في مبادرة هي الأولى من نوعها، وجّهت وزارة الداخلية العراقية باتخاذ إجراءات لإنهاء الشكاوى والدعاوى المقامة ضد الصحافيين في البلاد، وصرّح بأن حرية الرأي والتعبير "مكسب ثمين"، وبأن الإعلام شريك مهم في عمل وزارته.
وذكر وزير الداخلية ياسر المالكي، في مؤتمر صحافي عُقد اليوم الأحد داخل مقر نقابة الصحافيين العراقيين في محافظة كركوك، أنّ "الصحافيين والإعلاميين شركاء في العمل الأمني، وتحقيق الأمن مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع"، وشدّد على "أهمية احترام حرية الرأي والتعبير وعدم التضييق على الأسرة الصحافية العراقية".
في السياق، قال مسؤول في وزارة الداخلية العراقية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنّ "قرار الوزير يأتي ضمن سلسلة من المعالجات التي تهدف إلى حماية الصحافيين ومحنهم الحرية الكافية في العمل من دون تجاوز القانون"، وأضاف لـ"العربي الجديد" أن "الوزارة هي أقل جهة تحرك الفرق القانونية لاستهداف وتقديم الشكاوى بحق الصحافيين، لكن تحدث أحياناً احتكاكات بينهم وبين قوات الأمن في الشوارع والمؤتمرات، ونادراً ما تنتهي بتجاوزات تؤدي في النهاية إلى رفع الدعاوى".
من جهته، توقع عضو نقابة الصحافيين العراقيين، صفاء مهدي، أن "يدفع توجه وزارة الداخلية العراقية بعض المؤسسات إلى اتخاذ الإجراء نفسه"، لكنّه أضاف: "هذا الإجراء غير كافٍ، وعلى الوزارة الاجتهاد في تثقيف منتسبيها، لمنع أي حالات اعتداء من قوات الأمن والشرطة على الصحافيين".
أما أستاذ الإعلام في جامعة بغداد علاء مصطفى، فقد أشار إلى أن "الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني كانت أكثر حكومة تتعامل بقسوة مع الصحافيين، تحديداً الذين ينسجمون مع الخطاب الحكومي الهادف إلى تلميع الانجازات الوهمية، ولذلك فقد شهدت فترة السوداني رفع أكثر من 200 دعوى قضائية ضد صحافيين وإعلاميين"، وقال لـ"العربي الجديد" إنّ "إجراء وزارة الداخلية العراقية مهم، لكن الأهم هو تغيير شكل التعامل مع الصحافة العراقية، وعدم اعتبارها عدواً للسلطة، بل عين تراقب وتكشف المشكلات".
لا يملك العراق إلى الآن قانوناً يحمي حرية الصحافة. وخلال الأعوام الماضية، واجه مشروع قانون حرية الصحافة، الذي طُرح لأكثر من مرّة في البرلمان العراقي، رفضاً واسعاً من الصحافيين والمدونين والناشطين الذين عدّوه عامل تهديد لحرية التعبير ويمنح السلطات صلاحيات واسعة لتقييد الإعلام. وسبق أن نبهت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أنه "على الرغم من أن الدستور يكفل حرية الصحافة نظرياً في العراق، لكن القوانين المعمول بها تتعارض مع بعض مواده"، لافتةً إلى أن الشخصيات العامة غالباً ما تلجأ إلى المحاكم لمقاضاة الصحافيين الذين يحققون في أنشطتهم، وعادةً ما تكون الملاحقة بتهمة التشهير.إلى ذلك، توثّق منظمات ومراصد وجمعيات عراقية تصاعداً في الضغوط والملاحقات القضائية التي تطاول الصحافيين في البلاد. وخلال الأعوام الماضية، واجه صحافيون اتهامات وملاحقات واعتقالات ومنع من التغطية وقيود إدارية، على خلفية تغطيتهم ملفات حساسة، أو انتقادهم جهات سياسية وأمنية. وغالباً ما تكون طبيعة الدعاوى والشكاوى ضدّ الصحافيين مرفوعة للقضاء من شخصيات سياسية أو حكومية، عبر الاستناد إلى نصوص قانونية ترجع إلى فترة حكم حزب البعث للبلاد، وتهدف إلى تقييد العمل الصحافي وإسكات الأصوات المعارضة للمبادئ المعمول بها في البلاد، وضمنها المحاصصة الحزبية والطائفية.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نبّهت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق إلى أن "حالات التضييق تتصاعد، ومحاولات خفض سقوف الحريات الصحافية المتدهورة أصلاً في العراق تجري على نحوٍ مقلقٍ جداً"، وأشارت إلى أنّ العام 2025 "شهد تغيّراً في استراتيجيات التضييق بحق الصحافيين والصحافيات ووسائل الإعلام كافة، استناداً إلى إرثٍ استبداديٍّ معلّق بالقوانين الدكتاتورية، والأمزجة السلطوية، ذات القوانين والقرارات المنافية للدستور".
وأشارت الجمعية، في التقرير نفسه، إلى أن "الحكومة كرّست جهداً مضاعفاً لمراقبة وسائل الإعلام والصحافيين، ووظّفت جميع مؤسسات الدولة أداةً للضغط والابتزاز، كما برزت هيئة الإعلام والاتصالات بوصفها إحدى أبرز الجهات التي استخدمت صلاحيات غير منصوص عليها في قانونها، لمنع وحجب وحظر وسائل إعلام وبرامج تلفزيونية ومواقع خبرية، وسط صمتٍ رهيب"، وأكدت أن "الأجهزة الأمنية تواصل أساليبها البوليسية في التضييق على الصحافيين، ومصادرة معداتهم، واحتجازهم، وتعذيبهم، وتعنيفهم، من دون رادع".
وتوزّعت الانتهاكات، وفق التقرير، على "حالات اعتقال واحتجاز، ومنع من التغطية الصحافية، واعتداء وعرقلة عمل، وعشرات الدعاوى القضائية على خلفية العمل الصحافي، وحالات تهديد وترهيب، وصولاً إلى القتل ومحاولات الاغتيال، فضلاً عن حالات إيقاف بث إعلامي، وانتهاكات من هيئة الإعلام والاتصالات". ووفق التقرير، فإنّ "العاصمة بغداد تحتلّ صدارة المدن الأكثر انتهاكاً، تأتي بعدها السليمانية ثم البصرة".