بعد الإبادة الكبرى.. رواندا في طريقها لصناعة معجزة التنمية

في الأربعاء ١٠ - يونيو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

في حقول رواندا الخضراء، حيث تتحرك أيدي المزارعين اليوم لحرث الأرض وجني المحاصيل، تبدو المشاهد عادية لمن يراها لأول مرة: رجال ونساء يعملون جنبا إلى جنب لبناء اقتصاد بلدهم. لكن خلف هذه الصورة الهادئة تختبئ ذاكرة مؤلمة، فالأدوات نفسها التي يستخدمونها اليوم في الزراعة كانت قبل ثلاثة عقود رمزا لأحد أكثر فصول التاريخ دموية.

في عام 1994، تحولت رواندا إلى مسرح لإبادة جماعية راح ضحيتها نحو مليون شخص من أبناء عرقية التوتسي، تاركة خلفها مجتمعا ممزقا واقتصادا منهكا فقد نصف ناتجه المحلي.

وبعد ثلاثين عاما، تحاول رواندا كتابة قصة مختلفة: قصة بلد اختار أن يتجاوز الماضي عبر مشروع يقوم على الوحدة والتنمية، لا على الانتقام والانقسام.

يقول أحد الروانديين لمراسلة الجزيرة من كيغالي روعة أوجيه إن البلاد أدركت أن الاستمرار في دائرة العقاب لن يقودها إلى المستقبل الذي تريده، مشيرا إلى أن الموارد التي كانت تنفق على السجون كان يمكن أن توجه إلى بناء المنازل ومساعدة الضحايا وإعادة إعمار البلاد.

ويضيف أن الروانديين اليوم قد لا يستطيعون قياس حجم المحبة بينهم، لكنهم يجتمعون حول هدف واحد؛ بناء الطرق، وتوفير المياه والكهرباء، وتحقيق النمو الاقتصادي الذي يعود بالنفع على الجميع.

بهذا المنطق، اختار الروانديون أن يجعلوا من التنمية لغة المصالحة، وأن يحولوا التركيز من صراعات الماضي إلى طموحات المستقبل. فالحكومة تسعى إلى تحويل البلاد إلى ما تسميه "سنغافورة أفريقيا"، عبر جذب الاستثمارات العالمية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والمال، وفتح المجال أمام الشركات الكبرى.

تحديات كبيرة
كما تراهن رواندا على السياحة، وتسعى إلى تعزيز صورتها كوجهة طبيعية عالمية قادرة على استقطاب ملايين الزوار، مستفيدة من طبيعتها الخضراء وتنوعها البيئي.

لكن خلف صورة العاصمة كيغالي الحديثة، تظهر تحديات كبيرة؛ فبمجرد الخروج من الطرق الرئيسية، تبدو الفجوة واضحة بين العاصمة والريف. طرق ترابية، وبنية تحتية أقل تطورا، ومستويات دخل متباينة تعكس تفاوتا اقتصاديا بين سكان المدينة والقرى.

فبينما يتراوح دخل الفرد في العاصمة بين 400 و700 دولار، ينخفض في المناطق الريفية إلى ما بين 40 و100 دولار، رغم أن الريف يمثل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي الذي يعتمد عليه نحو 70 % من القوى العاملة في البلاد.

وترى مراسلة الجزيرة روعة أوجيه أن طريق رواندا نحو حلم "سنغافورة أفريقيا" يبدو حتى الآن أكثر وضوحا في العاصمة، بينما لا يزال الريف ينتظر نصيبه الأكبر من التنمية، وهو ما يفرض تحديا أمام الحكومة لتقليص الفجوة ومنع ظهور حساسيات جديدة بين أبناء البلد الواحد.

فرواندا التي خرجت من واحدة من أسوأ مآسي القرن الماضي تحاول اليوم أن تثبت أن المصالحة يمكن أن تتحول إلى مشروع بناء، وأن الأرض التي شهدت يوما صراعا دمويا يمكن أن تصبح مساحة للعمل والحياة، لكن نجاح التجربة سيبقى مرتبطا بقدرة التنمية على الوصول إلى كل رواندي، لا إلى العاصمة وحدها.