نشرت بريطانيا أمس الاثنين تعريفا إرشاديا جديدا للعداء ضد المسلمين، في خطوة طال انتظارها ضمن جهود السلطات لتوضيح كيفية التعامل مع الإساءات ضد المسلمين، التي شهدت ارتفاعا قياسيا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويأتي هذا التعريف بعد سنوات من الجمود السياسي بشأن وضع إطار واضح للكراهية ضد المسلمين، يتيح تطبيق القانون بشكل متسق وفعال.
وفيما يلي، نقدّم إجابات مبسطة على أهم الأسئلة المتعلقة بهذا التعريف الجديد، لتوضيح سبب الحاجة إليه والخلفيات المرتبطة به ومواقف الأطراف المختلفة في بريطانيا:
ما التعريف الجديد للعداء ضد المسلمين؟
تُعرف الحكومة البريطانية "العداء للمسلمين" بأنه استهداف متعمد للأفراد أو الجماعات عبر القيام بأعمال إجرامية أو التحريض عليها، بما يشمل العنف والتحرش والترهيب، سواء كان ذلك فعلا جسديا، أم قولا لفظيا، أم عبر الوسائل الإلكترونية.
ويمتد هذا التعريف لا ليشمل المسلمين فقط بسبب عقيدتهم، بل أيضا من يُعتقد أنهم مسلمون بناء على افتراضات تتعلق بالعرق أو المظهر أو الأصول الإثنية.
كما تعتبر الصياغة الجديدة أن التنميط السلبي للمسلمين ووصفهم بخصائص جماعية ثابتة وسلبية يُعد شكلا من أشكال العداء، خاصة عندما يكون الهدف تشجيع الكراهية تجاههم بغض النظر عن آرائهم أو معتقداتهم أو أفعالهم الفردية.
وفيما يخص الجانب المؤسسي، يشمل التعريف الانخراط في ممارسات تمييزية غير قانونية تهدف إلى إضعاف فرص المسلمين في الحياة العامة والاقتصادية. ويشمل ذلك استحداث سياسات أو تبني تحيزات داخل المؤسسات والمنظمات بهدف وضع العوائق أمامهم وتهميش دورهم المجتمعي والمهني بشكل منهجي.
لماذا تحتاج بريطانيا إلى تعريف جديد للعداء للإسلام؟
تقول الحكومة البريطانية إن تأثير العداء للمسلمين في المجتمع أصبح كبيرا، إذ يشعر كثير من المسلمين بالقلق عند استخدام الخدمات العامة مثل وسائل النقل والرعاية الصحية، كما يتردد بعضهم في الإبلاغ عن الجرائم المرتكبة ضدهم.
ويؤدي الشعور بعدم الأمان في بعض الحالات إلى ميل أفراد من المجتمع المسلم إلى العزلة حفاظا على سلامتهم، وهو ما يفاقم التباعد بين المجتمعات ويعرقل جهود تعزيز التماسك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة أنها اتخذت إجراءات لتعزيز أمن المسلمين، من بينها تشديد التدابير الأمنية في أماكن العبادة وتوفير تمويل للجهات المعنية برصد جرائم الكراهية المعادية للمسلمين والتصدي لها.
وبالتوازي مع ذلك، تموّل الحكومة مؤسسة "بريتيش مسلم ترست" لتشغيل خط مساعدة وطني يُتيح لضحايا الكراهية المعادية للمسلمين الإبلاغ عن الحوادث بأمان، سواء عبر الإنترنت أو حضوريا، في إطار صندوق حكومي مخصص لمكافحة الكراهية ضد المسلمين وتعزيز الوعي الثقافي وتشجيع المتضررين على الإبلاغ.
ومع استمرار القلق من تزايد جرائم الكراهية، ترى الحكومة أن هناك حاجة إلى بذل مزيد من الجهود لمعالجة جذور التحيز والعداء الذي يواجهه بعض المسلمين، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة حماية حرية التعبير للجميع.
لماذا الآن؟
تأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الاعتداءات وجرائم الكراهية ضد المسلمين، وبعد سنوات من الجمود السياسي بشأن كيفية تعريف الكراهية ضد المسلمين بطريقة تسمح بتطبيق القانون بشكل متسق، دون المساس بحرية النقاش المفتوح حول قضايا مثل "التطرف".
وتشير تقارير منظمات غير حكومية إلى تصاعد التوترات العنصرية وحوادث الكراهية في بريطانيا، خاصة منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعها من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وهو ما انعكس بزيادة ملحوظة في مظاهر "الإسلاموفوبيا" وموجات العنصرية ضد العرب والمسلمين.
وتُظهر بيانات رسمية تسجيل نحو 4500 جريمة كراهية ضد المسلمين في مارس/آذار 2025، أي ما يقارب نصف الجرائم ذات الدوافع الدينية في إنجلترا وويلز، وتشمل هذه الأرقام أيضا حالات استهدف فيها أشخاص اعتُقد خطأً أنهم مسلمون.
وفي المقابل، أظهرت بيانات تفصيلية نشرتها وزارة الداخلية البريطانية أن معدل جرائم الكراهية بين عامي 2024 و2025 بلغ 106 ضد يهود، مقابل 12 جريمة استهدفت مسلمين، لكل 10 آلاف نسمة.
لماذا يصعب تعريف العداء للإسلام في بريطانيا؟
تواجه بريطانيا صعوبة في وضع تعريف متفق عليه للعداء للإسلام بسبب طبيعة المصطلح وتاريخه. فقد ظهر مفهوم "الإسلاموفوبيا" في أواخر تسعينيات القرن العشرين على يد نشطاء سياسيين، بهدف لفت الانتباه إلى الخطاب والممارسات الموجهة ضد المسلمين داخل المجتمع البريطاني.
ومع مرور الوقت، أصبح المصطلح أداة تحليلية يستخدمها الباحثون البريطانيون لدراسة تاريخ العداء للمسلمين وأسبابه وأشكاله وآثاره في المملكة المتحدة، إلا أنه لا يوجد تعريف رسمي متفق عليه على نطاق واسع، مما يجعل من الصعب مقارنة مستويات "الإسلاموفوبيا" بين مناطق مختلفة أو مع ظواهر مشابهة مثل العنصرية أو معاداة السامية في بريطانيا.
وقد أثارت التعريفات السابقة جدلا واسعا داخل المملكة المتحدة، إذ لم تحقق توافقا بين السياسيين والأكاديميين والجاليات المسلمة، كما ارتبطت بنقاشات حساسة حول حدود حرية التعبير.
ويرى بعض الأكاديميين أن مصطلح "الإسلاموفوبيا" غير دقيق، لأنه يوحي بالخوف من الدين نفسه، بينما
وعلى الرغم من ذلك، تؤكد المنظمات المسلمة في بريطانيا أن المصطلح، رغم عدم كماله، يظل ضروريا لتسليط الضوء على مشكلة متنامية تتمثل في الكراهية ضد المسلمين.
ما مواقف الأطراف المختلفة من التعريف الجديد؟
تباينت المواقف حول التعريف الجديد للعداء للإسلام بين القوى السياسية والجماعات المدنية في بريطانيا.
إذ ترى الحكومة البريطانية أن التعريف ضروري لحماية الناس من "السلوك العدواني غير المقبول الذي يسعى إلى الترهيب والتفرقة"، مؤكدة أن حقوق حرية التعبير لم تتغير.
ورحبت جماعات مدنية وإسلامية ويهودية ومدافعة عن حقوق الإنسان بالتعريف، معتبرة أنه خطوة بناءة تساعد المؤسسات على الاستجابة للحوادث بشكل أفضل، مع التأكيد على ضرورة تنفيذه بعناية ودون تقييد حرية التعبير.
وشدد رئيس مجلس إدارة صندوق المسلمين البريطانيين شابر راندي على أهمية مواجهة "الارتفاع الكبير" في الهجمات على المساجد وعلى المسلمين البريطانيين في الشوارع، واعتبر أن التعريف يمثل خطوة للأمام لتوجيه المؤسسات التي كانت غالبا بطيئة أو ضعيفة في ردودها على الحوادث.
في المقابل، أعرب أعضاء المعارضة اليمينية عن قلقهم، معتبرين أن التعريف قد يؤدي إلى خلق ما وصفوه بـ"قانون تجديف"، ويطمس الخط الفاصل بين النقد المشروع للمعتقدات الدينية وخطاب الكراهية غير القانوني.
وقال وزير المجتمعات في حكومة الظل بول هولمز، إن التعريف الجديد أثار "أسئلة خطيرة"، مضيفا أنه "يُخاطر بتقويض حرية التعبير، وإعاقة النقد المشروع للإسلام السياسي، وخلق قانون تجديف من الباب الخلفي".