هل تضع "صولة الفجر" الزيدي في مواجهة كبار الفاسدين في العراق؟

في الأربعاء ٠١ - يوليو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

تشن الحكومة العراقية حملة موسعة لملاحقة المتهمين بالتجاوز على المال العام، أطلقت عليها اسم "صولة الفجر"، في عملية وصفتها الحكومة بأنها "لا تشبه سابقاتها"، وسط ارتفاع مؤشرات الفساد المالي إلى مستويات قياسية داخل مفاصل الدولة.

وكشفت التحقيقات الأولية عن تورط 21 متهما، بينهم أكثر من 10 نواب في البرلمان ومسؤولون حكوميون، في قضايا فساد مالي وإداري واختلاسات وهدر للمال العام، في حصيلة أولية لعملية صولة الفجر، فيما تواصل السلطات الأمنية ملاحقة عشرات المتهمين الآخرين.

وقال المراسل سامر الكبيسي في تقرير أعده للجزيرة إن الكارثة التي تتحدث عنها الحكومة تقاس بملايين الدولارات، حيث بلغت قيمة الأموال المضبوطة في منازل المتهمين نحو 100 مليون دولار، إضافة إلى عشرات العقارات التي حجزها القضاء في مرحلة أولى لاسترداد الأموال المسروقة وإعادتها إلى خزينة الدولة.

وفي السياق ذاته، تبرز قوى سياسية عديدة تساند عملية صولة الفجر، من بينها الإطار التنسيقي، المظلة الجامعة لغالب القوى السياسية الشيعية، إلى جانب المجلس السياسي الوطني، أكبر التحالفات السياسية السنية، ولم تقتصر المساندة على القوى العربية فقط، بل رحب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما يمثلان الثقل الكردي في البرلمان، فضلا عن قائمة تضم شخصيات حزبية وعشائرية.دعم الحملة المؤسسي
وفيما يتعلق بالدعم المؤسسي، يوضح التقرير أن الحملة تتواصل بدعم من القضاء والمجتمع الدولي، غير أن المخاوف تتزايد من أن يؤدي هذا التحرك إلى رد فعل من "كبار حيتان الفساد" المتوغلة في الدولة العراقية، والذين قد يسعون إلى سحب الثقة من رئيس الحكومة علي فالح الزيدي، وفق تقديرات سياسية.

ومن جهته، أكد رئيس الحكومة العراقية أن الحملة التي تقودها حكومته لمكافحة الفساد تنطلق من "دوافع وطنية بحتة" ولا تستهدف تحقيق أي مكاسب أو أهداف سياسية، في وقت تتواصل فيه التحقيقات التي كشفت، بحسب الحكومة، عن متورطين جدد في قضايا فساد، وسط انقسام في الأوساط السياسية والنخبوية بشأن طبيعة الحملة وتوقيتها وآليات تنفيذها.

ورأى أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري -خلال فقرة تحليل سياسي على الجزيرة- أن تصريحات الزيدي جاءت ردا على اتهامات بتسييس حملة مكافحة الفساد، مؤكداً أن ما تشهده البلاد من تفشٍ للفساد والانهيار المالي يتطلب إجراءات وطنية حاسمة.

ورداً على الانتقادات التي تتحدث عن استهداف الحملة لقوى سياسية محددة، قال الشمري إن الاعتقالات طالت شخصيات من الصف الأول، بينها رئيس "تحالف عزم"، إضافة إلى عدد من أعضاء ائتلاف الإعمار والتنمية المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، معتبرا أن ذلك يعكس توازناً في سير التحقيقات.

"التوقيت يثير تساؤلات"
في المقابل، رأى المحلل السياسي عبد الرحمن الجبوري أن توقيت الحملة يثير تساؤلات عما إذا كانت تأتي استجابة لحاجة وطنية أم أنها تمثل تمهيدا لزيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة، في ظل الحديث عن ملفات الإصلاح الاقتصادي والاستثماري التي ستناقش خلال الزيارة.

وأضاف أن من أبرز المآخذ على الحملة أنها لم تشمل جميع أطراف المنظومة السياسية، معتبرا أن الفساد في العراق هو "فساد منظومة" وليس فساد أفراد فقط، كما أشار إلى احتمال وجود ارتباط بين الحملة وتغيرات في موازين القوى الداخلية والإقليمية.

ومن جانبه، أكد مدير الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط مصطفى السراي أن مكافحة الفساد تمثل أحد أبرز الالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي، معتبرا أن إطلاق الحملة كان سيحدث سواء جاءت اعترافات المتهمين أم لا، نظراً لحاجة العراق إلى إصلاحات داخلية وضغوط خارجية تدفع في هذا الاتجاه.

وأشار إلى أن بعض المعتقلين لا ترتبط ملفاتهم مباشرة باعترافات المتهم الرئيس، وإنما بقضايا فساد أخرى، ما يعكس اتساع نطاق التحقيقات.
مكافحة الفساد ونزع السلاح
وأثار إعلان رئيس الوزراء العراقي تخيير بعض المتورطين بين إعادة الأموال المنهوبة أو الملاحقة القضائية نقاشا واسعا بشأن جدوى هذا الخيار.

واعتبر الشمري أن التسويات قد تكون إجراءً أولياً يخص بعض الموظفين المدنيين ضمن مؤسسات الدولة قبل استكمال التحقيقات، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الإفراط في سياسة التسويات قد ينعكس سلباً على مصداقية الحملة.

في المقابل، رأى الجبوري أن حجم الأموال المنهوبة يجعل القضية مرتبطة بالأمن القومي العراقي، مطالباً بأن تكون آليات استرداد الأموال واضحة وخاضعة للشفافية الكاملة، مع ضمان سرية التحقيقات وعدم التأثير على سير العدالة.

ومن جهة أخرى، يوضح الكبيسي أن المتهمين يواجهون -حال ثبوت إدانتهم- عقوبة بالسجن تتراوح بين 5 أعوام والسجن المؤبد، حسب قانون الجنايات العراقي، وهو ما يعكس جدية الحكومة في محاربة الفساد الذي وصفته بأنه بلغ مستويات "كارثية" خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وتشير تحليلات إلى أن الـ4 سنوات الأخيرة شهدت مستويات فساد لم يشهدها العراق ولا أي بلد في العالم، وفق تعبير مسؤولين حكوميين، مما دفع السلطات إلى إطلاق هذه الحملة غير المسبوقة التي تطاول نوابا ومسؤولين رفيعي المستوى.

وشهد العراق فجر الأحد 28 يونيو/حزيران 2026 حملة اعتقالات واسعة النطاق وصفت بأنها الأولى من نوعها والأبرز لحكومة عراقية لم يتجاوز عمرها شهرين، حيث طالت الاعتقالات العشرات بتهم فساد مالي وإداري يقدر بمئات الملايين من الدولارات، وشملت أعضاء في مجلس النواب رفعت عنهم الحصانة البرلمانية ومسؤولين آخرين.

وتأتي هذه التطورات بعد اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، الذي اعتقل أواخر مايو/أيار 2026، بتهم فساد كشفت عن تعاونه مع مسؤولين متنفذين في السلطتين التشريعية والتنفيذية.