مقاتلات بلا سلاح.. ما لا تصوره الكاميرات عن صمود السودانيات

في الأحد ١٩ - أبريل - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

رغم كل ما واجهناه لم ننكسر، خسرنا كل شيء، تعبنا وتعذبنا في رحلات نزوح لشهور، ثم لجوء إلى مصر، نكابد يوميا لتوفير لقمة العيش ومتطلبات السكن والعلاج". بهذه الكلمات تحدثت حليمة هارون للجزيرة نت وهي ترتب منتجات سودانية صنعتها في ساعات الصباح الأولى ثم حملتها إلى سوق صغير في ضاحية فيصل بالعاصمة المصرية.

تجلس حليمة يوميا ساعات طويلة لبيع منتجاتها الشعبية، لكنها تشكو كغيرها من عشرات النسوة اللائي يتوزعن داخل السوق نفسه من ضيق ذات اليد وعدم القدرة على مواجهة متطلبات يومية في وضع اقتصادي يزداد تعقيدا يوما بعد الآخر.

لكل سيدة في هذه السوق المكتظة قصة مليئة بالكثير من الألم والصبر خلال رحلة لجوء حفت بالمخاطر والأهوال، ضاعفها الوصول الصعب إلى مصر عبر رحلات تهريب لم تخلُ من المغامرة بصحبة أطفال صغار وزوج مقعد وآخر يعاني مرضا عضالا، فيما تروي سيدة كيف فقدت زوجها الذي توفي على نحو مفاجئ بعد وصولهما إلى القاهرة فاضطرت للبيع في هذه السوق لتعيل ابنتها القعيدة والثانية التي تدرس.

تؤكد التقارير الدولية والمحلية مكابدة النساء في السودان صعوبات جسيمة خلال الحرب التي دخلت عامها الثاني، فآلاف منهن واجهن انتهاكات مريعة شملت الاغتصاب والعنف والإجبار على العمل لخدمة الجنود ولا سيما عناصر الدعم السريع.

وفي مقابل ذلك لم تتخلَّ أعداد مقدرة عن مهنهن فواصلن العمل تحت ظروف قاسية أثناء احتدام القتال في الخرطوم ومناطق أخرى، وبعد هدوء الأوضاع رغم الوضع الصحي والأمني المتردي.

تغطية تحت القنص
يبرز اسم الإعلامية ملاذ ناجي كواحدة من اللائي قاتلن بسلاح الكاميرا، فتنقلت تحت القصف والقنص خلال احتدام المواجهات بين الجيش السوداني والدعم السريع في مناطق متفرقة من الخرطوم، فكانت صاحبة أول كاميرا تدخل منطقة شمبات بالخرطوم بحري بعد ساعات من سيطرة الجيش عليها خلال يناير/كانون الثاني 2025.

تروي ملاذ للجزيرة نت تلك اللحظات حين أصرت على التوجه إلى شمبات رغم وجود قناصة في عدد من المباني، وتشير إلى تعرض العربة العسكرية التي كانت تقلهم إلى استهداف مباشر، واضطرارها إلى تغيير الاتجاه على نحو مفاجئ لتلافي القنص.

لم يكن الاستهداف من القناصة في شمبات الخطر الوحيد كما تقول ملاذ التي تعمل لصالح قناة "البلد"، فكثيرا ما كانت تصل موقعا للتغطية فتفاجأ بقصف عشوائي يعم المكان، وتتذكر أنها كانت أيضا أول شخصية مدنية تعبر جسر النيل الأبيض من أم درمان إلى الخرطوم وصولا إلى حي العمارات الذي تقطنه.

وتروي كيف صادفت هناك العديد من عناصر الدعم السريع، لكن ملاذ -كما تقول- تمكنت من التغلب على الخوف الذي كان سمة تلازمها لوقت طويل، فكثرة المواقف والتجارب صقلتها على نحو ما كان لأحد توقعه قبل الحرب.

خلال تغطيتها للحرب في الخرطوم تؤكد ملاذ ناجي أن المرأة السودانية تحملت كثيرا جدا من أهوال الحرب، وتتحدث عن معايشتها قصصا مؤثرة لنساء كن مختطفات وأخريات جرى اغتصابهن وأسرهن، بجانب نسوة تضورن جوعا، وأخريات كن سببا في إعالة أسرهن الممتدة وتحملن في مقابل ذلك الكثير من أذى عناصر الدعم السريع.

وتعتقد جازمة أن الصور المنشورة والقصص المتداولة لمعاناة النساء في هذه الحرب لا تمثل 1% مما حدث على أرض الواقع.

تعد د. صفاء علي، اختصاصية أمراض النساء والتوليد، ومديرة المستشفى السعودي للولادة في الخرطوم، رقما نسائيا يصعب تجاوزه، واختيرت ضمن ترشيحات شبكة "بي بي سي" (BBC) كواحدة من الشخصيات النسوية الأكثر تأثيرا وإلهاما في عام 2024.

وتقول صفاء للجزيرة نت إنها كرست مسيرتها المهنية لصحة الأم والطفل، وانضمت إلى المستشفى السعودي قبل اندلاع الحرب، ومع مرور الوقت أصبحت مديرته، وتضيف "عندما اندلع النزاع في أبريل/نيسان 2023، تغير كل شيء بين ليلة وضحاها. تحولت الخرطوم إلى ساحة معركة، وكنا نسمع القصف وإطلاق النار بشكل مستمر، وأصبح التنقل في غاية الخطورة. تعرض المستشفى لأضرار، حيث أصيبت أجزاء من المبنى، وتحطمت النوافذ، وفقدت أو دمرت معدات أساسية".

لكن التحدي الأكبر أمام صفاء وفريقها كان الاستمرار في العمل في ظل شبه انعدام للموارد وانقطاع الكهرباء وشح المياه ونقص الأدوية وقلة الكوادر الطبية، وهو ما جعل أبسط أشكال الرعاية أمرا بالغ الصعوبة.

تقول صفاء متذكرة الأيام العصيبة خلال الحرب: "غادر بعض أفراد عائلتي بحثا عن الأمان، لكني من منطلق كوني طبيبة ومسؤولة عن واحد من المستشفيات القليلة العاملة شعرت بأني لا أستطيع المغادرة"، وتضيف: "كغيري من سكان الخرطوم، عشنا لحظات خطيرة جدا، وفي أوقات كثيرة كنا قريبين من مناطق القتال".

صفاء علي المدير العام للمستشفى السعودي للولادة خاضت تجارب صعبة خلال الحرب لخدمة النساء الحوامل
صفاء علي المدير العام للمستشفى السعودي للولادة خاضت تجارب صعبة خلال الحرب لخدمة النساء الحوامل (الجزيرة)
نجاح في إثيوبيا
ومن إثيوبيا تطل قصة الشابة هبة بلة (22 عاما) التي كافحت على مدى 3 سنوات وهي تنتقل بين الخرطوم وولاية الجزيرة، كلما اشتد القتال في جبهة سارعت للبحث عن الأمان، إلى أن وصلت برفقة أسرتها
تقول هبة للجزيرة نت إن وجودها في أديس أبابا دون عمل في ظل تكاثف المصروفات دفعها إلى دراسة السوق والأوضاع، فانخرطت في بيع المنتجات السودانية، وبدأ نشاطها في التطور والنجاح، واتجهت بعدها إلى استيراد الملابس وتنويع عملها التجاري الذي ازدهر ولاقى قبولا واسعا.

وتضيف: "كان لا بد أن نتحرك ونحن في بلد غريب، الحياة تفرض عليك التزامات كثيرة لا يجدي معها الجلوس والتفرج". وتردف: "الآن عدت إلى السودان وأنا سعيدة بما وصلت إليه وما تعلمته خلال هذه الفترة".

عمل تحت الجوع والحصار
مكثت الطبيبة النفسية مي محمد يوسف طوال سنوات الحرب في أم درمان، فخيار النزوح أو اللجوء لم يخطر لها البتة كما تقول للجزيرة نت، وكان وجودها بضاحية بانت غرب بأم درمان قريبا من سلاح المهندسين ومن السلاح الطبي كفيلا بأن يجعل المنطقة هدفا مستمرا للقصف والحصار.

تسرد مي التي عُينت مؤخرا مديرة لمستشفى التجاني الماحي للطب النفسي للجزيرة نت وقائع غاية في القسوة عايشتها برفقة أسرتها حين قُطعت عنهم المياه فكان الخيار السير مسافات طويلة لجلبها من النيل، ثم انقطع الطعام فكان انتظار عمليات إسقاط قد لا تأتي في كثير من الأحيان.

مستشفى التجاني الماحي للطب النفسي-داخلية
مستشفى التجاني الماحي للطب النفسي (الجزيرة)
وتروي كيف كان الجوع ينهش أجسادهم دون التمكن من سد الرمق، وتضيف: "الحصول على وجبة عدس من التكايا -المطابخ الطوعية- كان يمثل قمة الرفاهية. شاهدت من يأكل أوراق الأشجار من فرط الجوع".

ووسط هذه الأوضاع القاسية تقول الطبيبة إنها لم تغلق هاتفها في وجه المرضى، فكانت توجههم إلى التحرك إلى مستشفى النو حيث تم افتتاح قسم للطب النفسي هناك، فجراء الحرب واتساع رقعة القتال تزايدت حالات الاكتئاب والصدمة والقلق والخوف، وكان المرضى يتوافدون من كل مكان تعرض لهجوم.

إلى جانب الطب النفسي تشغل مي موقع منسقة المجلس الاستشاري للطب النفسي بوزارة الصحة، وتتحدث عن رصدها من هذا الموقع ازديادا كبيرا في الحالات مع ارتفاع أعداد العائدين من بلاد اللجوء حيث برزت مشكلات إدمان المخدرات ومحاولات الانتحار والاكتئاب.

ورغم أن مستشفى التجاني الماحي -وهو الأشهر في السودان لعلاج الأمراض النفسية- تدمر بشكل واسع خلال الحرب، كما تقول مي، فإن المساعي مبذولة حاليا لإعادة تأهيله حيث قطع العمل أشواطا مقدرة سيتمكن من بعدها من استقبال الحالات كما في السابق بعد تأهيل قسم الطوارئ.

النسوان قدّام
عندما أثقلت الحرب كاهل المجتمعات، كانت النساء في قلب الاستجابة الإنسانية، إذ لعبت المطابخ النسوية والمجتمعية دورا محوريا في التخفيف من الأثر المروع للحرب على المدنيين، وتولت النساء إعداد وتقديم وجبات يومية للنازحات والنازحين على مدى أسابيع، بل وأشهر، في ظروف بالغة القسوة.
وبحسب شبكة نساء القرن الأفريقي "صيحة" (SIHA) فإن مطابخ "النسوان قدّام"، التي نُفذت بالشراكة مع مبادرات نسوية قاعدية وجهود محلية في عدد من الولايات والمناطق داخل السودان، تجاوزت كونها مبادرات لتوفير الطعام، إذ أصبحت مساحات آمنة للتضامن والدعم المتبادل بين النساء، يلتقين فيها ويتبادلن الخبرات ويمددن يد العون لبعضهن بعضا.