مليونا عامل دليفري في مصر بلا حماية قانونية

في الثلاثاء ٢٤ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

في شوارع القاهرة والإسكندرية ومدن مصر الكبرى، صار مشهد الدراجات النارية التي تحمل صناديق التوصيل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لكن خلف هذا الحضور الكثيف يقف قطاع عمل واسع بلا ملامح واضحة ولا حماية قانونية وحقوقية مكتملة، وهو ما أعاد النقاش حول أوضاع "عمال الدليفري" إلى الواجهة مع تحركات برلمانية تطالب بتنظيمه.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو مليوني شخص يعملون في مجال توصيل الطلبات في القاهرة والمدن الكبرى، وهو رقم يعكس اتساع الظاهرة وتغلغلها في الاقتصاد الحضري المعتمد بشكل متزايد على الخدمات الرقمية والطلب عبر التطبيقات.

هذا الانتشار مرتبط بتوسع الطلب على خدمات التوصيل التي لم تعد تقتصر على الطعام أو البقالة، بل امتد إلى نقل المستندات والملابس وحتى العينات الطبية، ما جعل هؤلاء العمال جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.

غير أن اتساع القطاع لا يعني استقراراً مهنياً؛ فوزارة العمل ذاتها تقر بعدم وجود إحصاء شامل لعدد العاملين فيه، إذ قالت مديرة قطاع السلامة والصحة المهنية بالوزارة، منى درديري، في تصريح سابق إنه لا يوجد حتى الآن حصر كامل وشامل لأعداد عمال التوصيل، مشيرة إلى أن أعدادهم كبيرة ومتزايدة على مستوى الجمهورية.

مكاتب البريد في مصر، الأقصر في 23 مارس 2022 ( Getty)
اقتصاد عربي
بدء طرح "سند المواطنوفي ظل هذا الغياب الإحصائي، أطلقت الوزارة حملة باسم "سلامتك تهمنا"، وأعلنت توجهها لإلزام الشركات بتوفير مهمات الوقاية، مع السعي لتسجيل العاملين ضمن قاعدة بيانات العمالة غير المنتظمة لضمان التأمين الاجتماعي والصحي ضد إصابات العمل.
من زاوية العمال أنفسهم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ يقول محمد شريف، الذي يعمل في إحدى شركات الطلب عبر التطبيقات، إن العمل في هذا المجال جاء نتيجة صعوبة العثور على وظيفة مستقرة، مضيفاً أن الضغوط الاقتصادية دفعت كثيرين إلى نموذج "العمل عند الطلب" رغم قسوته ومخاطره اليومية، فضلاً عن عدم وجود أي ضمانات أو حماية اجتماعية. وأشار إلى أن أبرز التحديات تشمل: ساعات العمل الطويلة والمجهدة، غياب التأمينات، مخاطر الطريق، ونقص أدوات الوقاية، إلى جانب الضغوط الشديدة من الشركات لإتمام الطلبات بسرعة.
هذه الشهادة تعكس اتجاهاً أوسع في سوق العمل المصري، حيث يعمل نحو 63% من القوة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، حسب بيانات منظمة العمل الدولية، ما يضع قطاع التوصيل ضمن منطقة رمادية قانونياً وتنظيمياً.
وفي المقابل، تنفي بعض المنصات الرقمية لشركات التوصيل اتهامات التقصير في الحماية، حيث صرحت بأنها تساهم في نظم التأمين ضد الحوادث والحياة، لكنها أوضحت في نفس الوقت أن إدارة العاملين تتم عبر متعاقدين خارجيين، وأن الالتزامات القانونية المباشرة تجاههم محدودة.
هذا الطرح يثير انتقادات حقوقية وعمالية، إذ يرى القيادي العمالي ورئيس اتحاد عمال الإسكندرية الأسبق، عبد المنعم عبد العزيز، أن عمال التوصيل، بحكم طبيعة عملهم وساعات قيادتهم الطويلة، يقعون ضمن الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر.ويؤكد في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الحل الأمثل يتمثل في تشكيل نقابات تمثل هؤلاء العمال، لكنه أقر بصعوبة ذلك بسبب طبيعة العمل المتنقلة التي تمنعهم من الالتقاء أو التنظيم المشترك.
هذه المخاوف لا تنفصل عن السياق الأوسع لسلامة الطرق؛ فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي تشير إلى أن حوادث الطرق في مصر أسفرت عن 5260 وفاة عام 2024، وهو أحدث رقم رسمي متاح، مقابل 5861 وفاة في العام السابق، مع ارتفاع الإصابات إلى أكثر من 76 ألف حالة، وهو ما يعكس استمرار المخاطر رغم تراجع عدد الوفيات نسبياً.
وعلى مستوى التشريع، تسعى الحكومة إلى إدماج هؤلاء ضمن منظومة الحماية، إذ أكد وزير العمل محمد جبران أن تسجيلهم في قاعدة العمالة غير المنتظمة يهدف إلى ضمان معاشاتهم وتأمينهم الصحي والتعويض عن إصابات العمل، مشدداً على ضرورة تعاون الشركات في تمويل هذه المنظومة. لكن خبراء يرون أن الخطوة لا تزال أولية؛ إذ تقول النائبة البرلمانية مها عبد الناصر، في طلب إحاطة مقدم للحكومة، إن القضية مرتبطة بسلامة العاملين الذين يعملون دون عقود، الأمر الذي يتطلب فتح ملف التشريع في هذا القطاع. وتشير عضو البرلمان إلى أن شركات التوصيل تتحايل على القانون بتصنيف العمال بصفتهم "مقدمي خدمات" للتهرب من الالتزامات التأمينية، مما يفرغ النصوص القانونية من مضمونها. وطالبت بضرورة تفعيل آليات الرقابة الصارمة لضمان تطبيق كود السلامة المهنية، مؤكدة أن تقنين أوضاع هذه الفئة ضرورة ملحة لحماية السلم الاجتماعي.