يُنظر عادة إلى ثاني أكسيد الكربون على أنه الشرير في قصة المناخ، حيث يتصاعد من مداخن المصانع وعوادم السيارات والطائرات ثم يتراكم في الغلاف الجوي، فيتسبب في الاحتباس الحراري، الذي يمثل أصل كل ما نواجهه من مشكلات في مناخ الأرض.
الهدف كان دائما أن نتمكن من "جمع" ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، مثلما نجمع الثمار من الحقل، لكن فريقا من جامعة ييل وجامعة ميزوري الأميركيتين أعلن مؤخرا أنه صمم محفزا يعتمد على المنغنيز، وهو معدن شائع ورخيص، لتحويل ثاني أكسيد الكربون بكفاءة إلى مركب يسمى "الفورمات".
يُنظر عادة إلى ثاني أكسيد الكربون على أنه الشرير في قصة المناخ (رويترز)
سر الفورمات
وبحسب الدراسة، التي نشرها الفريق في دورية "كيم" (Chem)، فإن الفورمات هو الشكل الأيوني لحمض الفورميك، وقد يبدو الاسم كيميائيا بحتا، لكن قيمته تأتي من فكرة مهمة في اقتصاد الهيدروجين، فحمض الفورميك يُدرَس على نطاق واسع باعتباره مادة يمكن أن تخزن الهيدروجين كيميائيا ثم تُطلقه لاحقا لتغذية خلايا الوقود.
لعقود، كان تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى منتجات مفيدة أمرا صعبا، لأنه جزيء مستقر يحتاج إلى دفع كيميائي قوي لكي يتغير.
وبحسب الدراسة، فإن كثيراً من أفضل المحفزات في هذا النوع من التحويل اعتمد على معادن غالية ونادرة، وحين تعمل هذه المحفزات جيدا، يبقى السؤال الاقتصادي والبيئي حاضرا، لأنه لا يمكن توسيع الإنتاج مع هذه التكلفة.
هنا يأتي الرهان على المنغنيز، فهو معدن وفير ورخيص، لكن محفزات المعادن الرخيصة تعاني غالبا من نقطة ضعف كبيرة، وهي أنها تملك عمراً تشغيليا قصيرا، حيث تعمل قليلا ثم تتدهور.
لكن العلماء، بحسب الدراسة الجديدة، أعلنوا أنهم تمكنوا من كسر هذا الحاجز، والفكرة ليست في المنغنيز وحده، بل في الهندسة الدقيقة لما يحيط به، فالمحفز عادة يتكون من معدن في المركز وجزيئات تمسك به وتضبط سلوكه، كأنها أذرع تحميه وتوجه تفاعلاته.
إنتاج الفورمات صناعيا اليوم غالبا ما يرتبط بالوقود الأحفوري (شترستوك)
اقتصاد مختلف
بحسب الفريق، المفتاح كان تثبيت المحفّز عبر تعديل تصميم تلك الجزيئات وإضافة "ذرة مانحة" إضافية، ما أطال عمر المحفز لدرجة أن أداءه تفوق على كثير من محفّزات المعادن النفيسة.
إعلان
يأتي ذلك كله في سياق أن إنتاج الفورمات صناعيا اليوم غالبا ما يرتبط بالوقود الأحفوري، ومن ثم فإن البديل الأكثر صداقة للبيئة هو إنتاجه من ثاني أكسيد الكربون بطريقة مستدامة.
في النهاية، قيمة هذا النوع من الأبحاث لا تكمن في سحر تحويل غاز ضار إلى وقود من لا شيء، بل في بناء حلقة مفقودة في اقتصاد منخفض الكربون، تتضمن أن يصبح ثاني أكسيد الكربون، بعد التقاطه، مادة خام تُعاد إلى دورة الإنتاج بدل أن يبقى نفاية تُدفن.