإدارة شؤون البيت، وأتاحت لزوجها التفرغ للعمل وتنمية دخله وممتلكاته.
ولهذا أرى أن من العدل أن يعيد المشرع النظر في مفهوم الملكية الزوجية، بحيث تُعتبر الثروة التي تكونت أثناء الزواج ملكًا مشتركًا بين الزوجين، ما لم يثبت أن أحدهما حصل عليها قبل الزواج أو عن طريق ميراث أو هبة خاصة به.
وعلى هذا الأساس، فإذا وقع الطلاق، أو توفي أحد الزوجين، يُحدد أولًا نصيب كل طرف في الثروة المشتركة، ثم تُطبق بعد ذلك أحكام الميراث على الجزء الذي يخص المتوفى.
ومن هنا تأتى فكرة التعديل التشريعي المقترحة:
إن هذا الاقتراح لا يمس أنصبة المواريث المنصوص عليها في القرآن الكريم، وإنما يهدف إلى تحديد الملكية الحقيقية للأموال قبل بدء توزيع التركة.
كما أنه يوفر حماية أكبر للمرأة التي أفنت سنوات عمرها في بناء أسرتها ثم قد تجد نفسها بعد الطلاق أو وفاة الزوج بلا مسكن ولا مصدر دخل، رغم مساهمتها الحقيقية في تكوين هذه الثروة.
وفي المقابل، فإنه يحمي الرجل أيضًا من صور الظلم التي قد تنشأ نتيجة النزاعات الأسرية الطويلة، لأن قاعدة الشراكة الواضحة في الثروة المكتسبة أثناء الزواج ستكون أكثر عدلًا واستقرارًا للطرفين.
لذلك أتمنى أن يناقش البرلمان هذه الفكرة عند مراجعة قوانين الأحوال الشخصية، وصولًا إلى نظام قانوني يحقق العدل ويحفظ الحقوق ويقلل من النزاعات، ويضمن حياة كريمة لكل أفراد الأسرة عند الطلاق أو الوفاة.
فلنبحث عن آلية قانونية تقلل الظلم الواقع على أي من الطرفين، قبل أن تبدأ معركة المحاكم أو تقسيم التركات.
فلو طبقنا العدل في تقاسم الممتلكات المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، فسنحقق للطرفين قدرًا أكبر من الاستقرار، ونحفظ حقوقهما، ونوفر لهما حياة أكثر كرامة بعد الطلاق أو الوفاة.
اجمالي القراءات 699

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق