آحمد صبحي منصور Ýí 2025-01-05
الفصل الثانى : ( خلق القرآن ) الأرضية التاريخية (2 ) التطور فى عصر الخليفة الواثق
الباب الثانى : الأرضية التاريخية لطوفان المنامات فى ( خلق القرآن ) كتاب ( المنامات : الكذب الشيطانى فى دين التصوف السنى ).
أولا :
1ـ كان الخليفة هارون الواثق ( ت 237 هجرية ) منحازا للإتّجاه العقلى والعلمى . ويقول المسعودى ( ت 346 ) فى تاريخه ( مروج الذهب ) إن الخليفة الواثق سلك مسلك أبيه المعتصم وعمه المأمون ( من القول بالعدل ) أى مذهب المعتزلة ( العدل والتوحيد ). ( مروج الذهب : 2 / 375 ) . وتحت عنوان ( مجلس الواثق فى الفلسفة والطب ) ذكر المسعودى مجلس علم عقده الواثق وحضره علماء وأطباء . قال المسعودى عنه : ( وكان الواثق بالله محبا للنظر (أى الاتجاه العقلى ) مُكرما لأهله ، مبغضا للتقليد وأهله (أى الفقهاء وأهل الحديث ) ، محبا للإشراف على علوم الناس وآرائهم ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيين ) . وفى هذا المجلس سألهم الواثق عن مصدر المعرفة بعلم الطب ، هل بالحسّ ام بالقياس أم بالسّنّة كما يذهب اليه جماعة من اهل الشريعة. وحضر المجلس ابن بختيشوع وابن ماسويه وحنين وسلمويه . وقد قالوا ( إن الطريق الذى يُدرك به الطب هو التجربة فقط ) ، ونقل المسعودى خمس صفحات من النقاش الذى دار فى هذا المجلس ( مروج الذهب : 2 / 375 ، 384 : 388 ).
2 ـ جدير بالذكر ان المؤرخ المسعودى كان قريبا من عصر الواثق ، ولم يصطنع الاسناد فى رواية تاريخه ، أى لم يقل ( أخبرنى فلان عن فلان ) كما كان يفعل المؤرخون من أصحاب الحديث كالطبرى وابن الجوزى.
ثانيا :
1 ـ كانت الفجوة الهائلة بين أصحاب الحديث وأصحاب الاتجاه العقلى والعلمى .
1 /1 :أصحاب الحديث لا علم حقيقيا لديهم ، هى مرويات يخترعونها بينما تجد أصحاب الاتجاه العلمى والعقلى يعولون على المنطق والعقل والتجربة والخطأ والقياس العقلى والبرهان .
1/ 2 :فى الاتجاه العقلى لا يقولون بأن أقوالهم وآراءهم دين ، بينما أصحاب الكهنوت السّنى يعتبرون ما يصنعون دينا بنسبته وحيا لله جل وعلا ورسوله .
1/ 3 : عاش أصحاب الاتجاه العقلى العلمى متفرغين للبحث فى تخصصاتهم وإبتكاراتهم ، أما أصحاب الكهنوت السّنى فقد أنفقوا أعمارهم فى صناعة أسانيد ، عنعنات عن فلان وفلان أقاويل يزعم هذا الفلان أنه سمعها من فلان عن فلان عن فلان . وساد هذا العارالقرون التالية وحتى عصرنا البائس حيث تتخصص كليات ومعاهد ومراكز فى هذا الهراء .
1 / 4 :الفارق الأكبر بين الفريقين هو إنعزال أصحاب الاتجاه العلمى الباحثين فى الطب والعلوم الطبيعية والاتجاه العقلى ( المعتزلة) عن الأغلبية الساحقة من الناس ، فى الوقت الذى كان فيه أصحاب الحديث من العوام أصلا ، ومنهم كثيرون يحملون أسماء الحرف التى كانوا يعملون بها ، ثم تركوها ليكونوا رواة للأحاديث وصُنّاعا لها . ومنهم القصّاصون من إحترف القصص وعظا ، وسرعان ما تتحول أقاصيصهم الى أحاديث . ولكن التأثير الأكبر هو فى صناعة أحاديث تستهوى العوام مثل الشفاعة وتقديس النبى محمد والغيبيات . بهذا كانوا المسيطرين على الشارع وكانوا يصيغون عقليات العوام من بنى جلدتهم ، على أن ما يقولونه هو الدين .
فى النهاية:إنعزل عن الشارع أرباب الاتجاه العقلى العلمى وعاشوا بالقرب من الحكام بينما إلتصق أرباب الكهنوت السُّنى بالناس فى الأسواق والمساجد والشوارع . لذا أصبحوا بمرور الزمن نجوم عصرهم .
ثالثا :
ثورة أحمد بن نصرالخزاعى
1 ــ فى هذا المناخ ـ فى خلافة الواثق ـ كانت حركة إبن نصر الخزاعى ومقتله . وكانت الأرضية التى نبت فيها حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره .. )، والذى لا يزال أساس الارهاب حتى الآن .
2 ـ تبدأ الجذورباستيلاء جيش المأمون على بغداد وأصبح المأمون الخليفة بعد قتل أخيه الأمين عام 198 . ولكن ظل المأمون فى فارس ( مرو ) تاركا بغداد تلعق جراحها بعد التدمير والقتل التى حدثت فيها . غياب المأمون أحدث إنفلاتا أمنيا ، إستغلّه زعماء العصابات (الطرارون ، العيارون ، الخ ) فى لعب دور عسكرى وسياسى ، حمل هذا الدور أحيانا شعار ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). بعد فشل زعيم قطاع الطرق الحسن الهرش إحترف بعض العوام السلب والنهب ، وإنضم اليهم جماعات من الجُند ، فتصدى لهم متدينون من ( العوام ) فظهرت حركة جديد باسم ( المطوّعة ) لها رئيسان ، أحدهما (خالد الدريوش ) بلا هدف سياسى ، والآخر ( سهل بن سلامة ) كانت له أطماع سياسية . وأدى سخط بنى العباس فى بغداد على المأمون الغائب فى مرو الى تشجيع أمير من البيت العباسى على الثورة ، وإتخذ من العوام عسكرا له . هذا الهرج إنتهى بقدوم المأمون بغداد ، وسيطرته على مقاليد الأمور عام 204 .
3 ـ إحتاج العوام ـ ومعظمهم سنيون متشددون / حنابلة ـ الى قائد عسكرى ( حنبلى ) يؤطّر تحركهم بالدين ، بشعار : ( من رأى منكم منكرا ) .
4 ـ ذكر الطبرى أن إبن نصر قد بايع له أهل الجانب الشرقى فى بغداد على الأمر بالمعروف والسمع له فى سنة إحدى ومائتين .. وأنه لم يزل ثابتا على ذلك الى ان قدم المأمون بغداد فى سنة أربع ومائتين . ثم قاد ابن نصر حركة جديدة بعدها بثلاثين عاما تقريبا ،أسفرت عن قتله ، إذ دخلت حركته فى تطورها النهائى فى خلافة الواثق عام 231 . وجاءت التفاصيل فى تاريخ الطبرى ( 9 / 135 : 139 ) وتاريخ بغداد ( 5 / 173 : 180 ) ، ثم نقل عنهما ابن الجوزى فى المنتظم .( 11 / 165 : 170 ).
5 ـ ولم يكن لأحمد بن نصر تميز فى الحديث ، ولكن تميّز بإنتمائه الى أسرة ذات مكانة ونفوذ ممّا شجعه على أن يكون صاحب طموح ونشاط معارض للعباسيين تحت شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وبسبب خطورته وخطورة حركته بادر الواثق بإخماد حركته ، وعقد له محاكمة سريعة تجنب فيها الواثق التحقيق معه بالتهمة الأصلية وهى الثورة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحصر المحاكمة فى موضوع خلق القرآن الذى لم يكن ابن نصر رأسا فيه ، ولكنها التهمة التى بها قام الواثق بقتل ابن نصر بيده ، وصلبه، وكتبت بها ورقة كانت معلقة على جثته وهو مصلوب .
6 ـ يقول الطبرى تحت عنوان ( ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعى على يد الواثق ) : ( وفى هذه السنة تحرّك ببغداد فى ربض عمرو بن عطاء ، فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعى البيعة ) . أى أن بعض أهل بغداد بايعوا أحمد بن نصر على الثورة ضد العباسيين . ومن التفاصيل نفهم مكانة ابن نصر ، فقد كان جده مالك بن الهيثم أحد نقباء بنى العباس ، أى من كبار مؤيديهم . ويقول ابن الجوزى عن مكانة أسرة ابن نصر الخزاعى : ( ومالك بن الهيثم كان أحد نقباء بني العباس في ابتداء دولتهم ، وسويقة نصر ببغداد تنسب إلى أبيه نصر . )أى ظلت سويقة نصر ببغداد حتى عصر ابن الجوزى فى القرن السادس الهجرى.
7 ـ وقد إفتقد قادة أهل الحديث المكانة والنفوذ لأنّ معظمهم من الفقراء والعوام ، ولذا كانوا يلوذون بجاه أحمد بن نصر ضد الدولة العباسية . يقول الطبرى عن أحمد إنه كان يغشاه أهل الحديث كيحيى بن معين وابن الدورى وابن خيثمة، وقد إستمالوه الى معارضة رأى العباسيين فى خلق القرآن ، فأصبح ابن نصر مخاصما لمن يقول بخلق القرآن ، ( هذا مع منزلة أبيه فى الدولة ) كما يقول الطبرى . بل كان ابن نصر ( يبسط لسانه فيمن يقول ذلك ). ولم يأبه ابن نصر بغلظة الواثق واضطهاده من يخالف رأى المعتزلة. وقد شتم أحمد بن نصر الخليفة الواثق علنا بين جماعة من الناس فى بيته ووصفه بالخنزير ورماه بالكفر . وشاع هذا فى بغداد . وتجمع حول ابن نصر أهل الحديث يشجعونه على مواجهة الواثق ، يقول الطبرى : ( وحملوه على الحركة لانكار القول بخلق القرآن ، وقصدوه بذلك دون غيره ، لما كان لأبيه وجده فى دولة بنى العباس من الأثر ، ولما كان له ببغداد ، وأنه كان أحد من بايع له أهل الجانب الشرقى على الأمر بالمعروف والسمع له فى سنة إحدى ومائتين ..فرجو إستجابة العامة له إذا تحرّك . ) .
8 ـ ويروى ابن الجوزى عن شيوخه من أهل الحديث أن أمر أحمد بن نصر ( تحرّك ببغداد في آخر أيام الواثق، فاجتمع إليه خلق من الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إلى أن ملكوا بغداد . ) أى إستولوا على بغداد وقت أن كان الواثق يقيم فى مدينة ( سامرا ) بزعم ابن الجوزى . وبدأ أتباع احمد بن نصر فى الإستيلاء على بغداد يقودهم رجلان : ( يقال لأحدهما: طالب في الجانب الغربي ، ويقال للآخر: أبو هارون في الجانب الشرقي . وكانا موسرين . فبذلا مالًا . وعزما على الوثوب ببغداد في آخر أيام الواثق في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين.) ووصلت الأخبار الى رئيس الشرطة ( إسحاق بن إبراهيم ، فأخذ جماعة، منهم فيهم أحمد بن نصر وصاحباه طالب وأبو هارون . ) وحملهم الى الخليفة الواثق فى سامراء .
