واشنطن تجمع أطراف ملف الصحراء الغربية مجددا... اختبار دبلوماسي لتسوية نزاع عمّر خمسين عاما

في الجمعة ٢٧ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

بعد اجتماع مدريد قبل أسبوعين، عُقدت مفاوضات جديدة حول ملف الصحراء الغربية يومي 23 و24 فبراير/شباط في واشنطن، برئاسة مشتركة من ستافان دي ميستورا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والسفير الأمريكي مايكل والتز. وتشكل هذه الاجتماعات اختبارا دبلوماسيا حاسما لتسوية النزاع في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين أطرافه. وسيظل اتفاق نهائي لإنهاء النزاع، وفق خبراء، بحاجة إلى متابعة دقيقة، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح المغرب واستقرار المنطقة من جهة ومطالب الصحراويين من جهة أخرى.اجتمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو مطلع فبراير/شباط 2026 بالعاصمة الإسبانية مدريد، لمناقشة خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، في لقاء مغلق برعاية الولايات المتحدة. وعقب ذلك بنحو أسبوعين، أعلنت الأمم المتحدة أن اجتماعا جديدا بشأن القضية عُقد في واشنطن الإثنين والثلاثاء، بعد ثلاثة أشهر من قرار لمجلس الأمن الدولي دعَم الخطة المغربية في المنطقة.

تفاصيل اجتماع مدريد بشأن الصحراء الغربية المنعقد برعاية أمريكيةتأتي هذه المساعي ضمن سلسلة جهود دبلوماسية مكثفة لتحريك المياه الراكدة في النزاع، الذي يمتد لنحو خمسين عاما، بعد أن اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية نهاية عام 2020، قبل إقامة المملكة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.وقد ركزت المناقشات لحد الآن على خطة الحكم الذاتي المغربية، مستبعدة خيار الاستقلال أو تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو ما يشير إلى أن المفاوضات باتت تدور حول توسيع صلاحيات الحكم الذاتي داخل إطار سيادة المغرب، وفقا لما أكده قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

جهود مكثفة للتعجيل بإيجاد حل
تسارع الجهود يرمي إلى بلوغ اتفاق في الأشهر القليلة المقبلة، كما يهدف أيضا إلى تعزيز صورة الولايات المتحدة كوسيط للسلام، ودعم المغرب، حليفها في المنطقة، وضمان استقرار أوسع في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

يشرف على المفاوضات ستافان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، إلى جانب السفير الأمريكي مايكل والتز، رئيس بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بصفته رئيسا مشتركا. ووفقا للمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، اختار دي ميستورا عدم الإدلاء بتصريحات إضافية لضمان نجاح المفاوضات، والتي تهدف إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير.

جولة جديدة من المفاوضات حول الصحراء الغربية في واشنطن برعاية الولايات المتحدةقبول الجزائر المشاركة في هذه الجولة من المفاوضات، دون تقديم أي مقابل واضح، اعتبره مراقبون بمثابة خطوة إلى الأمام. بينما استمرت جبهة البوليساريو في المطالبة بحق تقرير المصير، ورأت في الحكم الذاتي الموسع خطوة غير كافية لتلبية "تطلعات الشعب الصحراوي".

خطة الحكم الذاتي المغربية... نسخة موسّعة
خلافا لخطة عام 2007 التي لم تتجاوز ثلاث صفحات، كشفت مجلة أتالايار الإسبانية أن المغرب قدم نسخة موسعة من الخطة تضم أربعين صفحة موزعة على تسعة فصول واثنتين وأربعين مادة. وقد أعد هذه الصياغة ثلاثة مستشارين ملكيين، هم الدبلوماسي الطيب الفاسي الفهري، والخبير الدستوري عمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة، المستشار الرئيسي للملك محمد السادس، بهدف تحقيق توازن سياسي بين الصحراء وبقية مناطق المملكة.

وتنص الخطة وفقا للصحيفة على إنشاء جهة ذاتية الحكم، تتمتع بحكومة وبرلمان ونظام قضائي جهوي. وتحتفظ الرباط بالاختصاصات السيادية، مثل الدفاع الوطني والسياسة الخارجية والعملة والجنسية والرموز الوطنية. ويعد تعيين رئيس الحكومة الجهوية من قبل الملك جزءا من هذا الهيكل لضمان استمرار وحدة الدولة، إذ يرى المغرب أن الوالي يجب أن يكون ممثلا للدولة المركزية، مع الحفاظ على سيادة القانون وتطبيقه باسم الملك.

ويمثل الحكم الذاتي الموسع محاولة لتسوية النزاع دون المساس بوحدة الدولة، مع الاعتراف بالهوية الثقافية المحلية، وتنظيم عودة اللاجئين، وضمان إدارة الموارد الطبيعية بطريقة شفافة ومنسجمة مع السياسات الوطنية.

خلافات حول الصلاحيات
من جهتها، تطالب جبهة البوليساريو بصلاحيات أوسع لرئيس الجهاز التنفيذي الجهوي، الذي يجب وفقها أن يُنتخب من قبل السكان المحليين، في حين يتمسك المغرب بأن يكون التعيين ملكيا لضمان الانسجام مع بقية جهات المملكة.

كما أثيرت خلافات حول الاستفتاء المرتقب لتثبيت الحكم الذاتي، إذ تطالب البوليساريو والجزائر أن يقتصر التصويت على السكان الصحراويين، في حين تنص الوثيقة المغربية على مشاركة الهيئة الناخبة المغربية كاملة. هذا التباين يعكس صعوبة التوفيق بين طموحات الأطراف المختلفة، في ظل ميزان قوة يميل لصالح المغرب، مدعوما من الولايات المتحدة.

الموارد الطبيعية والهوية الصحراوية
تتضمن الخطة بنودا لإدارة الموارد الطبيعية، بما في ذلك الثروات السمكية والفوسفات، مع تحديد نسب واضحة لعودتها إلى الجهة، تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات المغربي، لضمان عدم حدوث هيمنة اقتصادية قد تُضعف الدولة المركزية. ويجري وضع إطار قانوني صارم للاستثمارات والمشاريع، مع رقابة مزدوجة: جهوية ومركزية.

يعد ملف الهوية واللاجئين ضمن نقاط حساسة أخرى. إذ تخصص الخطة إجراءات واضحة لعودة نحو 165 ألف لاجئ من مخيمات تندوف، مع اشتراط نزع السلاح والتخلي عن مطلب الاستقلال، مع إمكانية العفو عن بعض المخالفين باستثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما تعترف الخطة بالهوية الحسانية، مع إنشاء معهد خاص لتعزيز اللغة والثقافة المحلية، مع إدماجها ضمن الهوية الوطنية المغربية، دون منح حق الانفصال.

بحسب خديجة محسن فنان، المختصة في العلوم السياسية، والباحثة في مختبر سيريس (SIRICE) فإن "قبول البوليساريو بالجلوس إلى طاولة المفاوضات يعكس إدراكا بضرورة البحث عن تسوية، تقوم على طلب أكبر قدر ممكن من المكاسب، ولو أن الحد الأدنى المطلوب يتمثل في الاعتراف بهويتها وضمان حفظ ماء وجه جميع الأطراف. فالهدف هو التوصل إلى مخرج تفاوضي لا يُقدَّم فيه طرف على أنه خاسر وآخر على أنه رابح".

في المقابل، تميل الولايات المتحدة، وفق هذا التصور، إلى ترجيح خيار إدماج الصحراء ضمن السيادة المغربية في إطار تسوية تفاوضية، ما قد يعني عمليا نهاية مشروع الاستقلال الذي ترفعه البوليساريو.

خديجة محسن فنان، ترى أن السؤال الذي يبقى مطروحا مرتبط أساسا بتطبيق الحكم الذاتي كاملا، وتوضح أن "الجزم بذلك صعب في هذه المرحلة. فجبهة البوليساريو تسعى إلى أقصى درجات الحكم الذاتي الممكنة، غير أن هامش مناورتها التفاوضي يبدو محدودا، خاصة في ظل التقارب المغربي–الأمريكي".

وفقا لكثير من الخبراء، فإن أي اتفاق نهائي لإنهاء النزاع سيظل بحاجة إلى متابعة دقيقة، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح المغرب واستقرار المنطقة من جهة، ومطالب الصحراويين من جهة أخرى، في ظل إشراف دولي مباشر من الولايات المتحدة والأمم المتحدة.