أزمة طاقة تضرب العراق بعد توقف الغاز الإيراني طاقة بغداد

في الجمعة ٢٠ - مارس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

أعلنت وزارة الكهرباء في العراق عن توقف تدفقات الغاز الإيراني إلى البلاد بشكل كامل، في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على منظومة الطاقة في البلاد. ويأتي هذا التطور ليعيد إلى الواجهة هشاشة الاعتماد على الإمدادات الخارجية، ويهدد باضطرابات واسعة في تجهيز الكهرباء مع اقتراب موسم الذروة الصيفي.

وأكدت الوزارة أن تداعيات التطورات الإقليمية أدت إلى انقطاع الإمدادات، ما انعكس مباشرة على القدرة الإنتاجية للمنظومة الكهربائية، التي فقدت جزءاً مهماً من طاقتها خلال وقت قصير. وأوضح المتحدث باسم الوزارة أحمد موسى، لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن تدفقات الغاز الإيراني توقفت بشكل كامل، ما تسبب بخروج نحو 3100 ميغاواط عن الخدمة، مؤكداً أن هذا التراجع المفاجئ سيترك أثراً مباشراً على استقرار تجهيز الكهرباء في عموم البلاد.

وأضاف أن وزارة الكهرباء تعمل على رفع مستوى التنسيق مع وزارة النفط، بهدف تعويض النقص عبر استخدام الوقود البديل، فضلاً عن المناورة بالغاز الوطني لتقليل حجم الخسارة. وأشار موسى إلى أن فقدان هذه الكمية من الإنتاج سيؤثر على المنظومة الكهربائية بشكل عام، لافتاً إلى أن الوزارة كانت قد وضعت خططاً مسبقة لتهيئة المحطات قبل دخول موسم الذروة، إلا أن التطورات الأخيرة أربكت تلك الاستعدادات.

ويستورد العراق ما بين 25 إلى 50 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني يومياً، بكلفة تصل إلى نحو 4 مليارات دولار سنوياً، ما يجعل أي انقطاع في هذه الإمدادات ضربة مباشرة لمنظومة الكهرباء، خصوصاً في فترات ارتفاع الطلب. ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد إقليمي، إذ أفادت وسائل إعلام إيرانية بتعرض منشآت في حقل بارس الجنوبي للغاز، بمحافظة بوشهر جنوبي إيران، لهجوم إسرائيلي أسفر عن أضرار كبيرة.

ونقلت وكالة "تسنيم الدولية" عن نائب مسؤول الأمن في محافظة بوشهر قوله إن "جزءاً من مصافي الغاز في منطقة بارس الجنوبي الاقتصادية الخاصة للطاقة في عسلوية تعرض لقذيفة صاروخية"، دون الكشف عن حجم الأضرار بشكل دقيق. ويُعد حقل بارس الجنوبي من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، إذ يمتد على مساحة واسعة من مياه الخليج بين إيران وقطر، ويشكل ركيزة أساسية لإنتاج الغاز الإيراني وتصديره، ما يجعل أي استهداف لمنشآته ذا تأثيرات مباشرة على إمدادات الطاقة في المنطقة، ومنها العراق الذي يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل محطاته الكهربائية.تداعيات متسارعة
وفي السياق، كشف عضو مجلس النواب العراقي جمال كوجر عن تداعيات متسارعة للأزمة، مشيراً إلى خروج عدد من محطات الكهرباء الغازية عن الخدمة بشكل كامل بسبب توقف إمدادات الغاز الإيراني، محذراً من أن العراق يقترب من مأزق كبير في ملف الطاقة. وأوضح كوجر، لـ"العربي الجديد"، أن محطة المنصورية الغازية في ديالى توقفت نتيجة انقطاع الإمدادات، في وقت كانت فيه البلاد تعوّل على استقرارها لتأمين جزء مهم من إنتاج الكهرباء.

وأضاف أن الأزمة لا تقتصر على الإمدادات الخارجية، بل تتفاقم داخلياً أيضاً، بعد توقف حقل كورمور الغازي في شمال العراق إثر سحب كوادر الشركة المستثمرة، فضلاً عن انسحاب الكوادر من حقول عكاز الغازية في غرب البلاد بسبب تداعيات الحرب، ما أدى إلى تراجع إضافي في إنتاج الغاز المحلي. وأشار إلى أن تزامن هذه العوامل، بين توقف الإمدادات الإيرانية وتعطل الحقول المحلية، يضع المنظومة الكهربائية أمام ضغوط غير مسبوقة، قد تنعكس بشكل مباشر على ساعات تجهيز الكهرباء في مختلف المحافظات.

من جهته، قال الخبير في شؤون الطاقة فرات الموسوي إن استهداف حقل بارس الجنوبي يحمل تداعيات تتجاوز الحدود الإيرانية، ليطاول استقرار إمدادات الطاقة في المنطقة، مشيراً إلى أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الحرب. وأوضح الموسوي، لـ"العربي الجديد"، أن الحقل يمثل العمود الفقري لإنتاج الغاز في إيران، وأي خلل في منشآته سينعكس مباشرة على صادرات الغاز، خصوصًا المتجهة إلى العراق، مبيناً أن توقف الإمدادات بهذه السرعة يعكس حساسية البنية التحتية للطاقة تجاه التطورات الأمنية.

وأضاف أن العراق يواجه تحدياً متكرراً يتمثل في الاعتماد الكبير على الغاز المستورد، ما يجعله عرضة لصدمات خارجية مفاجئة، داعياً إلى تسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب وتقليل الاعتماد على الخارج لتأمين استقرار المنظومة الكهربائية. ولفت إلى أن المعالجة لا تقتصر على الحلول الداخلية، بل قد تمتد إلى خيارات إقليمية تتيح تقليل حدة الصدمة.

وأوضج أن الغاز القطري يمثل أحد البدائل المطروحة، خصوصاً مع استقرار نسبي في مسارات النقل البحري، فيما يمكن على المدى المتوسط دراسة استيراد الغاز التركمانستاني عبر الأراضي التركية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. وبيّن أن تفعيل هذه البدائل يتطلب تحركاً حكومياً سريعاً لتأمين البنى التحتية اللازمة، إلى جانب اتفاقات سياسية وتجارية واضحة، مؤكداً أن الأزمة الحالية قد تشكل فرصة لإعادة رسم سياسة الطاقة في العراق على أسس أكثر تنوعاً واستقراراً.