9 ـ وحقّق الواثق بنفسه مع ابن نصر فى موضوع خلق القرآن بحضور ابن أبى داود رأس المعتزلة : ( فجلس لهم الواثق . وقال لأحمد بن نصر: دع ما أخذت له . ( يعنى دع موضوع الثورة والحركة لأخذ بغداد ) ما تقول في القرآن ؟ قال: هو كلام الله. قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله .قال: أفترى ربك في القيامة ؟ قال: كذا جاءت الرواية . قال: ويحك يرى كما يرى ؟ أفمخلوق هو ؟ قال: هو كلام الله. قال: المحدود المجسوم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.) وسأل الواثق الحاضرين : ( ما تقولون فيه ؟ ) فقال القاضى عبد الرحمن بن إسحاق : هو حلال الدم . وأيده جماعة من الحاضرين ، ولكن حاول ابن أبى داود إنقاذه ، فقال للواثق: " يا أمير المؤمنين شيخ مختل لعل به عاهة أو تغير عقله، يؤخر أمره ويستتاب ." فقال الواثق: ما أراه إلا مؤذنًا بالكفر قائمًا بما يعتقده منه. ودعا الواثق بسيف ( الصمصامة ) ، وقال: ( إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها . ) ثم أمر بالنطع فأُجلس عليه وهو مقيد ، وأمر بشد رأسه بحبل ، وأمرهم أن يمدوه . ومشى إليه حتى ضرب عنقه . وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصبت في الجانب الشرقي أيامًا ، وفي الجانب الغربي أيامًا . وتتبع رؤساء أصحابه فوضعوا في الحبوس . )
وفي رواية أخرى: أنّ الواثق لم يحقق معه فيما قيل عنه في الخروج عليه، لكنه قال: ( ما تقول في القرآن وهل ترى ربك ؟ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فدعا الواثق بسيف عمرو بن معد يكرب ، ومشى إليه وضربه ضربة وقعت على حبل العاتق ، ثم ضربه ضربة أخرى على رأسه . ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه ، وجزّ رأسه . ثم صلب في الحظيرة التي فيها بابك ، وفي رجليه قيود ،وعليه سراويل وقميص . وحمل رأسه إلى مدينة السلام ، فنصب في الجانب الشرقي أيامًا ، وفي الجانب الغربي أيامًا . ثم حول إلى الشرقي . وحظر على الرأس حظيرة . وضرب عليه فسطاط وأقيم عليه الحرس . ) وتقول الرواية ( ضربت عنق أحمد بن نصر . وهذه نسخة الرقعة معلقة في أذنه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك . دعاه عبد الله الإمام هارون الواثق بالله أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه ، فأبى إلا المعاندة، فعجّله الله إلى ناره. ) .
10 ـ وأدّى حُمق الخليفة الواثق وقتله ابن نصر وصلب جسده فى مكان وتعليق راسه فى مكان آخر الى زيادة شهرته ، فقد أصبح رمزا فى أعين العوام للثورة على العباسيين ، وفى إعتناق التشدّد السنى للمزايدة على الدولة العباسية السّنية . وقد ساعد على هذا أكثر وأكثر تلك الدعاية التى قام بها أهل الحديث ، وهم أرباب القصص والوعظ ، وقد إخترعوا منامات وقصصا راجت عن كرامات لرأس احمد بن نصر، خصوصا فى خلافة المتوكل الذى تولى بعد أخيه الواثق .
تاريخ الانضمام | : | 2006-07-05 |
مقالات منشورة | : | 5139 |
اجمالي القراءات | : | 57,528,510 |
تعليقات له | : | 5,465 |
تعليقات عليه | : | 14,848 |
بلد الميلاد | : | Egypt |
بلد الاقامة | : | United State |
الفصل الثانى : ( خلق القرآن ) الأرضية التاريخية (2 ) التطور فى عصر الخليفة الواثق
الفصل الأول : ( خلق القرآن ) الأرضية التاريخية :( البداية من المأمون الى المعتصم )
الفصل الثالث : فى مناماتهم الكاذبة عن الرسول محمد عليه السلام
الفصل الثانى : فى مناماتهم يزعمون التحكم فى الغفران الالهى ودخول الجنة
دعوة للتبرع
راعنا: نحن نقول ( فى رعاية الله ) والاح ظ ان حضرتك لا...
شذوذ النساء والرجال: ورد فى كتابك م (القر ن وكفى ) حكم اللات ى ...
المثانى : تكررت كلمة مثاني في القرآ ن المجي د مرتين .....
نذير من قبلك: إلى أى زمن لم يأت للعرب نذير قبل النبى محمد ؟...
سؤالان: السؤا ل الأول : العص ا التى كانت مع موسى...
more