القرآن في امتحان النحو: ضرورة علمية أم تمييز ديني؟
القرآن في امتحان النحو: ضرورة علمية أم تمييز ديني؟
تعقيبًا على الجدل الذي أُثير حول ورود سؤال في مادة النحو بالشهادة الإعدادية مستند إلى آية قرآنية، وما تبعه من اعتراضات زعمت أن الاستشهاد بالقرآن في امتحان عام يُعد نوعًا من التمييز الديني، رأيت أن أتناول القضية من زاوية علمية خالصة.
فالمسألة في حقيقتها ليست قضية دينية ولا طائفية، وإنما قضية تتعلق بمصادر ( اللسان العربى ) اللغة العربية نفسها، وبالأسس التي استند إليها علماء النحو والصرف والبلاغة في تقعيد علوم اللسان العربى عبر القرون.
ولأن كثيرًا من الآراء المطروحة تجاهلت هذه الحقيقة الأساسية، أو قفزت فوقها، فقد أصبح من الضروري العودة إلى أصل الموضوع: من أين استمد علماء العربية قواعد النحو والصرف والبلاغة؟
وهل يمكن علميًا تجاهل أحد أهم المصادر التي قامت عليها هذه العلوم؟
من هنا تأتي هذه المقالة بوصفها قراءة علمية في القضية، بعيدًا عن المزايدات والاصطفافات، وانطلاقًا من أصول علم اللغة العربية وتاريخ نشأته.
من أين جاءت قواعد النحو؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن النحويين وضعوا قواعد اللغة العربية من عند أنفسهم، بينما الحقيقة أنهم استنبطوا هذه القواعد من دراسة كلام العرب واستقراء نصوصهم.
وقد اعتمد علماء العربية على مصادر رئيسية، كان في مقدمتها القرآن الكريم، ثم كلام العرب الفصحاء، والشعر العربي القديم، وغير ذلك من الشواهد اللغوية التي تمثل العربية في أنقى صورها.
ولهذا امتلأت كتب النحو والصرف والبلاغة بالشواهد القرآنية، كما امتلأت بالشواهد الشعرية والنثرية. فالقرآن الكريم لم يكن بالنسبة للنحويين مجرد نص ديني، بل كان أيضًا أحد أهم المصادر اللغوية التي استندوا إليها في استنباط القواعد وتقعيدها.
بل إن كثيرًا من القواعد التي يدرسها الطلاب اليوم في المدارس والجامعات تم بناؤها أصلًا من خلال دراسة الشواهد القرآنية إلى جانب غيرها من مصادر العربية الفصحى.
هل الاستشهاد بالقرآن في النحو يعني فرض عقيدة دينية؟
الإجابة ببساطة: لا.
فعندما يُطلب من الطالب إعراب كلمة في آية قرآنية، فإن المطلوب منه ليس إعلان إيمانه بالقرآن، ولا تفسير الآية، ولا بيان موقفه الإيمانى منها، وإنما تطبيق قاعدة نحوية على تركيب لغوي محدد.
فالامتحان هنا يختبر معرفة الطالب باللغة، لا معتقده الديني.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين تمامًا: الإيمان والعلم.
فالإيمان يتعلق بالعقيدة التي يعتنقها الإنسان أو يرفضها، أما العلم فيتعامل مع النصوص بوصفها مصادر للمعرفة والدراسة والتحليل. وعندما يدرس الباحث نصًا دينيًا أو تاريخيًا أو أدبيًا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تبنيه لما يتضمنه هذا النص من أفكار أو معتقدات.
ولهذا نجد أن الجامعات ومراكز البحث في مختلف أنحاء العالم تدرّس نصوصًا دينية وفلسفية وتاريخية متنوعة، دون أن يُفهم من ذلك إلزام الدارسين باعتناق ما تحمله تلك النصوص من معتقدات.
وقد درس كثير من الباحثين غير المسلمين اللغة العربية من خلال القرآن الكريم، واستشهدوا به في أبحاثهم اللغوية والأدبية، دون أن يعني ذلك اعتناقهم للإسلام. فاللغة شيء، والعقيدة شيء آخر.
أين يكمن الخلط؟
إن الخلط يبدأ عندما يتم التعامل مع الشاهد اللغوي بوصفه اختبارًا إيمانيا.
فإذا كان المطلوب من الطالب إعراب جملة أو استخراج أسلوب بلاغي أو بيان قاعدة صرفية، فإن موضوع السؤال يظل لغويًا بحتًا، بصرف النظر عن مصدر النص المستشهد به.
ولو أخذنا منطق الاعتراض إلى نهايته، لوجب علينا أيضًا الاعتراض على تدريس الشعر الجاهلي أو النصوص الدينية المختلفة أو غيرها من النصوص التراثية، لأن الدارسين لا يشتركون جميعًا في الموقف الفكري أو الإيمانى تجاهها.
وهذا منطق لا تستقيم معه دراسة اللغات ولا الآداب ولا التاريخ.
من قضية تعليمية إلى جدل هوية
المؤسف أن بعض القضايا التعليمية البسيطة تتحول أحيانًا إلى مادة للجدل والاستقطاب بدلًا من مناقشتها في إطارها العلمي الطبيعي.
فبدلًا من السؤال: «هل السؤال صحيح نحويًا؟» يصبح السؤال: «هل يجوز أصلًا الاستشهاد بالقرآن؟».
وهكذا تنتقل القضية من ميدان اللغة والتعليم إلى ميدان الهوية والانتماء الديني، وكأن المشكلة ليست في القاعدة النحوية، بل في مصدر الشاهد نفسه.
ومثل هذا الطرح لا يخدم العملية التعليمية، كما أنه يفتح الباب أمام حساسيات دينية وطائفية لا يحتاجها المجتمع.
فالمصريون، مسلمين ومسيحيين، تعلموا اللغة العربية عبر أجيال طويلة من المصادر نفسها، ودرسوا التراث اللغوي نفسه، دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تمييزًا ضد أحد أو انتقاصًا من حقوق أحد.
الحفاظ على التمييز بين العلم والإيمان
إن احترام التعدد الديني لا يعني إقصاء كل نص ذي طبيعة دينية من المجال التعليمي أو اللغوي، وإنما يعني التمييز بين دراسة النصوص واحترام حرية الإيمان بها من عدمه .
فليس كل استشهاد بنص ديني دعوة إلى اعتناق الدين الذي ينتمي إليه ذلك النص، كما أن دراسة الفلسفة لا تعني اعتناقها، ودراسة التاريخ لا تعني تبني مواقف شخصياته.
إن المجتمعات الواثقة من نفسها هي التي تستطيع الفصل بين البحث العلمي والانتماء العقائدي، وبين المعرفة والإيمان.
الخلاصة:
القضية في جوهرها ليست قضية قرآن أو غير قرآن، وإنما قضية فهم لطبيعة العلم نفسه.
فإذا كان السؤال يقيس مهارة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فإن الاستشهاد بآية قرآنية لا يغير من طبيعة الامتحان شيئًا، لأنه يظل سؤالًا لغويًا يخضع للمعايير العلمية ذاتها التي تخضع لها سائر الشواهد العربية.
أما تجاهل القرآن الكريم أو استبعاده من مجال الاستشهاد النحوي والبلاغي والصرفي بحجة الحياد، فهو تجاهل لأحد أهم المصادر التي قامت عليها علوم العربية نفسها.
ومن هنا فإن الاستشهاد بالقرآن في امتحان النحو ليس تمييزًا دينيًا، بل هو ـ في المقام الأول ـ ضرورة علمية وتعليمية تفرضها طبيعة اللغة العربية وتاريخ علومها، وهو ما ينبغي أن يُناقش بعين العلم، لا بمنطق الاستقطاب أو معارك الهوية.
اجمالي القراءات
66