تشي جيفارا بين أسطورة الصورة وامتحان الدولة:
تشي جيفارا صورة هزمت الدولة

شادي طلعت Ýí 2026-01-08


تشي جيفارا بين أسطورة الصورة وامتحان الدولة ..

لم يكن (تشي جيفارا) رجل منصب، بل رجل فكرة، ولم يكن حاكماً بالمعنى التقليدي، بل ثائراً ظل يهرب من الكرسي كما يهرب العابد من غواية الدنيا.

 

من هنا تبدأ الحكاية .. لا من الرصاصة التي قتلته، بل من السؤال الذي تركه حياً : هل يصلح الثائر ليكون رجل دولة .. 

 

من الطبيب إلى المقاتل، ولد (إرنستو جيفارا) عام 1928 في الأرجنتين، طبيباً لا يحمل سماعة بقدر ما يحمل قلقاً، طاف أمريكا اللاتينية فرأى الفقر لا كرقم، بل كجسد منكسر، ورأى الظلم لا كنظرية، بل كحياة كاملة تسحق يومياً، هناك لم يولد الماركسي، بل ولد الغاضب.

 

وفي المكسيك التقى (فيدل كاسترو)، ولم يكن اللقاء مصادفة، بل تلاقي غضبين في آن واحد، وفي ديسمبر 1956، نزل إلى كوبا على قارب صغير، ليصعد بعدها إلى قلب التاريخ.

 

وتحقق الوصول إلى السلطة دون شغف بها، وبانتصار الثورة عام 1959، وجد (جيفارا) نفسه داخل الدولة التي حاربها من الخارج.

وتقلد مناصب حساسة منها :

– رئيس البنك الوطني.

 

– ثم وزير الصناعة في الفترة من (1961 : 1965) أربع سنوات فقط، لكنها كشفت مفارقة كبرى منها التالي :

- أن الرجل الذي يجيد هدم النظام، لا يجيد بناءه. 

- لم يكن اقتصادياً، ولا بيروقراطياً، ولم يُخف ذلك.

- حاول أن يصنع (إنساناً اشتراكياً جيداً) قبل أن يصنع اقتصاداً واقعياً، فاصطدم بالحقائق، وبالآلة الثقيلة للدولة.

 

فكان الهروب النبيل من السلطة عام 1965، واختفى (جيفارا)، لا بسبب انقلاب، ولا صراع، ولا عزل، وإنما فقط انسحاب صامت.

فذهب أولاً إلى الكونغو في أفريقيا لتحريرها عبر حث الناس على الثورة، ولكن فشلت الثورة، فذهب بعدها إلى تنزانيا، ثم أخيراً شد الرحال إلى (بوليفيا)، وكأن قدره كان يضيق كلما اقترب من نهايته .. فهناك لم يكن محبوباً، ولا مفهوماً، ولا مدعوماً، فكان ثائراً بلا شعب، وحلماً بلا أرض.

 

وأما عن صورته التي هزمت الجسد، فكانت في يوم 5 مارس 1960، التقطها (ألبرتو كوردا) صورة لم يكن يعرف أنها ستعيش أكثر من صاحبها.

كانت نظرة جيفارا فيها ثابتة، ذو ملامح صلبة، بلا ابتسامة أو خوف.

صورة لا تقول (أنا بطل)، بل تقول : (أنا لا أساوم)، لهذا أصبحت أيقونة، لأنها لا تمثل جيفارا فقط، بل تمثل الحلم النقي قبل أن تلوثه السلطة.

 

وتحول (جيفارا) إلى أسطورة يوم 9 أكتوبر 1967، حيث أعدم (تشي جيفارا) في بوليفيا على يد الجيش، لم يحاكم، ولم يسمح له بالكلام، وقتل جسداً، لكنه ربح الخلود رمزياً.

دفن سراً قرب مقبرة جماعية، حتى نقل رفاته عام 1997 إلى مدينة (سانتا كلارا) في كوبا، حيث يرقد اليوم في ضريح يزوره مئات الآلاف سنوياً، لا كزعيم، بل كرمز.

 

ونأتي إلى السؤال المحرم : 

ماذا لو عاش (جيفارا) هل كانت كوبا ستصبح ديمقراطية ؟

والجواب الصادق : 

أنه على الأرجح (لا) لأن (جيفارا) لم يكن ديمقراطياً بالمعنى الليبرالي.

فقد كان يؤمن بالثورة، وبالحسم، وبأن التاريخ لا ينتظر الصناديق

ولو عاش، ربما كانت كوبا أكثر راديكالية، وأكثر صداماً، وربما أكثر فقراً، ولكن .. أكثر عدالة، حسب الزاوية. 

لكنه بالتأكيد لم يكن سيقبل بالتعددية السياسية كما نعرفها اليوم.

 

في النهاية : 

لقد بقي جيفارا حياً، لأن موته جاء قبل أن يفسده الحُكم.

ولأن صورته سبقت أخطاءه.

ولأنه خرج من الدولة قبل أن تبتلعه.

(تشي جيفارا) لم يكن قديساً ولا شيطاناً.

بل كان تجربة إنسانية ناقصة، لكنها كانت صادقة.

ولهذا : ما زال العالم يُعلق صورته، لا لأنه انتصر، بل لأنه لم يخُن حلمه.

 

وعلى الله قصد السبيل

 

شادي طلعت 

 

#شادي_طلعت 

#تشي_جيفارا_صورة_هزمت_الدولة

اجمالي القراءات 31

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-11-20
مقالات منشورة : 367
اجمالي القراءات : 4,373,521
تعليقات له : 79
تعليقات عليه : 230
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt