تتقاطع 3 مقالات نشرتها صحيفة "آي بيبر" و"فايننشال تايمز" البريطانيتان حول مخاوف من تراجع القيم الديمقراطية والأخلاقية في الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس دونالد ترمب، محذرة من انعكاسات ذلك على مؤسسات الدولة وصورة أمريكا ومكانتها الدولية.
وتتناولت سارة باكستر وباتريك كاكبيرن، في مقاليهما بصحيفة "آي بيبر" مظاهر التراجع الأخلاقي والسياسي بالولايات المتحدة، في حين ركز إدوارد لوس، في مقاله بصحيفة فايننشال تايمز، على الدلالات السياسية والأخلاقية لخطة بث إعدام نضال مالك حسن.وترى باكستر أن خطة بث إعدام حسن، المدان بقتل 13 شخصا في قاعدة فورت هود العسكرية عام 2009، تمثل تراجعا أخلاقيا خطيرا، إذ قد تحول العقوبة القضائية إلى مشهد جماهيري يخدم أهدافا إعلامية وسياسية.
US Defense Secretary Pete Hegseth testifies during a Senate Committee on Appropriations hearing on Capitol Hill in Washington, DC, on July 21, 2026.
باكستر: هيغسيث يمنح الاستعراض الإعلامي أهمية متزايدة في تقديم المؤسسة العسكرية (الفرنسية)
تحويل العقوبة إلى استعراض
وتربط الكاتبة هذا التوجه بأسلوب وزير الدفاع بيت هيغسيث الذي ترى أنه يمنح الاستعراض الإعلامي أهمية متزايدة في تقديم المؤسسة العسكرية، كما تحذر من استغلال القضية لتعزيز شعبية حركة "ماغا" قبيل انتخابات التجديد النصفي.
ومن جهته، يستعيد لوس تجربة الإعدام العلني لرايني بيتيا عام 1936، محذرا من أن الخطة الجديدة قد تعيد الولايات المتحدة إلى ممارسات ابتعدت عنها منذ عقود، مشيرا إلى أن تحويل الإعدام إلى عرض عام يثير تساؤلات بشأن حدود سلطة الدولة والقيود الأخلاقية والقانونية المفروضة عليها.
ويتجاوز المقالان قضية الإعدام نفسها إلى مخاوف أوسع من تطبيع العنف، وتراجع الاعتبارات الإنسانية، والإضرار بصورة الولايات المتحدة بوصفها دولة تدافع عن الديمقراطية وسيادة القانون.
استخدام أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة، والعمليات العسكرية المثيرة للجدل، والتعامل مع الخصوم السياسيين، مظاهر تعزز الشكوك بشأن احترام الضوابط القانونية والأخلاقية
بواسطة كاكبيرن
تآكل القوة الناعمة وتصاعد مخاطر الفساد
أما كاكبيرن فيقدم في مقاله قراءة أوسع للأزمة الأمريكية، مستعيدا صورة الولايات المتحدة باعتبارها ملاذا من الفاشية والعنف والفساد، كما ظهرت في فيلم "كازابلانكا" عام 1942.
ويرى الكاتب أن هذه الصورة، التي أسهمت في بناء القوة الناعمة الأمريكية خلال القرن العشرين، تتراجع بفعل سياسات ترمب وما يصفه بتزايد القسوة وانتهاكات القانون.
ويشير إلى استخدام أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة، والعمليات العسكرية المثيرة للجدل، والتعامل مع الخصوم السياسيين، باعتبارها مظاهر تعزز الشكوك بشأن احترام الضوابط القانونية والأخلاقية.
كما يسلط الضوء على اتهامات بتضارب المصالح بين الأعمال التجارية لعائلة ترمب والسياسات الحكومية، مستشهدا بتقارير عن استثمارات في شركة للعملات المشفرة مرتبطة بأفراد من عائلة الرئيس، إلى جانب اتفاق يتعلق بإتاحة رقائق حاسوبية أمريكية لبعض الدول.
ويرى كاكبيرن أن مثل هذه الوقائع تثير تساؤلات حول الفصل بين المصلحة العامة والمكاسب الخاصة، مع الإشارة إلى أن البيت الأبيض نفى وجود صلة بين صفقة العملات المشفرة والأعمال الحكومية.
ويربط كاكبيرن هذه التطورات بتراجع القوة الناعمة الأمريكية، أي قدرة الولايات المتحدة على التأثير في العالم عبر جاذبية ثقافتها ومؤسساتها وقيمها، وليس بقوتها العسكرية والاقتصادية وحدهما، لكنه لا يستبعد قدرة المجتمع الأمريكي، بما يتمتع به من تنوع وحيوية سياسية وثقافية، على مقاومة النزعات السلطوية.أزمة قيم ومؤسسات وصورة دولية
تتقاطع المقالات الثلاثة في التحذير من تراجع الضوابط الأخلاقية والمؤسسية على السلطة، فبينما يركز المقالان المتعلقان بالإعدام على مخاطر تحويل العنف إلى استعراض سياسي وإعلامي، ويضع كاكبيرن القضية ضمن سياق أوسع يشمل الفساد والاستقطاب وتراجع الثقة في المؤسسات.
كما تتفق المقالات على أن مكانة الولايات المتحدة الدولية لا تعتمد على قوتها العسكرية والاقتصادية فقط، بل مدى التزامها بالقانون والقيم الديمقراطية التي تعلن الدفاع عنها.
وترسم المقالات الثلاثة صورة نقدية للولايات المتحدة في عهد ترمب، محذّرة من أن تطبيع العنف وتداخل المصالح الخاصة مع القرارات العامة قد يضعفان الثقة في المؤسسات ويقوضان القوة الناعمة الأمريكية.
وبينما تركز باكستر ولوس على الدلالات الأخلاقية والسياسية لخطة بث الإعدام، يوسع كاكبيرن النقاش ليشمل تراجع الصورة التاريخية لأمريكا وتصاعد المخاوف من الفساد والسلطوية.
وتظل هذه القراءات تعبيرا عن مواقف الكتّاب وتحليلاتهم، لكنها تطرح سؤالا جوهريا حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مكانتها الدولية في ظل التوتر بين قوتها ومبادئها.