تشهد السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، ما دفع ملايين المدنيين إلى الفرار من مناطق القتال، سواء بالنزوح داخل البلاد أو باللجوء خارجها، في موجة تعد الأكبر في تاريخ البلاد الحديث.
ووفق أحدث بيانات أممية، تجاوز عدد النازحين داخليًا داخل السودان 9.2 ملايين شخص، في حين اضطر أكثر من 4.4 ملايين سوداني إلى عبور الحدود منذ اندلاع القتال في نيسان / أبريل 2023، متجهين إلى دول الجوار أو إلى مسارات هجرة بعيدة وخطيرة نحو أوروبا.
وفي هذا السياق، تُظهر الإحصاءات الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد السودانيين الواصلين إلى أوروبا، حيث سجل عام 2025 قفزة حادة في الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، عاكسة تحوّل النزوح القسري من أزمة إقليمية إلى ملف دولي متصاعد مرتبط بالحرب والعنف وانهيار سبل العيش داخل السودان.
ومن جانبها كشفت المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، بأن أعداد اللاجئين والمهاجرين السودانيين الذين وصلوا إلى أوروبا شهدت زيادة حادة خلال عام 2025، حيث تضاعفت ثلاث مرات خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني / يناير إلى تشرين الثاني / نوفمبر، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في ظل استمرار الصراع المسلح وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل السودان.
زيادة متوقعة
أوضح المتحدث باسم الجالية السودانية في إسطنبول، ناجي الكرشابي، أن تصاعد موجات الهجرة السودانية باتجاه أوروبا خلال العامين الماضيين لم يكن مفاجئًا، مؤكدًا أن هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها أو تفسيرها من خلال منطق الهجرة الاقتصادية التقليدية، إذ إن ما يشهده السودان هو هجرة قسرية بامتياز فرضتها الحرب والانهيار الشامل الذي طال بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.
وأشار الكرشابي في تصريحات خاصة لـ"عربي21" إلى أن المواطن السوداني لم يغادر بلاده بحثًا عن حياة أفضل أو رفاه مفقود، بل هربًا من مستقبل قاتم، في ظل القتل الواسع والانتهاكات الجسيمة وانعدام الأمن، إلى جانب تدمير سبل العيش، وهي ممارسات قال إنها ارتبطت بشكل مباشر بمليشيات الدعم السريع، وتؤكدها تقارير موثقة صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية.
وأضاف أن موجات الهجرة الحالية جاءت أيضًا نتيجة الاجتياحات الواسعة التي طالت المدن السودانية، وعلى رأسها مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، موضحًا أن ذلك يفسر سبب انحدار نسبة كبيرة من المهاجرين السودانيين من المناطق التي تعرضت للاجتياح المباشر وسيطرة المليشيات المسلحة.
وأكد الكرشابي أن التضاعف الملحوظ في أعداد المهاجرين السودانيين، كما تشير إليه تقارير حديثة، يُعد نتيجة مباشرة لاستمرار الحرب، التي لم تكن معزولة عن تدخلات خارجية وإقليمية أسهمت في إطالة أمد الصراع، من خلال تقديم دعم سياسي أو عسكري أو لوجستي لمليشيا الدعم السريع.
وأوضح أن هذا الدعم لم يؤد فقط إلى تعقيد المشهد العسكري، بل ساهم كذلك في تفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية، وخلق بيئة طاردة للسكان، لا سيما الشباب والطلاب وأصحاب الكفاءات، الذين باتوا يرون في الهجرة خيارًا اضطراريًا لا بديل عنه.
ولفت إلى أن الأخطر من ذلك هو أن عدم الاستقرار في السودان لا ينعكس فقط في خروج السودانيين من البلاد، بل يحوّل السودان تدريجيًا إلى ممر مفتوح لهجرات أخرى قادمة من دول أفريقية مجاورة تعاني بدورها من الفقر والنزاعات المسلحة.
وأشار إلى أن السودان كان تاريخيًا دولة عبور ضمن مسارات الهجرة، إلا أن الحرب وضعف السيطرة على الحدود جعلاه اليوم جزءًا أساسيًا من معادلة الهجرة غير النظامية التي تثير قلقًا متزايدًا لدى الدول الأوروبية.
وشدد الكرشابي على أن استقرار السودان لم يعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل أصبح مصلحة إقليمية ودولية مباشرة، نظرًا لتداعياته الأمنية والإنسانية والهجرية العابرة للحدود.وختم بالقول إن التعامل مع ملف الهجرة من خلال إجراءات أمنية أو سياسات ردع أوروبية لن يكون مجديًا ما لم يُعالج السبب الجذري للأزمة، والمتمثل في وقف الحرب، وتجفيف مصادر دعم المليشيات، ودعم مسار استعادة الدولة السودانية، محذرًا من أنه من دون ذلك ستستمر موجات الهجرة في التضاعف، وستواصل أوروبا وغيرها دفع ثمن التدخلات السلبية في المشهد السوداني.
155 ألف إلى أوروبا
وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت، في بيانات حديثة، أن أكثر من 12,600 سوداني تمكنوا من الوصول إلى القارة الأوروبية خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من عام 2025، ضمن إجمالي يتجاوز 155 ألف مهاجر ولاجئ عبروا البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا خلال العام الماضي.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، توزعت وجهات السودانيين الواصلين إلى أوروبا بشكل رئيسي بين اليونان بنسبة تقارب 65 بالمئة، وإيطاليا بنحو 30 بالمئة، في حين توجهت النسبة المتبقية إلى إسبانيا عبر طرق بحرية أقل استخدامًا.
نساء وأطفال بنسب متفاوتة
وأوضحت المنظمة أن نسبة النساء بين السودانيين الواصلين إلى اليونان بلغت نحو 18بالمئة، وهي نسبة أعلى مقارنة ببعض الجنسيات الأخرى، رغم أن حصتهن من إجمالي عدد السودانيين الوافدين إلى أوروبا لا تزال غير محددة بدقة بسبب اختلاف مصادر البيانات.
وفي إيطاليا، ورغم عدم إدراج الأطفال ضمن العينة الأساسية للمسح، أظهرت البيانات الرسمية وجود نسبة لافتة من الأطفال بلغت نحو 18بالمئة من إجمالي القادمين السودانيين، غالبيتهم من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا، ما يعكس تصاعد المخاطر التي يتعرض لها القاصرون خلال رحلات الهجرة غير النظامية.
دوافع الهجرة
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن الحرب والنزاعات المسلحة شكّلت الدافع الرئيسي لهجرة السودانيين، إذ أشار 99.5 بالمئة من الرجال و92 بالمئة من النساء إلى الصراع كسبب أساسي لمغادرتهم البلاد، فيما ذكر العنف الشخصي كعامل إضافي بنسبة 8بالمئة بين الرجال و6 بالمئة بين النساء.
كما أفاد عدد محدود من الرجال، بنسبة تقارب 3 بالمئة، بأن الأسباب الاقتصادية لعبت دورًا في قرارهم بالهجرة، إلا أن المنظمة شددت على أن الدوافع الإنسانية والأمنية تبقى العامل الغالب.
عبور داخل أوروبا
وأظهرت بيانات المنظمة اختلاف الوجهات النهائية المقصودة للسودانيين بحسب مسار الوصول. فمن بين الذين وصلوا إلى اليونان، قال أكثر من 80 بالمئة إنهم ينوون البقاء فيها، بينما أشار آخرون إلى رغبتهم في التوجه إلى فرنسا أو دول أوروبية أخرى.
في المقابل، أفاد السودانيون الذين وصلوا إلى إيطاليا بأن 22 بالمئة فقط ينوون الاستقرار هناك، بينما أبدى 41 بالمئة رغبتهم في التوجه إلى المملكة المتحدة، و15 بالمئة إلى فرنسا، و22 بالمئة إلى دول أوروبية أخرى.ولاحظ باحثو المنظمة ازدياد حركات العبور الثانوية داخل أوروبا، خاصة عبر دول غرب البلقان، حيث تبِعت زيادة الوافدين إلى اليونان في الربع الثالث من عام 2025، زيادة ملحوظة في تسجيلات العبور خلال الربع الرابع من العام نفسه.
رحلات طويلة ومخاطر جسيمة
وأشارت المنظمة إلى أن الارتفاع في أعداد السودانيين الواصلين إلى أوروبا ترافق مع رحلات شديدة الخطورة وطويلة الأمد، إذ أفاد أكثر من نصف المشاركين بأنهم قضوا فترات طويلة في دول العبور، غالبًا عامًا أو أكثر، قبل الوصول إلى أوروبا.
وبحسب البيانات، قال نحو 30 بالمئة من المشاركين إنهم مكثوا سنة على الأقل في ليبيا، بينما ذكر قرابة 20 بالمئة أنهم أقاموا في مصر لمدة عام أو أكثر، قبل مواصلة الرحلة باتجاه إيطاليا أو اليونان.
انتهاكات جسيمة أثناء العبور في ليبيا
وفي مسح خاص بالهشاشة، وثّقت المنظمة الدولية للهجرة أنماطًا مقلقة من العنف والاستغلال، لا سيما على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط. وأفاد المشاركون بأن أبرز المشكلات التي واجهوها شملت الصعوبات المالية (37 بالمئة)، ونقص المأوى (20بالمئة)، والسرقة.
كما قال 28 بالمئة إنهم أُجبروا على أداء أعمال غير مدفوعة الأجر، وذكر 26بالمئة أنهم تعرضوا للاحتجاز القسري، بينما أفاد 70 بالمئة بتعرضهم لـعنف جسدي، يُعتقد أن معظم هذه الانتهاكات وقعت أثناء العبور أو الإقامة في ليبيا.
أزمة إنسانية متفاقمة
ورغم سعي بعض السودانيين للوصول إلى أوروبا، أكدت المنظمة أن الغالبية العظمى من الفارين من الصراع لا يغادرون المنطقة، حيث يُقدَّر عدد النازحين داخليًا داخل السودان بأكثر من 9.2 مليون شخص، بينما اضطر أكثر من 4.4 مليون سوداني إلى اللجوء خارج البلاد منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان / أبريل 2023، ما يبرز حجم واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا.