لم يكن الفيضان المميت الذي ضرب نيبال قبل أيام مفاجئا للجميع. فقبل وقوعه، كان متسلقون محليون ومنظمو رحلات قد رصدوا تغيرات متسارعة في الجبال، في مؤشرات أثارت القلق بشأن استقرار المنطقة، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية اليوم السبت.
ففي صباح الأربعاء الماضي، انهار جزء من نهر جليدي، إلى جانب السفح الجبلي الواقع تحته، على الجانب الشمالي من "لانغتانغ ليرونغ" وهي قمة يبلغ ارتفاعها 7234 مترا بالقرب من حدود نيبال مع إقليم التبت، وأطلق الانهيار موجة عارمة من المياه والطين والحطام امتد لنحو 100 كيلومتر.
وأعلنت هيئة إدارة الكوارث في نيبال ارتفاع عدد القتلى إلى 626 شخصا، في وقت لا يزال فيه 2426 شخصا في عداد المفقودين بأنحاء البلاد، مقارنة بحصيلة سابقة بلغت 579 قتيلا و1924 مفقودا.
وسلطت الصحيفة الضوء على حادثة وقعت قبل شهر تمثلت في وقوع انهيار جليدي في قمة "برود بيك" في سلسلة جبال كاراكورام الباكستانية مما أسفر عن وفاة 10 أشخاص بينهم متسلق جبال نيبالي شهير في 30 يوليو/تموز الماضي.
وذكرت "نيويورك تايمز" أن الكارثتين وقعتا في غضون شهر واحد في المنطقة الجبلية التي تمتد من باكستان عبر نيبال، حيث شهد العلماء والمتسلقون ورواد الرحلات تسارعاً في فقدان الثلوج والجليد.
وأشارت إلى أن العواقب بالنسبة لنيبال تمتد إلى ما هو أبعد من الجبال. إذ تمثل السياحة 6.1% من اقتصاد البلاد ودعمت حوالي 1.2 مليون وظيفة عام 2023، أي ما يقرب من 15% من إجمالي العمالة، وفقا للبنك الدولي.وذكرت الصحيفة أن من بين أكثر من 1.16 مليون زائر دولي سافروا إلى نيبال عام 2025، ذكر 165 ألف شخص أن الرحلات الجبلية وتسلق الجبال هي السبب الرئيسي لزيارتهم. وتشمل الصناعة التي نمت حولهم أكثر من 3 آلاف وكالة للرحلات وعشرات الآلاف من الأدلاء المسجلين، بالإضافة إلى شركات الرحلات الاستكشافية، والحمالين، والطهاة، وبيوت الشاي، والفنادق، وشركات الطيران، ومشغلي المروحيات، والسائقين.
ويأتي تسلق المرتفعات في قمة هرم الأرباح، إذ حصل 1195 متسلقا على تصاريح لـ31 جبلا ربيع هذا العام، مما حقق حوالي 9 ملايين دولار من العائدات الحكومية وحدها. وحصل ما يقرب من 500 شخص على تصاريح لجبل إيفرست، حيث تبلغ تكلفة التصريح الربيعي للمتسلق الأجنبي الآن 15 ألف دولار.
وقالت الصحيفة إن كثيرين يعتقدون أن مصدر الرزق هذا مهدد بسبب الاحتباس الحراري، ونقلت عن أربيندرا خادكا، عالم جليديات وباحث بجامعة تريبهوفان في كاتماندو، قوله إن الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا تفقد حوالي متر من الجليد سنويا.
وأضاف خادكا للصحيفة "ليس إيفرست وحده من يواجه المتاعب بل جبال الهيمالايا بأكملها تذوب".
وحذر من أنه من السابق لأوانه تحديد سبب كارثة لانغتانغ بدقة، لكنه افترض أن انهيارا صغيرا نسبيا في الحواف الثلجية البارزة في أعالي تلال "لانغتانغ ليرونغ" قد أدى إلى بدء انهيار من الصخور السائبة والركام الجليدي عبر أرض زلقة وذائبة خلال موسم الرياح الموسمية الرطب.
جبل لوتسي كما يُرى من المخيم الرابع في إيفرست بمنطقة سولوخومبو في نيبال 20 مايو/أيار 2026 (رويترز)
اختفاء الثلوج والجليد
واستطلعت "نيويورك تايمز" رأي تول سينغ غورونغ، رئيس الرابطة الوطنية لأدلاء الجبال في نيبال، والذي قال إن الجليد والثلوج يختفي عبر جبال الهيمالايا وكاراكورام، مضيفا "الجبال تكتسي باللون الأسود. كل جبل يعاني من مشكلة الانهيارات الصخرية".
وذكرت الصحيفة أن هذه التغييرات باتت مرئية في الارتفاعات القصوى التي يصل إليها متسلقو إيفرست، وفي الجبال أيضا التي يزورها رواد الرحلات والمتسلقون الذين يمثلون أهمية حيوية لاقتصاد نيبال.
وقال غورونغ إن الأدلاء باتوا يصادفون بالفعل أماكن أصبح صعبا التعرف فيها على طرق التسلق والرحلات التقليدية، مع اختفاء الثلج والجليد وظهور الصخور العارية.
واختتمت الصحيفة التقرير بالقول إن أوضح دليل على مدى تغير تلك الجبال موجود في أعلى نقطة في العالم.
ونقلت عن مستكشف بارز قوله "إذا كانت قمة إيفرست تحتوي على هذه الكمية الأقل من الجليد، فلا يوجد مكان على وجه الأرض بمنأى عن هذا التغيير".